قال: ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال - وقيل يوم الجمعة سابع عشر - سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
وأقام فى تدبير الأمور إلى سابع ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم، فسلّموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعا وعشرين سنة.
ومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادى عشر من رمضان سنة تسع (^١) عشرة وثلاثمائة.
ومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة، وخمسة أشهر، وسبعة عشر يوما.
فلما كان فى سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره فى جبل أوراس، وكان ملجأ كلّ منافق على الملوك، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوّارة، ولم يدخلوا فى طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وتقدّم إلى نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز، فعظم أمره.
وفى سنة سبع وأربعين عظم أمر أبى الحسين جوهر عند المعز، وعلا محله، وصار فى رتبة الوزارة، فسيّره فى صفر منها على جيش كثيف، فيهم الأمير زيرى بن مناد (^٢) الصنهاجى
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى «ج» والخطط «سبع عشرة»
(٢) جاء فى الهامش بالأصل تتمة لهذا الاسم ونصها: «بخطه - أى بخط المؤلف -: زيرى بن مناد بن منفوس؟؟؟ (بدون نقط) بن زناك».
[ ١ / ٩٣ ]
وغيره، فسار إلى تاهرت، وحارب قوما، وافتتح مدنا، ونهب وأحرق، وسار إلى فاس (^١) فنازلها مدة، وسار إلى سجلماسة، وقد قام بها رجل (^٢) وتلقب بالشاكر لله، وخوطب بأمير المؤمنين، ففرّ من جوهر فتبعه حتى أخذه أسيرا.
ومضى [جوهر] إلى البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وبعثه فى قلال الماء إلى المعز، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها، ثم عاد فقاتل أهل فاس حتى افتتحها عنوة، وقبض على صاحبها، وجعله مع صاحب سجلماسة فى قفصين، وحملهما إلى المعز بالمهدية، وعاد فى أخريات السنة.
وفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار (^٣) المعز لدين الله الأمراء بنيه: عبد الله، وتزار، وعقيل؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عمّاله وولاته من لدن برقة إلى أقصى سجلماسة، وما بين ذلك، وما حوته مملكته إلى جزيرة صقلية وما والاها، فى حضر وبدو، وبحر وبر، وسهل وجبل، بطهور من وجد من أولاد سائر الخلق، حرّهم وعبدهم، وأبيضهم وأسودهم، ودنيئهم وشريفهم، ومليهم وذميهم، الذين حوتهم مملكته، لمدة شهر، وتوعّد على ترك ذلك، وأمرهم بالقيام بجميع نفقاتهم وكسوتهم، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغيره بمقدار رتبهم وأحوالهم، فكان من جملة المنفق فى ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلية وحدها من المال - سوى الخلع والثياب - خمسون حملا من الدنانير، كلّ حمل عشرة آلاف دينار، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه على أهل عمله.
وابتدئ بالختان فى مستهل ربيع الأول منها، فكان المعز يطهر فى اليوم من أيام الشهر
_________________
(١) قال ياقوت: «هى مدينة كبيرة على بر المغرب من بلاد البربر، وهى حاضرة المغرب وأجل مدنه قبل أن تختط مراكش .. وليس بالمغرب مدينة يتخللها الماء غيرها الا غرناطة بالأندلس»، وقال البكرى: «مدينة فاس مدينتان مفترقتان مسورتان، عدوة القرويين وعدوة الأندلسيين … وأسست عدوة الأندلسيين .. فى سنة ١٩٢، وعدوة القرويين فى سنة ١٩٣ فى ولاية ادريس بن ادريس .. الخ».
(٢) يوجز المقريزى هنا فى هذا الفصل عن: (الأثير: الكامل، ج ٨، ص ٢٠٧) واسم هذا الرجل هناك: «محمد بن واسول».
(٣) أعذر الغلام وعذره أى ختنه، وللقوم عمل طعام الختان (القاموس)
[ ١ / ٩٤ ]
بحضرته اثنا (^١) عشر ألف صبى وفوقها ودونها، وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبى، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق فى هذا الإعذار مائة وسبعين قنطارا (^٢) بالبغدادى.
واستدعى المعز - وهو بالمنصورية - فى يوم شات باردة الريح عدّة شيوخ من شيوخ كتامة، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذى جرى الرسم به، فإذا هو فى مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح، وحوله كساء، وعليه جبة، وحواليه أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب، وبين يديه مرفع ودواة، وكتب حواليه، فقال:
«يا إخواننا: أصبحت اليوم فى مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء - وإنها الآن بحيث تسمع كلامى -: أترى إخواننا يظنون أنا فى مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلّب فى المثقل (^٣) والديباج (^٤) والحرير والفنّك (^٥) والسّمّور والمسك والخمر والغناء كما يفعل أرباب الدنيا؟!
ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالى إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وأنى لا أفضلكم فى أحوالكم إلا فيما لا بد لى منه من دنياكم، وبما خصّنى الله به من إمامتكم، وأنى مشغول بكتب ترد على من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى، وأنى لا أشتغل بشئ من ملاذ الدنيا إلا بما صان أرواحكم، وعمّر بلادكم، وأذلّ أعداءكم، وقمع أضدادكم.
_________________
(١) فى النسختين: «اثنى»، وما أثبتناه هو الصحيح
(٢) هذا اللفظ من أصل لاتينى هو " Quintale "، ومقابله بالفرنسية والاسبانية والانجليزية" Quintal "
(٣) المثقل من الثياب ما كان منسوجا بالذهب.
(٤) الديباج من أقدم الاقمشة الثمينة المعروفة فى الشرق قبل الاسلام، وكان يصنع فى الصين وأرمينية، ويغلب أن يكون من الحرير. انظر: (عبد العزيز مرزوق: الزخرفة المنسوجة فى الأقمشة الفاطمية، ص ٣٩، هامش ٣)
(٥) عرف (Dozy:Supp.Dict.Arab) الفنك بأنه نوع صغير جدا من الثعالب فى حجم القط يسكن الأقاليم الحارة فى افريقية من الحبشة ودارفور الى شمال القارة، وجاء فى (محيط المحيط) أن الفنك حيوان فروته أحسن الفراء وأعدلها، قيل هو نوع من جراء الثعلب التركى، وقيل يطلق على جرو ابن آوى فى بلاد الترك» والمقصود باللفظ هنا الفراء لا الحيوان.
[ ١ / ٩٥ ]
فافعلوا يا شيوخ فى خلوتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التجبر والتكبر، فينزع الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلىّ كتحننى عليكم، ليتصل فى الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل.
وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التى تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثير منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحائزكم (^١)؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم.
واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرّب الله علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم».
وفى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر [المعز] بحفر الآبار فى طريق مصر، وأن يبنى له فى كل منزلة قصر، ففعل ذلك.
وفى يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر بموت كافور الإخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى (^٢).
واستدعى [المعز] يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب - صاحب بيت المال - وهو بالمغرب، فوجده فى وسط القصر جالسا على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبددة فى صحن القصر، فقال له:
«هذه صناديق مال، وقد شذّ عنّى ترتيبها، فانظرها ورتبها».
قال: «فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يدىّ جماعة من خدام بيت المال والفراشين»، وأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها فى الخرائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها، وتختم بخاتمه، وقال: «قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك» ففعل.
_________________
(١) نحائزكم أى أصولكم، فالنحاز - بكسر النون وضمها - الأصل (القاموس)
(٢) يفهم من النص هنا أن كافورا توفى فى العشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٥ هـ، والصحيح أن الوفاة حدثت فى هذا التاريخ من سنة ٣٥٧، فهذا اليوم من سنة ٣٥٥ ليس يوم أربعاء، وانما هو يوم أربعاء فى سنة ٣٥٧. انظر: (النجوم الزاهرة، ج ٤ ص ١٠ و٢١) و(التوفيقات الالهامية).
[ ١ / ٩٦ ]
وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التى سيّرها إلى مصر - فى سنتى ثمان وتسع وخمسين - مع القائد جوهر.
وكان رحيله فى رابع عشر ربيع الأول منها، ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح والخيل والعدد ما لا يوصف، فقدم جوهر إلى مصر، ووصلت البشارة بفتحها فى نصف رمضان سنة ثمان وخمسين، فسرّ المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانئ قصيدة أولها:
يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ … فقل لبنى العباس: قد قضى الأمر
ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبى عبد الله الحسن بن أحمد القرمطى - المعروف بالأعصم (^١) - أنشده ابن هانئ قصيدة منها:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار، … فاحكم فأنت الواحد القهّار
وأنشد أيضا أخرى أولها:
وعلى (^٢) أمير المؤمنين مظلّة … زاحمت تحت لوائها جبريلا
وفى سنتى ستين وإحدى وستين قال: ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف دينار.
