فاستاثر هرمزد بالملك دون أخيه فيروز، فهرب فيروز منه حتى لحق ببلاد الهياطلة [٣] وهي تخارستان والصغانيان [٤] وكابلستان [٥] والأرضون التي خلف
_________________
(١) العانه: القطيع من حمر الوحش.
(٢) الهور هو البحيره تفيض بها مياه الغياض والاجام فتتسع.
(٣) جنس من الترك او الهند، وكانت لهم شوكه وبلاء، والهيطل: الجماعه القليله يغزى بها.
(٤) الصغانيان: إيالة كبيره وراء نهر جيحون، وكانت مسقط راس علماء كثيرين: منهم رضى الدين ابو الفضائل حسن بن محمد الصغانى من ائمه اللغة، ووصفها الجغرافيون العرب بأنها معمورة، وتحوى سته عشر الف قريه، وتكثر بها الحيوانات والأشجار والمراعى والطيور الكثيره، وتوجد الان في تركستان الروسيه.
(٥) كابلستان: إيالة واسعه في شمال شرقى افغانستان، وكانت عاصمتها مدينه كابل الواقعه في حوض نهر كابل، وتقع زابلستان في جنوب غربيها، ويرى بعض الجغرافيين انهما إيالة واحده، ولكن الشاهنامه تذكرهما على اختلاف.
[ ٥٨ ]
النهر الأعظم بما يلى ارض بلخ، فدخل على ملك تلك الارض، فاخبره بظلم أخيه اياه، واحتوائه على الملك دونه، وهو اصغر سنا منه، وساله ان يمده بجيش حتى يسترجع الملك. فقال: لن اجيبك الى ما تسال حتى تحلف انك اكبر سنا منه، فحلف فيروز، فامده بثلاثين الف رجل، على ان يجعل له حدا لترمذ [١]، فسار فيروز بالجيش، واتبعه جل اهل المملكة، ورأوا انه أحق بالملك من هرمزد لفظاظه هرمزد وشرارته، فحاربه حتى استرجع الملك، وأقال أخاه عثرته، ولم يؤاخذه بما كان منه.
فيروز بن يزدجرد
قالوا: وكان فيروز ملكا محدودا، وكل جل قوله وفعله فيما لا يجدي عليه نفعه، وان الناس قحطوا في سلطانه سبع سنين متواليات، فغارت الانهار، وغاضت المياه والعيون، وقحلت الارض، وجف الشجر، وموتت البهائم والطير، وهلكت الانعام، وقل ماء دجلة والفرات وسائر الانهار.
فرفع فيروز الخراج عن الرعية، وكتب الى عماله ان يسوسوا الناس سياسه، وتوعدهم انه ان هلك احد في ارض واحد منهم جوعا يقيد العامل والوالي به، فساس الناس في تلك الازمنه سياسه لم يعطب فيها احد من الناس جوعا، ونادى في الناس بالخروج الى فضاء من الارض، فخرج جميع الناس من الرجال والنساء والصبيان، فاستسقى الله، فأغاثهم، فأرسل السماء، وعادت الارض الى حسن الحال، وجرت الانهار، وجاشت العيون، ورجع الناس الى احسن عاده الله عندهم في الرفاغه والرفاهة والخصب.
وبنى فيروز مدينه الري، وسماها رام فيروز، وابتنى باذربيجان مدينه
_________________
(١) بلد معروف بخراسان على الضفة الشماليه لنهر جيحون شمالى ايران، وقد فتحها موسى عبد الله بن خازم سنه ٦٩٠ م، وفيها آثار يرجع تاريخها الى العصر البوذى، وإليها ينسب كثير من العلماء، منهم ابو عبد الله الترمذى المحدث الفقيه الحنفي.
[ ٥٩ ]
اردبيل، وسماها باذفيروز، ثم استعد وتاهب لغزو الترك، واخرج معه الموبذ وسائر وزرائه، وحمل معه ابنته فيروزدخت، وحمل معه خزائن واموالا كثيره، وخلف على ملكه رجلا من عظماء وزرائه، يسمى شوخر، وتدعى مرتبته قارن، وسار حتى جاوز المناره التي كان بهرام بناها حدا بينه وبين الترك، واخربها، ووغل في ارضهم.
