قال الله تعالى في كتابه العزيز - بعد قوله تعالى وهو أصدق القائلين - بسم الله الرحمن الرحيم (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير) قال المفسرون رضي الله تعالى عنهم سبحان هي تنزيه الله تعالى عن كل سوء ووصفه بالبراءة من كل نقص وتكون سبحان بمعنى التعجب أسرى بعبده ليلًا أي سيره والعبد هو محمد ﷺ لم يختلف في ذلك أحد من الأمة من المسجد الحرام يعني مكة إلى المسجد الأقصى هو مسجد بيت المقدس الذي باركنا حوله يعني بالأنهار والأشجار والأثمار.
[ ١ / ٥ ]
وعن ابن عباس ﵁ في قوله باركنا حوله فلسطين والأردن ويأتي ذكر فلسطين فيما بعد أن شاء الله تعالى وأما الأردن فهو نهر الشريعة المذكور في قوله تعالى (أن الله مبتليكم منبهر) وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهملة وتشديد النون.
وقال أبو القاسم السهيلي قوله الذي باركنا حوله يعني الشام والشام بالسريانية الطيب سميت بذلك لطيبها وخصبها وقيل باركنا حوله بمقابر الأنبياء وقيل غير ذلك وقيل سماه مباركًا لأنه مقر الأنبياء وقبلتهم ومهبط الملائكة والوحي وفيه يحشر الناس يوم القيامة وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقيل كان هذا أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم للزيارة مكة في الأرض يعظم للزيارة وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث وروي أنه سمي الأقصى لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئًا ولا ينقص.
وقوله تعالى (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين) روي عن أبي هريرة ﵁ قال أقسم ربنا ﷻ بأربعة أجبل فقال والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين قال التين طور سيناء مسجد دمشق والزيتون طور زيتا مسجد بيت القدس وطور سينين حيث كلم الله موسى ﵇ وهذا البلد الأمين جبل مكة.
ومن أسماء بيت المقدس أيليا بهمزة مكسورة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء آخر الحروف ثم ألف ممدودة ككبرياء وحكى فيها القصر ومعناه بيت الله المقدس وبيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف أي المكان المطهر من الذنوب واشتقاقه من القدس وهي الطهارة والبركة فمعنى بيت المقدس المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب ويقال المرتفع المنزه عن الشرك والبيت المقدس بضم الميم وفتح الدال المشددة أي المطهر وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وبيت القدس بضم الدال وسكونها لغتان.
[ ١ / ٦ ]
ومن أسماء بيت المقدس ورشلم بشين معجمة وتشديد اللام ويروى بالمهملة وكسر اللام ويروى شلم ومعناه بالعبرانية بيت السلام وصهيون بكسر الصاد المهملة ويقال لمسجد بيت المقدس الزيتون ولا يقال له الحرم.
وقد اختلف في أول من بنى مسجد بيت المقدس قبل داود ﵇ فروى بعض العلماء أن أول من بناه الملائكة بأمر الله تعالى ويقال أن الذي بناه إسرافيل ﵇.
وقد روى المحدثون عن أبي ذر ﵁ أنه قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما؟ قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه وقد روى أن الملائكة بنوا المسجد الحرام قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه قال الإمام أبو العباس القرطبي يجوز أن يكون بناه يعني مسجد بيت المقدس الملائكة بعد بنائها البيت المعمور بإذن الله تعالى وظاهر الحديث يدل على ذلك والله أعلم.
ومن العلماء من قال بني مسجد بيت المقدس آدم ﵇ ومنهم من قال أسسه سام بن نوح ﵉ ومنهم من قال أول من بناه وأرى موضعه يعقوب بن إسحاق ﵉ روى أن أباه إسحاق أمره أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح من بنات خاله فلما توجه إلى خاله لينكح ابنته أدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدًا حجرًا فرأى فيما يرى النائم أن سلمًا منصوبًا إلى باب من أبواب السماء والملائكة تعرج فيه وتنزل فأوحى الله إليه إني أنا الله لا إله إلا أنا وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة وذريتك من بعدك ثم أنا معك أحفظك حتى أدرك إلى هذا المكان فأجعله بيتًا تعبدني فيه فهو بيت المقدس وقد تأول بعض العلماء معنى الحديث الشريف الوارد أن بناء المسجد الأقصى كان بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة على أن المراد به بناء يعقوب ﵇ لمسجد بيت المقدس بعد بناء إبراهيم الخليل ﵊ الكعبة الشريفة والله أعلم.
[ ١ / ٧ ]
والحديث الشريف المتقدم وهذه الأقوال تدل على أن بناء داود وسليمان ﵉ إياه لما كان على أساس قديم لا إنهما المؤسسان له بل هما مجددان وكل قول الأقوال الواردة في بناء المسجد الأقصى لا ينافي الآخر فإنه يحتمل أن يكون الملائكة أولًا ثم جدده آدم ﵇ ثم سام بن نوح ﵉ ثم يعقوب بن إسحاق ﵉ ثم داود وسليمان ﵉ فإن كل نبي منهم بينه وبين الآخر مدة أن يجدد فيها البناء المتقدم قبله والقول بأن سام نوح أسسه ظاهر فإن سام بن نوح هو الذي اختط مدينة بيت المقدس وبناها وكان ملكًا عليها فلا يبعد أن يكون في المسجد حين بنائه المدينة ولكن يحمل على تجديده للبناء القديم لا تأسيسه والله أعلم.
وأما مدينة القدس فكانت أرضها في ابتداء الزمان صحراء بين أودية وجبال خالية لا بناء فيها ولا عمارة فأول من بناها واختطها سام بن نوح ﵉ وكان ملكًا عليها وكان يلقب مليكيصادق بفتح الميم وسكون اللام وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الصاد المهملة وبعدها ألف ثم دال مهملة مكسورة فيها قاف ومعناه بالعبرانية ملك الصدق.
ومما حكي في أمر بناء القدس في تواريخ الأمم السالفة أن مليكيصادق نزل في بيت المقدس وقطن بكهف من جبالها يتعبد فيه واشتهر أمره حتى بلغ ملوك الأرض من هم بالقرب من أرض بيت المقدس وبالشام وسدوم وغيرهما وعدتهم اثنا عشر فحضروا إليه فلما رأوه وسمعوا كلامه اعتقدوه وأحبوه حبًا شديدًا ودفعوا مالًا ليعمر به مدينة القدس فاختطها وعمرها وسميت بروشليم وتقدم أن معناه عمرانية بيت السلام فلما انتهت عمارتها اتفقت الملوك كلهم أن يكون مليكيصادق عليها وكنوه بأبي الملوك وكانوا بأجمعهم تحت طاعته واستمر حتى مات بها يأتي ذكر مولده ووفاته عند ذكر والده نوح إن شاء الله تعالى.
ولما بنيت مدينة بيت المقدس كان محل المسجد في وسطها وهو صعيد واحد صخرة الشريفة قائمة في وسطه حتى بناه داود ثم سليمان كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٨ ]