ولما أنفذ جوهر إلى مصر، وبرز يريد المسير إلى مصر، بعث [المعز] خفيفا الصّقلبى - صاحب السّتر (^٣) - إلى شيوخ كتامة، يقول:
_________________
(١) أحد زعماء القرامطة، ولد بالأحساء، وفى سنة ٣٦٠ خرج الى دمشق فاقتتل مع جيش جعفر بن فلاح وقتله بظاهر دمشق، وملك دمشق وولى عليها ظالم بن موهوب العقيلى، ثم عاد الى بلاد هجر، وهاجم مصر فى أوائل سنة ٣٦٢، ثم تقهقر الى الشام، ومات بالرملة فى رجب سنة ٣٦٦، انظر: (النجوم الزاهرة، ج ٤ ص ٣١، ٥٦، ٥٨، ٥٩، ٧٠، ٧٤، ٧٥، ١٢٨).
(٢) كذا فى الأصل، وفى (ج): «وخيل أمير المؤمنين مطلة»، وليس فى الديوان قصيدة تنتهى بهذا الروى الا قصيدة واحدة مطلعها: «أتظن راحا فى الشمال شمولا» وليس فى هذه القصيدة بيت ينتهى بلفظ «جبريلا» الا هذا البيت: أمديرها من حيث دار لشد ما … زاحمت حول ركابه جبريلا انظر: (الديوان، ص ٥٦٠ و٥٦٦).
(٣) لعل المقصود بهذه الوظيفة أن صاحبها هو الذى كان يتولى أمر الستار التى تحجب الخليفة الفاطمى على عرشه حتى يتم اعداد المجلس - فى مجالسه العامة - ثم ترفع بعد ذلك.
[ ١ / ٩٧ ]
«يا إخواننا: قد رأينا أن ننفذ رجالا من.؟؟؟ بلدان كتامة، يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا فى بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله».
فقال بعض شيوخهم لخفيف - وقد بلّغهم ذلك -:
«قل لمولانا: والله لا فعلنا هذا أبدا. كيف تؤدى كتامة الجزية، ويصير عليها فى الديوان ضريبة؟؟ وقد أعزّها الله قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم فى المشرق والمغرب؟».
فعاد خفيف بذلك إلى المعز، فأمر باحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال:
«ما هذا الجواب الذى صدر عنكم؟».
فقالوا: «نعم هو جواب جماعتنا، ما كنا يا مولانا بالذى يؤدى جزية تبقى علينا».
فقام [المعز] فى ركابه، وقال: «بارك الله فيكم، فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما أردت أن أجربكم، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر، هل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم؟ والآن سررتمونى بارك الله فيكم».
وكتب إلى جوهر - وهو بمصر - من الغرب:
«وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بنى حمدان وصلت إليك كتبهم، يبذلون الطاعة، ويعدون بالمسارعة فى المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدئ أحدا من بنى حمدان بمكاتبة - ترهيبا له ولا ترغيبا -، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء، عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين، وليس لهم فيه نصيب؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم فى الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم»
[ ١ / ٩٨ ]
ولما عزم [المعز] على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب، فوقع اختياره على أبى أحمد جعفر بن على الأمير، فاستدعاه، وأسرّ إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب، فقال:
«تترك معى أحد أولادك أو إخوتك جالسا فى القصر وأنا أدبّر، ولا تسألنى عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه (^١) بازاء ما أنفقه؛ وإذا أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسى».
فغضب المعز وقال:
«يا جعفر: عزلتنى عن ملكى، وأردت أن تجعل لى شريكا فى أمرى» واستبددت بالأموال والأعمال دونى، قم فقد أخطأت حظّك، وما أصبت رشدك».
فخرج.
واستدعى المعزّ يوسف بن زيرى الصنهاجى، وقال له:
«تأهب لخلافة المغرب»
فأكبر ذلك وقال:
«يا مولانا: أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله ﷺ ما صفا لكم المغرب، [فكيف] يصفو لى وأنا صنهاجى بربرى؟ قتلتنى يا مولاى بلا سيف ولا رمح».
ولم يزل به حتى أجاب وقال:
«يا مولانا: بشريطة أن تولى القضاء والخراج لمن تراه وتختاره، والخبر لمن تثق به، وتجعلنى أنا قائما بين أيديهم، فمن استعصى عليهم أمرونى به حتى أعمل فيه ما يجب، ويكون الأمر لهم وأنا خادم بين ذلك».