وملك الاتراك يومئذ اخشوان خاقان، فأرسل ملك الترك الى فيروز يعلمه انه قد تعدى، ويحذره عاقبه الظلم، فلم يحفل فيروز بذلك، فجعل خاقان يظهر كراهة للحرب، ويدافع الى ان هيأ خندقا، عمقه في الارض عشرون ذراعا، وعرضه عشره اذرع، وبعد ما بين طرفيه، ثم غماه باعواد ضعاف، والقى عليه قصبا، واخفاه بالتراب، ثم خرج لمحاربه فيروز، فواقفه ساعه، ثم انهزم عنه.
وطلبه فيروز في جنوده، فسلك خاقان مسالك قد فهمها بين ظهري ذلك الخندق، وعطف عليه اخشوان وطراخنته، فقتلوهم بالحجارة، واحتوى اخشوان على معسكر فيروز وكل ما كان فيه من الأموال والحرم، وأخذ الموبذ أسيرا، وأخذ فيروزدخت ابنه فيروز، ولحق الفل بشوخر، فاعلموه بمصاب فيروز وجنوده، فاستنهض شوخر الناس للطلب بثار ملكهم، فخف له جميع الناس من الجنود واهل البلاد، فسار في جموع كثيره حتى وغل في بلاد الترك، وهاب اخشوان ملك الترك الاقدام على شوخر لكثرة جموعه وعدته، فأرسل اليه يسأله الموادعة على ان يرد عليه الموبذ وفيروزدخت وكل اسير في يده، وجميع ما أخذ من اموال فيروز وخزائنه وآلاته، فأجابه شوخر الى ذلك، وقبضه، وانصرف الى بلاده وارضه.
[ ٦٠ ]
أبناء فيروز
فملك بعد فيروز ابنه بلاس بن فيروز، فملك اربع سنين، ثم مات، فجعل شوخر الملك من بعده لأخيه قباذ بن فيروز. قالوا: وفي ملك قباذ بن فيروز مات ربيعه بن نصر اللخمى، ورجع الملك الى حمير.
ذو نواس واليمن
فوليهم ذو نواس، واسمه زرعه بن زيد بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن جشم بن وائل بن عبد شمس بن الغوث بن جدار بن قطن ابن عريب بن الرائش بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وانما سمى ذانواس لذؤابه [١] كانت تنوس [٢] على راسه.
قالوا: وكان لذى نواس بأرض اليمن نار يعبدها هو وقومه، وكان يخرج من تلك النار عنق يمتد فيبلغ مقدار ثلاثة فراسخ، ثم ترجع الى مكانها، ثم ان من كان باليمن من اليهود قالوا لذى نواس: ايها الملك، ان عبادتك هذه النار باطله، وان أنت دنت بديننا اطفاناها باذن الله تعالى، لتعلم انك على غرر من دينك، فأجابهم الى الدخول في دينهم ان هم اطفئوها، فلما خرجت تلك العنق أتوا بالتوراة، ففتحوها، وجعلوا يقرءونها، والنار تتأخر حتى انتهوا الى البيت الذى هي فيه، فما زالوا يتلون التوراة حتى انطفأت، فتهود ذو نواس، ودعا اهل اليمن الى الدخول فيها، فمن ابى قتله.
ثم سار الى مدينه نجران [٣] ليهود من فيها من النصارى، وكان بها قوم على دين المسيح الذى لم يبدل، فدعاهم الى ترك دينهم والدخول في اليهودية، فأبوا، فامر بملكهم، وكان اسمه عبد الله بن التامر، فضربت هامته بالسيف، ثم ادخل
_________________
(١) الذؤابه: شعر في اعلى الناصيه.
(٢) تتذبذب.
(٣) نجران بالفتح، ثم السكون، مدينه بينها وبين الكوفه مسيره يومين فيما بينها وبين واسط.
[ ٦١ ]
في سور المدينة، فضم عليه، وخد للباقين اخاديد [١]، فاحرقهم فيها، فهم اصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله عز اسمه في القرآن [٢] .
الحبش واليمن
وافلت دوس ذو ثعلبان، فسار الى ملك الروم، فاعلمه ما صنع ذو نواس باهل دينه من قتل الأساقفة، واحراق الانجيل، وهدمه البيع، فكتب الى النجاشى ملك الحبشه، فبعث بارياط في جنود عظيمه، وركب البحر حتى خرج على ساحل عدن، وسار اليه ذو نواس، فحاربه، فقتل ذو نواس، ودخل ارياط صنعاء، واسمها دمار، وانما صنعاء كلمه حبشية، اى وثيق حصين، فبذلك سميت صنعاء.
