أقول أن رأى من رأى تقديم [١] أحد الأركان على غيره هو محتلّ واه لأنّهم يختلفون في الاستحالة والفساد وكيف يصح على رأي تاليس الماء وهو عنده مستحيل من الأرض وعلى رأي يراقليطس [٢] النار وهي مستحيلة عنده
_________________
(١) . بقديم Ms.
(٢) . براطيطس Ms.
[ ١ / ١٥١ ]
من الهواء وكذلك سائر الأركان أم كيف يجوز عندهم تولّد حيوان أو تركّب نبات من غير اجتماع هذه الأخلاط الأربع فيها لأن ما تفرد بطبع واحد لا يوجد منه غير حركته الطبيعية أو من زعم بابتداء البسائط ثم العناصر المركبة فإنه يفحش قوله لأن البسائط أعراض لا تقوم بذواتها ولا بد لها من حامل فكيف يصح وجودها بلا حامل وكذلك من زعم النور والظلمة لأنهما عرضان لا جسمان والأصح على مذهب هؤلاء ما رأى اثمادقليس من تقدم الاسطقسات الأربع وفساد هذا ظاهر عند المسلمين بأن الاسطقسات لا تخلو أن تكون أعراضًا فإن كانت أعراضًا فالعرض لا يقوم بنفسه أو يكون أجسامًا وحد الجسم ما ذكرناه وإثر الحدث مقارن له أو يكون لا أجسامًا ولا أعراضًا فهذا غير معقول عند المسلمين إلا البارئ ﷻ فإنه خلاف خلقه من جميع الوجوه وإذا لم تكن [٢٩] أجسامًا ولا أعراضا عندهم فلا بدّ أن يكون هو الهيولى الموهوم في مذهبه وهذا شيء لو كان موهومًا لما جاز وقوع الاختلاف فيه إلا من معاند كما لا يجوز وقوع الاختلاف في المعقول إلا من معاند مع أن الوهم لا يحصر ما لا حدّ له ولا صفة من
[ ١ / ١٥٢ ]
لون أو مقدار أو شيء من الأعراض المحسوسة وجملة هذا القول في هذا الباب مراعاة إثر الحدث فيما سوى البارئ ﷻ فإذا ثبت ذلك علم أن ما كان محدثًا فلا بد له من ابتداء وإذا كان لا يقول بحدث العالم إلا الموحدون لم يوجد ابتداء ذلك إلا من جهتهم وهم يختلفون في الرواية عن علمائهم في الظاهر ومتفقون في المعنى إذا انعموا النظر فأما أهل الكتاب وما حكى عنهم فمحتمل غير أنه لا يجوز القطع به ما لم يصدقه كتابنا أو خبر نبينا ﷺ لما وقع فيهم من التحريف والتبديل ولأنه خلاف ما ذكر في أوّل التوراة في ابتداء الخلق فالذي يوجبه العقل أن يكون مكان كل متمكن سابق له وإن لا يحل حركة إلا في جسم ولا يوجد إلا في زمان وإن لا يصح فعل اختيار وتدبير إلا من حي عالم وإن لا يحدث شيء إلا من شيء وإن الأركان الأربع سابقة للأجسام فمن قال بقدم هذه المذكورات دخل في جملة المخالفين ونقضت عليه آثار الحدث فيها ومذهبه ومن قال بحدثها فما حاجته إلى تقديم ما قدم منها وقد أقر بأن الله أحدث الزمان من غير زمان والمكان في غير مكان والأركان من غير أركان اللَّهمّ إلا أن يعمد فيه شيئًا
[ ١ / ١٥٣ ]
من كتب الله فليس يجد في كتاب أول ما خلق ما هو فيقضي على ما خالفه بالرد والإنكار ولا بد لكل حادث من غاية ينتهي إليها كقولنا الساعة من اليوم واليوم من الأسبوع والأسبوع من الشهر والشهر من السنة والسنة من الزمان والزمان من الدهر فقد انتهى إلى الزمان والزمان غايته وكما نقول فلان من فلان وفلان من فلان كما ترفع مثلًا نسب رسول الله ﷺ إلى أدم ثم يقال وآدم من تراب فالتراب آخره وكذلك سائر الأشياء الحادثة لا بدّ لها من غاية هذا ما يعاينه ويشاهده فلذلك وضعنا ما روينا عن أهل الكتاب على وجه الاحتمال فقد ذهب بعض أهل الإسلام إلى أن أول ما أحدث الزمن العلوي وهو وقت يظهر فيه الفعل ليس السفلي الذي هو من حركات الفلك ثم المكان الذي هو غير متجزئ ولا متماسك وهو فضاء وبسيط ذاهب خلاء محيط بالعالم قال وليس الهواء من الفضاء في شيء لأن الهواء جسم متجزئ ومنتشر وليس الخلاء بمتجزّئ ولا محسوس ومعنى قوله التجزّي أن الخلاء لا يدخل العالم منه شيء إلا يتحلله بتةً والهواء ما بين السماء والأرض ولا يخلو منه شيء والخلاء ما فيه السماء والأرض
[ ١ / ١٥٤ ]
والهواء ثم الأجسام بأعراضها كذا رأيت في بعض كتبهم والله أعلم فإذا سأل سائل عن ابتداء الخلق فجوابه أن ما دون الله مخلوق نعم سؤالك عن العالم العلوي أم العالم السفلي أم عن الآخرة الموعودة أم عن الدنيا الفانية [٣٠] لأن كل شيء من هذه الأشياء ابتدأ منه ابتداء ونشو فإن قيل هل غير الدنيا والآخرة شيء قيل العرش والكرسي والملائكة واللوح والقلم وسدرة المنتهى مخلوقة كلها ولا تعد [١] من الدنيا ولا من الآخرة وكذلك الجنة والنار والصراط والميزان والصور والأعراف والرحمة والعذاب مخلوقة عند كثير من الأمة ثم من بعدهم من أهل الكتاب ولا يعد من الدنيا ولا من الآخرة فإن قيل فقد قال الله تعالى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ٥٣: ٢٥ ولم يذكر شيئًا غيرهما قيل ولم يذكر الأشياء غيرهما مع أكثر أهل التفسير يقولون معناه للَّه الحكم في الآخرة والأولى وقد قال رسول الله ﷺ ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا إلا الجنة والنار لأنه لا شيء غيرهما وإنما يصح هذا إذا عرفت الدنيا والآخرة ما هما على انّه لا عتب
_________________
(١) . يعدّ Ms.
[ ١ / ١٥٥ ]
على من عد ما ذكرناه من أمر الآخرة ولا مضايقة فيه بعد أن اعتقدها كما جاءت به كتب الله وينبغي أن يعلم أن كلما دون الدنيا روحاني حيواني خلق للبقاء والخلود على الأبد لا يجوز عليه الانحلال والدثور بقول الله تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، ٢٩: ٦٤