قال افلاطن أنّ الحواسّ اشتراك النفس والبدن في إدراك الشيء الذي من خارج وإن القوة للنفس والآلة للبدن واختلفوا في البصر كيف يبصر فزعم بعضهم أن الشعاع يخرج من العين وينبسط في المبصرات فيكون كاليد التي تلمس ما كان خارجًا عن البدن ويؤدي ذلك إلى القوة البصرية وافلاطن يرى ذلك اجتماع الضياء ويقول أن البصر يكون باشتراك الضوء البصري والضوء الهوائي وسيلانه فيه بالمجانسة التي بينهما وأن الضوء الذي ينعكس عن الأجسام ينبسط في الهواء لسيلانه وسرعة استحالته فيلقى
_________________
(١) . يحيى Ms.
[ ٢ / ١٣٠ ]
الضياء الناري البصري واختلفوا في السمع فزعم بعضهم أن السمع يكون بالخلاء الذي يكون داخل الأذن ومنهم من يزعم أن الهواء يدخل الأذن في صورة الصنوبرة وتصادمها وافلاطن يرى أن الهواء الذي في الرأس يصدمه الهواء الخارج فينعطف إلى العضو الرئيس فيكون من ذلك حسّ السمع واختلفوا في الصوت كيف هو فزعم بعضهم أنّ الصوت جسم واحتجوا بأن كل فاعل وكل مفعول جسم وأن الصوت يفعل لأنا نسمعه ونحس به وألحان الموسيقى تحركنا والأصوات التي ليست على الموسيقى تؤذينا والصوت يتحرك ويصدم المواضع اللينة ويرجع عنها مثل الكرة التي يضرب بها الحائط وافلاطن يرى أن الصوت ليس بجسم لأنه يعرض في الهواء وينبسط وكل بسيط فغير جسم واختلفوا في الشم كيف يشم فزعم بعضهم أن العضو الرئيس يكون في الدماغ وأنه يجذب الروائح بالنفس وزعم آخرون أن الشم يكون بممازجة هواء النفس ببخار الشيء المشموم واختلفوا في الذوق كيف هو فزعم بعضهم أن الذوق يكون بممازجة [١] الجوهر الرطب الّذي في اللسان بالجوهر الرطب
_________________
(١) . ممازجة Ms.
[ ٢ / ١٣١ ]
الذي في الشيء الذي يذاق وزعم آخرون أن الذوق يكون بالتخلخل واللين اللذين يكونان في اللسان بالعروق التي ينبعث إليه من الفم بقول الله تعالى وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ١٦: ٧٨ فنبهنا على هذه الحواس وبعثنا على شكرها ولم يبين لنا علل إدراكها ولا كيفية تركيباتها وقد تحار العقول إذا نظرت فيها وترتد خاسرة [١] لعظم أمرها وصعوبة شأنها وما هي إلا بمنزلة النفس والروح اللذين يعجز الخلق عن إدراكها فإن كان شيء مما قالوا حقًا فهو الصواب وإن كان غير ذلك فاللَّه أعلم،
_________________
(١) . حاسرة Ms.
[ ٢ / ١٣٢ ]