أقول أنّ معرفة حدث الأعراض
_________________
(١) . اسكن MS.
(٢) . لم يمكن MS.
[ ١ / ٤٤ ]
من أوائل العلوم القائمة في النفس البديهة وما المنكر لها إلا بمنزلة المنكر للظاهر المحسوس لمعاينتنا تعاقب الألوان المتضادة على الأجسام كالسواد بعد البياض والبياض بعد السواد وكذلك الروائح المتضادّة [١] كالكريهة والطيّبة وسائر الحالات الّتي لا يخلوا الجواهر منها كالحر والبرد والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة والحركة والسكون والاجتماع والاقتران والافتراق والطعوم الملاذّ والمكاره وما نجده من أنفسنا من الحب والبغض والإرادة والكراهية والشوق والملامة والجبن والشجاعة والقوة والضعف والشبيبة والمشيب والنوم واليقظة والجوع والشبع وما نراه من حال القيام والقعود والقرب والبعد والحياة والموت والفرح والحزن والرضا والغضب وسائر العوارض التي تطرأ على الأجسام وبعد أن لم يكن وتزول [٢] بعد أن كانت وهذا باب يستكمل جميع أوصاف العالم وما فيه لو تكلفه متكلف لأنه الدليل على الحدث والكون وقليل الشيء يدل على كثيره فإن زعم زاعم أن هذه الأعراض
_________________
(١) . التضاده MS.
(٢) . نزول MS.
[ ١ / ٤٥ ]
أجسام طولب بالفصل بين الحامل والمحمول ولا بدّ من التفصيل بينهما ثم من الدليل على أن العرض غير الجسم جواز الاختلاف عليه وعين الجسم باقية كالبسرة الخضراء مثلًا تراها تصفر [f ١٠ v] فتبطل خضرتها ثم تحمر بعد صفرتها وعينها قائمة وكالراضي يغضب فيختلف حاله وعينه لا تختلف والشاب يشيب والحي يموت فلما لم يجز أن يقال لمن قد شاب أنه ليس بذاك الشاب ولمن مات أنه ليس بذاك الحي مع ورود حال وارتفاع حال أخرى عقل أن العرض ليس بجسم ولا بعض الجسم لأنه لو كان كذلك لتغير الجسم كما تغير الأعراض الحادثة فإذا ثبت أن الأعراض غير الأجسام وجب إن ننظر أحادثة هي أم قديمة فلما رأيناها كائنة بعد أن لم تكن وزائلة بعد أن كانت دلنا ذلك على حدوثها وكونها كوجودنا الجواهر متفرقة بعد أن كانت مجتمعة ومجتمعة بعد أن كانت متفرقة ولن يخلو أن [تكون] مجتمعة بأنفسها أو باجتماع فيها فإن كانت مجتمعة بأنفسها لم يجز وجودها متفرقة ما دامت أنفسها قائمة فعلمنا أنها مجتمعة باجتماع ثم نظرنا أذلك الاجتماع جوهر أو عرض فدلنا أنه لو كان
[ ١ / ٤٦ ]
جوهرًا لكان مجتمعًا باجتماع آخر ثم كذلك إلى ما لا نهاية فلما بطل ما قلنا علمنا أنه مجتمع باجتماع هو عرض لا جوهر وكذلك القول في الحركة والسكون فإن قيل أن الأعراض كانت كامنة في الجسم ثم ظهرت بعد ظهورها حادث أم غير حادث مع استحالة أن يكون الاجتماع والافتراق والحركة والسكون كامنة في الجسم فيكون الجسم في حال واحدة ووقت واحد ساكنًا متحرّكا ومجتمعا متفرّقا فإن التجئوا إلى مذهب من يقول بالهيولى وأنه كان جوهرًا قديمًا لم يزل خاليًا من الأعراض ثم حدثت فيه الأعراض فحدث فيه هذا العالم بما فيه قيل لا يخلو حدوث الأعراض فيه من أن يكون كانت كامنة فظهرت أو كانت في جوهر آخر فانتقلت أو لم تكن بتة فأحدثت فلما استحال كمون الأعراض في الجوهر الذي يزعمونه خاليًا من الأعراض أن يكون مثل أجسام العالم أو دونها أو أعظم منها أو يكون جزءًا لا يتجزأ أو كيف ما كان فإن الصغر والكبر والمثل أعراض لم ينفك منها ولم ينفك من الحوادث فحادث، واعلم أن أحكام هذا الفصل من الفرض الواجب والحق اللازم وخاصة معرفة حدث الأعراض وإن
[ ١ / ٤٧ ]
الجوهر لا ينفك منها لأنها الدليل الظاهر على الحدث والحادث والاختراع ونسأل الله التوفيق والتسديد وأن يعصمنا برحمته ويزيدنا بصيرة في طاعته،