فلما اطمان ارياط وقتل اليهود وضبط اليمن، درت عليه الأموال، فجعل يؤثر بها من يحب، فغضب حاشيه الحبشه من ذلك، فاتوا أبا يكسوم أبرهة، وكان احد قادتهم، فشكوا اليه الذى يصنع ارياط، وبايعوه. وانصرفت الحبشه فرقتين، إحداهما مع ارياط، والاخرى مع أبرهة، واصطفوا للحرب، فدعاه أبرهة للبراز، فبرز اليه، فدفع ارياط عليه حربته، فوقعت في وجه أبرهة، فشرمته، ولذلك سمى الاشرم، وضرب أبرهة ارياط بالسيف على مفرق راسه، فقتله، وانحازت الحبشه اليه، فملكهم، واقره النجاشى على سلطان اليمن، فمكث على ذلك اربعين عاما.
وبنى بصنعاء بيعه لم ير الناس مثلها، وآذن في جميع ارض اليمن ان تحجها، فاستفظعت العرب ذلك، فدخل رجل من اهل تهامه ليلا، فاحدث فيها، فلما اصبح القوم نظروا الى السواه السوآء في الكنيسه، فقال أبرهة: من تظنونه فعل هذا؟ قالوا: لم يفعله الا بعض من غضب للبيت الذى بمكة، لما امرت بحج
_________________
(١) الاخاديد: هي الحفر المستطيلة في الارض كالخده بالضم، والمفرد اخدود.
(٢) الآيات: ٤، ٥، ٦، من سوره البروج
[ ٦٢ ]
هذه البيعه، فغضب أبرهة عند ذلك غضبا شديدا، وتجهز للمسير الى مكة ليهدم الكعبه، فأرسل الى النجاشى، فبعث اليه بفيل كالجبل الراسى، يقال له محمود، فسار الى مكة، فكان من امره ما قد قصه الله في سوره الفيل.
الحبشان وهدم الكعبه
قالوا: ولما اهلك الله أبرهة خلفه في ملكه بأرض اليمن ابنه يكسوم بن أبرهة، فكان شرا من ابيه واخبث سيره، فلبث على اليمن تسع عشره سنه ثم مات. فملك من بعده اخوه مسروق، وكان شرا من أخيه، واخبث سيره.
سيف بن ذي يزن
فلما طال ذلك على اهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميرى من ولد ذي نواس حتى اتى قيصر، وهو بأنطاكية [١]، فشكى اليه ما هم فيه من السودان، وساله ان ينصرهم وينفيهم عن ارضهم، ويكون ملك اليمن له، فقال قيصر:
أولئك هم على ديني، وأنتم عبده أوثان، فلم أكن لانصركم عليهم.
فلما يئس منه توجه الى كسرى، فقدم الحيرة على النعمان بن المنذر، فشكى اليه امره، فقال له النعمان: ما كان سبب اخراج جدنا ربيعه بن نصر إيانا عن ارض اليمن، واسكاننا بهذا المكان الا لهذا الشان فاقم، فان لي وفادة في كل عام الى الملك كسرى بن قباذ، وقد حان ذلك، فإذا خرجت أخرجتك معى، واستأذنت لك، وتشفعت لك اليه فيما قصدت له، ففعل واستاذن، وتشفع، فوجه كسرى بجيش ممن كان في السجون، وامر
_________________
(١) أنطاكية: مدينه غربي مدينه حلب بالاقليم الشمالي للجمهوريه العربية المتحده، تبعد عنها بحوالى ٩٥ ك. م، وقد كانت مدينه عظيمه بنيت سنه ٣٠١ ق. م. وتاثرت على مرور الزمن بالغزوات والحروب، ولا تزال آثارها القديمه باقيه.
[ ٦٣ ]
عليهم رجلا منهم، يقال له وهرز بن الكامجار، وكان شيخا كبيرا، قد اناف على المائه، وكان من فرسان العجم، وابطالها، ومن اهل البيوتات والشرف، وكان اخاف السبيل، فحبسه كسرى.
فسار وهرز باصحابه الى الأبله [١]، فركب منها البحر، ومعه سيف بن ذي يزن، حتى خرجوا بساحل عدن، وبلغ الخبر مسروقا، فسار اليهم، فلما التقوا وتواقفوا للحرب اسرع له وهرز بنشابه، فرماه، فلم يخطئ بين عينيه، وخرجت من قفاه، وخر ميتا، وانفض جيشه، ودخل وهرز صنعاء، وضبط اليمن، وكتب الى كسرى بالفتح، فكتب اليه كسرى، يأمره بقتل كل اسود باليمن، وبتمليك سيف عليها، وبالاقبال اليه، ففعل. وان بقايا من السودان قد كان سيف استبقاهم، وضمهم الى نفسه، يجمزون [٢] بين يديه إذا ركب، شدوا على سيف يوما، وهم بين يديه في موكبه، فضربوه بحرابهم حتى قتلوه.
