وحكى لي صاحبي هذا عن أبن صاحب الطور وكان طلع معي من مصر في سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة، قال حدثني أبن والي الطوروهي ولاية لمصر بعيدة، كان الحافظ لدين الله ﵀، إذا أراد أبعاد بعض الأمراء ولاه الطور وهو قريب لبلاد الأفرنج. قالوليها والدي وخرجت أنا معه إلى الولاية وكنت مغرى بالصيد فخرجت أتصيد فوقع بي قوم من الإفرنج فأخذوني ومضوا بي إلى بيت جبريل فحبسوني فيه في جب وحدي وقطع علي صاحب بيت جبريل ألفي دينار، فبقيت في الجب سنة لا يسأل عني أحد، فأنا في بعض الأيام في الجب وإذا قد رفع عنه الغطاء ودلي إلي رجل بدوي. فقلتمن أين أخذوك؟ قالمن الطريق، فأقام عندي يويمات وقطعوا عليه خمسين دينارًا، فقال لي يومًا من الأيامتريد تعلم أن ما يخلصك من هذا الجب إلا أنا؟ فخلصني حتى أخلصك. فقلت في نفسي رجل قد وقع في شدة يريد لروحه الخلاص، فما جاوبته. ثم بعد أيام أعاد على ذلك القول. فقلت في نفسيوالله لأسعين في خلاصه لعل الله يخلصني بثوابه. فصحت بالسجن فقلت لهقل للصاحب أشتهي أتحدث معك. فعاد وأطلعني من الجب وأحضرني عند الصاحب. فقلت لهلي في حبسك سنة ما سأل أحد عني ولا يدري
[ ٨٠ ]
أنا حي أو ميت، وقد حبست عندي هذا البدوي وقطعت عليه خمسين دينارًا أجعلها زيادة على قطيعتي ودعني أسيره إلى أبي حتى يفكني. قالافعل. فرجعت عرفت البدوي وخرج ودعني ومضى. فانتظرت ما يكون منه شهرين فما رأيت له أثرًا ولا سمعت له خبرًا فيئست منه فما راعني ليلة من الليالي إلا وهو قد خرج علي من نقب في جانب الجب، وقالقم والله لي خمسة أشهر أحفر هذا السرب من قرية خربة حتى وصلت إليك. فقمت معه وخرجنا من ذالك السرب وكسر قيدي وأوصلني إلى بيتي فما أدري مم أعجب من حسن وفائه أو من هدايته حتى طلع نقبه من جانب الجب. وإذا قضى الله سبحانه بالفرج فما أسهل أسبابه.