. كان من قدماء مماليك الظاهر المذكور وأخذ الإمرة قبل الظاهرية الموجودين، وكان شكلا حسنا طوالا له عصبة وإقدام فى الأمور وفعل فى دولة أستاذه عادة من تقدمه من المماليك السلطانية، وكان يتسلط على الوزير والأستادار والمباشرين بالضرب والسب فيكتبوا له ولمن فى خدمته الجوامك واللحم [الجيد] الصنف والمثمن، وصار (١١٦ م) أستاذه الظاهر يغضب منه كل قليل بواسطة ذلك ويوصيه بهم. وهو من الفرسان الشجعان الأبطال، غير أنه كان مسرفا على نفسه والله يغفر لنا وله.
_________________
(١) أورد له السخاوى فى الضوء اللامع ٣/ ٢٤ ترجمة قصيرة.
[ ٣٠٠ ]
وترقى فى الوظائف السنية إلى أن وصل إلى حجوبية (^١) الحجاب بالديار المصرية فى الدولة الظاهرية خشقدم، وصار له فى البلد حرمة وسمعة، ثم نقل منها إلى نيابة حلب فأقام بها، ثم ولى نيابة الشام فاستمر بها إلى أن قبض عليه فى دولة الظاهر يلباى بواسطة خيربك (^٢) الدوادار الظاهرى خشقدم الذى صاهر بيت (^٣) الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم فإنه كان صاحب الحل والعقد فى دولته، وتوجهوا به إلى القدس الشريف منفيا، ثم أعيد فى دولة الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - إلى كفالة الشام ثانيا عوضا عن المقر الأشرف العالى السيفى أزبك من ططخ بحكم استقرار الأمير المذكور فى الإمرة الكبرى عوضا عن جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز الأشرفى برسباى بحكم القبض عليه من شاه سوار المخذول.
ومات قبله بأيام يسيرة داوداره أبو بكر، واشتملت تركة صاحب الترجمة وتركة أبى بكر الدوادار المذكور على مال قيل إنه يزيد على مائتى ألف دينار وتوجه لضبط تركتهما الأمير الأجل قجماس الظاهرى جقمق وأحضر صحبته نحوا من أربعين ألف دينار نقدا خارجا عن القماش والصوف والسمور والسنجاب والبعلبكى والسلاح والخيول والجمال والمماليك والعبيد والإماء والأملاك والرزق والإقطاعات والبغال والأمتعة وغير ذلك.
وكان دواداره أبو بكر المذكور أصله فلاحا فخدم بجمقدارا عند صاحب الترجمة مدة فقرّبه وصار يرسله إلى المباشرين والأمراء فحصلت حاله ونمى ماله وكان كثير القلاقل، فبلغه عنه كلام فغضب عليه وضربه وطرده وأخذ ماله
_________________
(١) وذلك فى المحرم سنة ٨٦٦ هـ، راجع بدائع الزهور لابن إياس، ص ١٠٨.
(٢) راجع الضوء اللامع ٣/ ٧٨٢.
(٣) بلا تنقيط فى الأصل.
[ ٣٠١ ]
وما يملكه فصار فقيرا لا يملك شيئا، فانتمى إلى علاء (^١) الدين بن الفيسى ونزل بساحته وكان إذ ذاك فى ثروة ووظائف فصار يطعمه ويسقيه ثم توجه منه إلى المهتار على فطيس فى دولة الملك الأشرف إينال فصار قائما بأموره كلها، فقدر الله أن أستاذه المذكور استقر فى نيابة حلب فتوجه فى خدمته ورضى عليه وصار هو [صاحب] الحل والعقد عنده، فحصل الأموال واقتنى من كل شئ أحسنه: من القماش والجوارى والنساء والخيول والمماليك والعبيد، وصار له ثروة هائلة، وعظم وضخم عنده بواسطة أنه اطلع على سمّ دسّوه عليه فعرفه به فعرفها (^٢) له وصار لا يسمع فيه كلاما وألقى إليه مقاليده وأموره بأسرها فصار فى أوج العظمة، وصار الظاهر خشقدم يريد عزله والقبض عليه وإدخال شئ من المآكل أو المشارب مشغولا عليه فلا يصل إلى ذلك بواسطة دواداره المذكور، فنتج أمره عنده واستقام حاله، وخلّف على ما قبل ما يوازى تركة أستاذه.
ووصل سيف صاحب الترجمة فى يوم الخميس سابع عشرى شهر الله المحرم سنة تاريخه أى خمس وسبعين وثمانى مائة على يد الحاجب الثانى بها أو غيره، وأخبروا بوفاته فى الحادى عشر من تاريخه ودفن من الغد، سامحه الله.