ثم امر يزدان جشنس رئيس كتاب الرسائل، فقال له: انطلق عن رسالتنا
_________________
(١) المرزبه كمرحله رياسه الفرس، والواحد مرزبان بضم الزاى.
(٢) الموافقة سنه ٦٣٠ م.
(٣) في بعض النسخ الاوربيه: مارسفند.
(٤) مفرد براذين وهي من الخيل ما كان من غير نتاج العرب.
[ ١٠٧ ]
لأبينا، وقل له: ان الذى حل بك عقوبة من الله للذي سلف من سوء اعمالك، وأول ذلك ما كان منك الى ابيك هرمزد، ومنها حظرك علينا معاشر اولادك، ومنعك إيانا البراح، وحبسك إيانا في دار كهيئة المجلس بلا رقه ولا رحمه، ومنها كفرانك انعام قيصر عليك وأياديه عندك، فلم تحفظ فيه ابنه واقاربه حين أتوك يسالونك ان ترد عليهم خشبة الصليب التي بعث بها إليك شاهين من الإسكندرية، فرددتهم عنها بلا حاجه منك إليها ولا درك لك في حبسها، ومنها ما امرت به من قتل الثلاثين الالف رجل من مرازبتك وعظماء اساورتك بزعمك انهم أول من انهزم عن الروم، ومنها كثره ما جمعت من الأموال، وكثرتها في خزائنك من جبايتكها عن الخراج باعنف العنف، وانما ينبغى للملوك ان يملاوا خزائنهم مما يغنمون من بلاد اعدائهم بنحور الخيل وصدور الرماح، لا مما يسالونه من رعيتهم، ومنها قتلك النعمان بن المنذر، وصرفك ملك ارضه عن ولده واهل بيته الى غيرهم، يعنى اياس بن قبيصة الطائي، فلم تحفظ فيهم ما كان يحفظه آباؤك، من حضانته بهرام جور جدك، ومعونته بعد ان خرج الملك عنه، حتى رده عليه، فكل هذه ذنوب ارتكبتها، وآثام اقترفتها، لم يكن الله ليرضى منك فاخذك بها.
فانطلق يزدان جشنس فابلغ كسرى رساله شيرويه لم يخرم منها حرفا، فقال له كسرى: قد ابلغت، فاد الجواب كما أديت الرسالة: قل لشرويه القصير العمر، القليل الغمر، الناقص العقل، نحن مجيبوك عن جميع ما أرسلت به إلينا من غير اعتذار لتزداد علما بجهلك، اما رضانا بما ارتكب من أبينا فانى ما اطلعت على ما دبر القوم من الوثوب به، وقد علمت لما استوطد لي السلطان انى لم ادع أحدا مالا على خلعه واجلب عليه بارتكاب حقه الا قتلته، وختمت ذلك بخالي بندويه وبسطام مع ما كان من قيامهما بأمري، واما حظرى عليكم معاشر أبنائنا فانى فرغتكم لتعلم الأدب، ومنعتكم من الانتشار فيما لا يعينكم، ولم اقصر في مطاعمكم مع ذلك ومصارفكم وملابسكم وطيبكم ومراكبكم، واما أنت خاصه فان المنجمين قضوا في مولدك بتثريب ملكنا، وفسخ سلطاننا على يدك، فلم نأمر
[ ١٠٨ ]
بقتلك، ومع ذلك كتاب قرميسيا ملك الهند إلينا يعلمنا ان في انقضاء سنه ثمان وثلاثين من ملكنا يفضى إليك هذا الأمر، فكتمنا ذلك الكتاب عنك، مع علمنا انه لا يفضى إليك الا بهلاكنا، وذلك الكتاب مع قضية مولدك عند شيرين صاحبتنا، فان اردت فدونك، فاقراهما لتزداد حسره وثبورا، واما ما ذكرت من كفرانى نعمه قيصر بمنعي ولده واهل بيته خشبة الصليب، فأيها المائق، ان اكثر من ذلك الخشب ثلاثون الف الف درهم فرقتها في رجال الروم الذين قدموا معى، والف الف درهم هدايا وجهتها الى قيصر، ومثل ذلك وصلت ابنه ثيادوس عند رجوعه الى مملكته، افكنت اجود لهم بخمسين الف الف درهم وابخل بخشبه لا تساوى شيئا؟ انما احتبستها لارتهن بها طاعتهم، ولينقادوا لي في جميع ما أريده منهم لعظيم قدر الخشبة عندهم، واما غضبى لقيصر وطلبى بثاره، فقد قتلت به من الروم ما لم يحص عدده، واما قولك في أولئك المرازبه ورؤساء الأساورة الذين هممت بقتلهم فان أولئك اصطنعتهم ثلاثين سنه، واسنيت اعطياتهم واعظمت حبوتهم [١] فلم احتج اليهم في طول دهري الا ذلك اليوم الذى فشلوا فيه وخاموا [٢]، فسل ايها الأخرق فقهاء هذه الملة عمن قصر في نصره ملكه، وخام عن محاربه عدوه، فسيخبرونك انهم لا يستوجبون العفو ولا الرحمه، فاما ما عنفتنى به من جمع الأموال فان هذا الخراج لم يكن منى بدعه، ولم يزل الملوك يجبونه قبلي ليكون قوه للملك وظهرا للسلطان، فان ملكا من ملوك الهند كتب الى جدي انوشروان: ان مملكتك شبيهه بباغ عامر عليه حائط وثيق، وباب منيع، فإذا انهدم ذلك الحائط او تكسرت الأبواب لم يؤمن ان ترعى فيه الحمير والبقر. وانما عنى بالحائط الجنود، وبأبوابه الأموال. فاحتفظ ايها السخيف العقل بتلك الأموال، فإنها حصن للملك، وقوام للسلطان، وظهير على الأعداء، ومفخره عند الملوك، واما ما زعمت من قتلى النعمان بن المنذر، وازالتى الملك عن آل عمرو بن عدى الى اياس
_________________
(١) العطاء.
(٢) خام عنه يخيم: نكص وجبن.
[ ١٠٩ ]
ابن قبيصة، فان النعمان واهل بيته واطئوا العرب، واعلموهم توكفهم [١] خروج الملك عنا اليهم، وقد كانت وقعت اليهم في ذلك كتب، فقتلته، ووليت الأمر أعرابيا لا يعقل من ذلك شيئا. انطلق الى شيرويه، فاخبره بذلك كله، فابلغه يزدان جشنس، لم يخرم منه شيئا، فعلت شيرويه كآبه.
ولما كان من الغد اجتمع عظماء اهل المملكة، فدخلوا على شيرويه كما فعلوا بالأمس، فخاف على نفسه، فجعل يرسل الرجل بعد الرجل من مرازبته لقتل ابيه، فلا يقدم عليه احد، حتى بعث بشاب منهم يسمى يزدك بن مردان شاه مرزبان بابل وخطرنيه، فلما دخل عليه، قال: من أنت؟ قال: انا ابن مردان شاه مرزبان بابل وخطرنيه، قال له كسرى: أنت لعمري صاحبي، وذلك انى قتلت اباك ظلما، فضربه الغلام حتى قتله، وانصرف الى شيرويه فاخبره، فلطم شيرويه وجهه، ونتف شعره، وحبسه، وانطلق في عظماء اهل المملكة حتى استودعه الناووس، ثم انصرف، وامر، فقتل الغلام الذى قتل أباه. وفي ذلك العام الذى ملك فيه شيرويه توفى [٢] رسول الله ص، واستخلف ابو بكر ﵁.
ثم ان شيرويه لما ملك عمد الى اخوته، وكانوا خمسه عشر رجلا، فضرب أعناقهم، مخافه ان يفسدوا عليه ملكه، فسلطت عليه الامراض والاسقام حتى مات، وكان ملكه ثمانية اشهر.
بعد موت شيرويه
فملكت فارس عليها بعده ابنه شيرزاد بن شيرويه، وكان طفلا، ووكلوا به رجلا يحضنه، ويقوم بتدبير الملك الى ان ادرك.
_________________
(١) يتوكف الخبر: ينتظره ويتوقعه.
(٢) كانت وفاه الرسول محمد ص في ١٣ من شهر ربيع الاول سنه ١١ هـ. الموافق ٢٠ يونيه سنه ٦٣٢ م.
[ ١١٠ ]