ثم ان خرزاد لما انتهى الى جلولاء [٣] اقام بها، وكتب الى يزدجرد، وهو بحلوان، يسأله المدد، فامده، فخندق على نفسه، ووجهوا بالذراري والاثقال الى خانقين [٤]، ووجه سعد اليهم بخيل، وولى عليها عمرو بن مالك بن نجبه بن نوفل بن وهب بن عبد مناف بن زهره، فسار حتى وافى جلولاء، والعجم مجتمعون قد خندقوا على انفسهم. فنزل المسلمون قريبا من معسكرهم، وجعلت الامداد تقدم على العجم من الجبل، وأصبهان.
فلما راى المسلمون ذلك قالوا لاميرهم عمرو بن مالك: ما تنتظر بمناهضه القوم،
_________________
(١) الكافور: نبات له نور ابيض.
(٢) العلج: الرجل من كفار العجم.
(٣) جلولاء: مدينه في العراق على طريق خراسان، وعندها انتصر العرب على جيش ملك ساسان.
(٤) خانقين: بلده في العراق على الطريق بين بغداد وخراسان على نهر خلوان تشاى وفيها اعتقل ومات النعمان الخامس ملك الحيرة على عهد كسرى الثانى، وعندها حدثت وقعه بين الفرس والعرب.
[ ١٢٧ ]
وهم كل يوم في زياده؟. فكتب الى سعد بن وقاص يعلمه ذلك، ويستاذنه في مناجزه القوم، فاذن له سعد، ووجه اليه قيس بن هبيرة مددا في الف رجل، أربعمائة فارس، وستمائه راجل.
وبلغ العجم ان العرب قد أتاهم المدد، فتأهبوا للحرب، وخرجوا، ونهض اليهم عمرو بن مالك في المسلمين، وعلى ميمنته حجر بن عدى، وعلى ميسرته زهير ابن جويه، وعلى الخيل عمرو بن معدى كرب، وعلى الرجاله طليحة ابن خويلد، فتزاحف الفريقان، وصبر بعضهم لبعض، فتراموا بالسهام حتى انفدوها، وتطاعنوا بالرماح حتى كسروها، ثم أفضوا الى السيوف وعمد الحديد، فاقتتلوا يومهم ذلك كله الى الليل، ولم يكن للمسلمين فيه صلاه الا إيماء والتكبير، حتى إذا اصفرت الشمس انزل الله على المسلمين نصره، وهزم عدوهم، فقتلوهم الى الليل، واغنمهم الله عسكرهم بما فيه.
فقال محقن بن ثعلبه، فدخلت في معسكرهم الى فسطاط، فإذا انا بجاريه على سرير في جوف الفسطاط، كان وجهها دارة القمر، فلما نظرت الى فزعت وبكت، فأخذتها، واتيت الأمير عمرو بن مالك، فاستوهبته إياها، فوهبها لي، فاتخذتها أم ولد.
وأصاب خارجه بن الصلت في فسطاط من فساطيطهم ناقه من ذهب موشحه باللؤلؤ والدر الفارد [١]، والياقوت، عليها تمثال رجل من ذهب، وكانت على كبر الظبية، فدفعها الى المتولى لقبض الغنائم.
قال: ومرت الفرس على وجوهها، لا تلوى على شيء حتى انتهت الى يزدجرد، وهو بحلوان، فسقط في يديه، فتحمل بحرمه وحشمه وما كان معه من أمواله وخزائنه حتى نزل قم [٢] وقاشان.
_________________
(١) منقطع النظير، لا مثل له في جودته.
(٢) مدينه بين اصفهان وساوه، وتذكر دائما مع قاشان، وبينهما اثنا عشر فرسخا، وكل أهلهما حاليا شيعه اماميه، ويقال ان آبار قم ليس في الارض مثلها عذوبه وبردا.
[ ١٢٨ ]
وأصاب المسلمون يوم جلولاء غنيمه لم يغنموا مثلها قط، وسبوا سبيا كثيرا من بنات احرار فارس، فذكروا ان عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: اللهم انى اعوذ بك من اولاد سبايا الجلوليات. فأدرك ابناؤهن قتال صفين، فخلف عمرو بن مالك بجلولاء جرير بن عبد الله البجلي في اربعه آلاف فارس مسلحه بها، ليردوا العجم عن نفوذها الى ما يلى العراق، وسار ببقية المسلمين حتى وافى سعد بن ابى وقاص، وهو مقيم بالمدائن، فارتحل سعد بالناس حتى ورد الكوفه، وكتب الى عمر ﵁ بالفتح، واقام سعدا أميرا على الكوفه وجميع السواد ثلاث سنين ونصفا، ثم عزله عمر، وولى مكانه عمار بن ياسر على الحرب، وعبد الله بن مسعود على القضاء، وعمرو بن حنيف على الخراج.
قالوا: ولما انتهت هزيمه العجم الى حلوان، وخرج يزدجرد هاربا حتى نزل قم وقاشان ومعه عظماء اهل بيته واشرافهم، قال له رجل من خاصته واهل بيته، يسمى هرمزان، وكان خال شيرويه بن كسرى ابرويز: ايها الملك ان العرب قد اقتحمت عليك من هذه الناحية، يعنى حلوان، ولهم جمع بناحيه الاهواز، ليس في وجوههم احد يردهم، ولا يمنعهم من العيث والفساد، يعنى خيل ابى موسى الأشعري ومن كان معه. قال يزدجرد: فما الرأي؟ قال الهرمزان: الرأي ان توجهني الى تلك الناحية، فاجمع الى العجم، وأكون ردءا في ذلك الوجه، واجمع لك الأموال من فارس والاهواز، واحملها إليك، لتتقوى بها على حرب اعدائك، فاعجبه ذلك من قوله، وعقد له على الاهواز وفارس، ووجه معه جيشا كثيفا.
[ ١٢٩ ]