الفرس واليمن
فرد كسرى وهرز الى ارض اليمن، وامره الا يدع بها اسود ولا من ضربت فيه السودان الا قتله، فأقام بها خمسه احوال، فلما ادركه الموت دعا بقوسه ونشابه، ثم قال: أسندوني، ثم تناول قوسه، فرمى، وقال: انظروا حيث وقعت نشابتى، فابنوا لي هناك ناووسا، واجعلوني فيه، فوقعت نشابته من وراء الكنيسه، وسمى ذلك المكان الى اليوم مقبره وهرز، ثم وجه كسرى الى ارض اليمن بادان، فلم يزل ملكا عليها الى ان قام الاسلام.
قالوا: وكان قباذ عند ما افضى اليه الملك حدث السن من أبناء خمس عشره سنه، غير انه كان حسن المعرفة، ذكى الفؤاد، رحيب الذراع، بعيد الغور، فولى شوخر امر المملكة، فاستخف الناس بقباذ، وتهاونوا به لاستيلاء شوخر
_________________
(١) الأبله: بلده في زاوية الخليج العربي على شاطئ نهر دجلة.
(٢) يعدون.
[ ٦٤ ]
على الأمر دونه، فاغضى قباذ على ذلك خمس سنين من ملكه، ثم انف من ذلك، فكتب الى سابور الرازى من ولد مهران الاكبر، وكان عامله على بابل وخطرنيه [١]، ان يقدم عليه فيمن معه من الجنود، فلما قدم افشى اليه ما في نفسه، وامره بقتل شوخر، فغدا سابور على قباذ، فوجد شوخر عنده جالسا، فمشى نحو قباذ مجاوزا لشوخر، فلم يابه له شوخر حتى اوهقه سابور، فوقع الوهق [٢] في عنقه، ثم اجتره حتى اخرجه من المجلس، فاثقله حديدا، واستودعه السجن، ثم امر به قباذ، فقتل.
الديانه المزدكية
فلما مضى لملك قباذ عشر سنين أتاه رجل من اهل اصطخر، يقال له مزدك، فدعاه الى دين المزدكية، فمال قباذ إليها، فغضبت الفرس من ذلك غضبا شديدا، وهموا بقتل قباذ، فاعتذر اليهم، فلم يقبلوا عذره، وخلعوه من الملك، وحبسوه في محبس، ووكلوا به، وملكوا عليهم جاماسف بن فيروز أخا قباذ. وان اخت قباذ اندست لقباذ حتى اخرجته بحيله، فمكث أياما مستخفيا الى ان امن الطلب، ثم خرج في خمس نفر من ثقاته، فيهم زرمهر بن شوخر نحو الهياطلة [٣]، يستنصر ملكها، فاخذ طريق الاهواز، فانتهى الى ارمشير، ثم صار الى قريه في حد الاهواز وأصبهان، فنزلها متنكرا، وكان نزوله عند دهقانها [٤]، فنظر قباذ الى بنت لصاحب منزله، ذات جمال، فوقعت بقلبه، فقال لزرمهر بن شوخر: انى قد هويت هذه الجاريه، ووقعت بقلبي، فانطلق الى أبيها، فاخطبها على، ففعل.
_________________
(١) خطرنيه: بلد كانت بأرض بابل
(٢) الحبل يرمى في انشوطه فتؤخذ به الدابة او الإنسان، والانشوطه كانبوبه: عقده يسهل انحلالها.
(٣) هياطله اسم لبلاد ما وراء النهر.
(٤) الدهقان بالكسر والضم زعيم فلاحى العجم ورئيس الإقليم، وهو لفظ معرب.
[ ٦٥ ]
فأرسل قباذ الى الجاريه بخاتمه، وجعل ذلك مهرها، فهيئت وادخلت عليه، فخلا بها قباذ، وسر بها سرورا شديدا لما الفاها ذات عقل وجمال وادب وهيئة، فأقام عندها ثلاثا، ثم امرها بحفظ نفسها، وخرج سائرا حتى ورد على صاحب الهياطلة، فشكا اليه صنيع رعيته به، وساله ان يمده بجيش ليسترجع ملكه، فأجابه الى ذلك، وشرط عليه ان يسلم له حيز الصغانيان، ووجه معه ثلاثين الف رجل.