فحسن هذا من المعز [وشكره، فلما انصرف] (^٢) قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن المهدى عبيد الله:
«يا مولانا: وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفى بما ذكره؟»
فقال [المعز]: «يا عمنا: كم بين قول يوسف وقول جعفر؟ واعلم يا عم أن الأمر الذى طلبه
_________________
(١) ج: «لأن ما أجبيه ..
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة عن (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ١٦٦)
[ ١ / ٩٩ ]
جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوى العقل، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره».
ووجّهت أمّ الأمراء من المغرب بصبيّة ربّتها لتباع فى مصر، فطلب الوكيل فيها ألف دينار، فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة دينار، وقيل له يا مغربى: «هذه بنت الاخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهى ست كافور».
فلما عاد أخبر المعز بذلك، فأمر بإحضار الشيوخ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر الجارية، ثم قال:
«يا إخواننا: انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشترى لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم».
فقالوا: «السمع والطاعة».
فقال: «خذوا فى حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله».
ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكّين (^١) بن زيرى بألفى جمل من إبل زناتة، وحمل ما له بالقصور من الذخائر، وسبك الدنانير على شكل الطواحين، جعل على كل جمل قطعتين، فى وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى، فاستعظم ذلك الجند والرعيّة، وصاروا يقفون فى الطرق لرؤية بيت المال المحمول.
وخرج المعز من المغرب يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرج من المنصورية ومعه بلكّين - واسمه يوسف - إلى سردانية (^٢) من بلاد إفريقية، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذى الحجة، وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة، وفوّض
_________________
(١) كان بلكين زعيم قبيلة صنهاجة وهى من أكثر القبائل المغربية اخلاصا وتأييدا للفاطميين، وقد ولاه المعز حكم المغرب نيابة عنه عند خروجه الى مصر كما هو واضح بالمتن هنا، وتوفى فى ٢١ ذى الحجة سنة ٣٧٣ فى مكان بين سجلماسة وتلمسان، وخلفه على المغرب ابنه المنصور، انظر: (دائرة المعارف الاسلامية، مادة «بلكين» وما بها من مراجع).
(٢) سردانية قرية قريبة من القيروان، انظر: (البكرى: المغرب، ج ٢، ص ٣٢).
[ ١ / ١٠٠ ]
إليه أمور البلاد، ما خلا جزيرة صقلية - فإنه ترك أمرها لحسن بن على بن أبى الحسين (^١) -، وطرابلس وأعمالها.
وقال له:
«إن نسيت، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك وبنى عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيرا».
وفارقه.
وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز، وكان المظفر يدلّ على المعز لأنه علّمه الخطّ وهو صغير، فاتفق أنه حرد يوما، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها، فأخذ المعزّ نفسه بحفظ اللغات، فابتدأ بالبربرية فأحكمها، ثم بالرومية، ثم بالسودانية، ثم استدعى الصقلبية فمرّت به تلك الكلمة فيها، فإذا هى شتمة، فبقيت فى نفسه حتى قتلهما.
وبلغه - وهو بالمغرب - أمر الحرب من بنى حسن وبنى جعفر بن أبى طالب [بالحجاز]، وأنه قتل من بنى الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بنى جعفر، فأنفذ مالا ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا، وتحملوا الحمالات عنهما.
وكان فاضل القتلى لبنى حسن عند بنى جعفر سبعين قتيلا، فأدّى القوم ذلك إليهم، وعقدوا بينهم فى المسجد الحرام صلحا، وتحملوا دياتهم من مال المعز، وذلك فى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فصار ذلك جميلا عند بنى حسن للمعز، فلما دخل جوهر [مصر] بادر حسن بن جعفر الحسنى فملك مكة ودعا للمعز، وكتب إلى جوهر بذلك، فبعث بالخبر إلى المعز، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم وأعماله.
_________________
(١) الحسن بن على بن أبى الحسين هو ثالث من تولى حكم صقلية من الأسرة الكلبية، وقد حكمها مرتين من سنة ٣٣٦ الى ٣٤١، ثم من ٣٥٣ الى ٣٥٩، والمذكور فى المتن هنا أنه هو الذى كان يلى حكم صقلية عند خروج المعز الى مصر، أى فى أواخر سنة ٣٦١، والذى تذكره المراجع أن حاكم صقلية من ٣٥٩ الى ٣٧١ هو ابنه على بن الحسن بن على. انظر: (Zambaur:Op.Cit.P .٦٧ - ٦٩)
[ ١ / ١٠١ ]