فاقبل بهم يريد أخاه، فاخذ على طريقه الذى شخص فيه بديئا حتى نزل القرية التي تزوج فيها بتلك المرأة، فنزل على أبيها، وساله عنها، فاخبره انها ولدت غلاما، فامر بإدخالها عليه مع ابنها، فدخلت ومعها الغلام، فابتهج به، ورآه كاجمل ما يكون من الغلمان، فسماه كسرى، وهو كسرى انوشروان الذى تولى الملك من بعده، فقال لزرمهر: اخرج، فسل لي عن هذا الرجل ابى الجاريه هل له قديم شرف؟، فسال عنه، فاخبر انهم من ولد فريدون الملك، ففرح بذلك قباذ، وامر بالجارية وابنها، فحملا معه.
ولما انتهى الى مدينه طيسفون تلاومت العجم فيما بينها، وقالوا: ان قباذ تنصل إلينا من شان مزدك، ورجع عما كنا اتهمناه، فلم نقبل ذلك منه، وظلمناه حقه، وأسأنا اليه، فخرجوا اليه جميعا، وفيهم جاماسف اخوه الذى ملكوه، فاعتذروا اليه، فقبل ذلك منهم، وصفح عن أخيه جاماسف، وعنهم، واقبل فدخل قصر المملكة، ووصل الجيش الذى اقبل بهم، واجازهم، واحسن اليهم، وردهم الى ملكهم، وامر بالجارية، فانزلت في افضل مساكنه.
ثم ان قباذ تجهز وسار في جنوده، غازيا بلاد الروم، فافتتح مدينه آمد وميافارقين، وسبى أهلها، وامر فبنيت لهم مدينه فيما بين فارس والاهواز، فأسكنهم فيها، وسماها ايرقباذ، وهي استان الأعلى، وجعل لها اربعه طساسيج:
طسوج [١] الأنبار، وكان منها هيت وعانات [٢]، فضمها يزيد بن معاويه حين ملك
_________________
(١) الطسوج: هو الناحية.
(٢) بلدان بأرض العراق.
[ ٦٦ ]
الى الجزيرة، وطسوج بادوريا، وطسوج مسكن، وكور كوره بهقباذ الأوسط، وبهقباذ الأسفل، وضم إليها ثمانية طساسيج، لكل كوره اربعه طساسيج، وهي الاستانات [١]، وشق كوره [٢] أصبهان كورتين، شق جى، وشق التيمره [٣] .
وكان لقباذ عده من الأولاد، لم يكن فيهم آثر عنده من كسرى، لاجتماع الشرف فيه، غير انه كان به ظنه، اى سيئ الظن، فلم يكن قباذ يحمده عليها، فقال له ذات يوم: يا بنى قد كملت فيك الخصال التي هي جماع امور الملك، غير ان بك ظنه، وان الظنه في غير موضعها داعيه الأوزار، ومحبطة للأعمال فاعتذر كسرى الى ابيه مما وقع في قلبه من ذلك، واستصلح نفسه عنده.
كسرى انوشروان
فلما اتى للملك قباذ ثلاث واربعون سنه حضره الموت، ففوض الأمر الى ابنه، وهو انوشروان [٤]، فملك بعد ابيه، وامر بطلب مزدك بن مازيار الذى زين للناس ركوب المحارم، فحرض بذلك السفل على ارتكاب السيئات، وسهل للغصبه الغصب، وللظلمه الظلم، فطلب حتى وجد، فامر بقتله وصلبه، وقتل من كان في ملته.
ثم قسم كسرى انوشروان المملكة اربعه ارباع، وولى كل ربع رجلا من ثقاته، فاحد الارباع: خراسان، وسجستان، وكرمان، والثانى: أصبهان، وقم، والجبل، واذربيجان، وأرمينية، والثالث: فارس، والاهواز الى البحرين، والرابع: العراق الى حد مملكه الروم. وبلغ كل رجل من هؤلاء الأربعة غاية الشرف والكرامه.
_________________
(١) جمع استان وهو اربع الكور.
(٢) الكورة: هي المدينة الكبيره او الصقع.
(٣) جى وتيمره قريتان بأصبهان. .Nouschirwan
[ ٦٧ ]