أ- شيوخه:
تمهيد: اتجه ابن كثير في دراسته إلى العلوم الشرعية، وبخاصة الفقه والحديث، وما يتصل بهما من علوم القرآن والسنة واللغة العربية، وهو الاتجاه السائد في عصره، يدفعه إلى ذلك نشأته الأولى في أسرته، وبخاصة أخوه وشيخه الأول عبد الوهاب، يضاف إلى ذلك أنه طالب علم نبيه ومتفوِّق، فهو كثير الحفظ، قليل النسيان، صحيح الذهن، مما يفسر العلاقة الحميمة بينه وبين شيوخه، الذين أحبُّوه وشجَّعُوه على الصبر والمثابرة، وكان لهم أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية؛ كالمؤرخ الذهبي، والمحدِّث المزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وسنذكر فيما يلي تعريفًا مختصرًا بمشايخه، وهم صفوة العلماء في عصره، مرتبة أسماؤهم حسب سني وفاتهم، فنبدأ بالأقدم وفاة، حريصين كل الحرص على أن يكون التعريف بقلم ابن كثير ومن خلال تأريخه العظيم "البداية والنهاية":
١ - موسى بن علي بن محمد الحَلَبي، نجم الدين، الدمشقي المتوفى سنة ٧١٦ هـ:
قال ابن كثير: "الكاتب الفاضل المعروف بالبُصْبُص، شيخ صناعة الكتابة في زمانه، لا سيما في المزوج والمثلث، وقد أقام يُكتِّبُ الناسَ خمسين سنة، وأنا ممن كتب على يديه أثابه اللَّه، وكان شيخًا حسنًا، بهيَّ المنظر. . توفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة، ودفن بمقابر الباب الصغير، وله خمس وستون سنة" (^١).
٢ - زكريا بن يوسف بن سمليمان بن حمَّاد، ركن الدين البجلي الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٢ هـ:
لم يذكر ابن كثير العلم الذي أخذه عنه، وإنما قال: "شيخنا العلامة الزاهد ركن الدين، بقية السلف، نائب الخطابة، ومدرس الطيبية والأسدية، وله حلقة للإشغال (^٢) بالجامع، يحضر بها عنده الطلبة، كان يشغل بالفرائض وغيرها، مواظبًا على ذلك، توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى عن سبعين سنة، ودفن قريبًا من شيخه تاج الدين الفزاري -رحمهما اللَّه-" (^٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ١٢١).
(٢) الإشغال هو التعليم، والاشتغال: طلب العلم.
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ١٥٩).
[ مقدمة / ٢٣ ]
٣ - عبد اللَّه، ضياء الدين، الدَّرْبَنْدِي النحوي، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ:
أخذ عنه علم النحو، وقال: "كان قد اضطرب عقله فسافر من دمشق إلى القاهرة، فأشار شيخ الشيوخ القونوي فأُودع بالمارستان، فلم يُوافق، ثم دخل إلى القلعة وبيده سيف مسلول فقتلَ نصرانيًا، فحُمل إلى السلطان وظنوه جاسوسًا، فأمر بشنقه فشُنق، وكنتُ ممن اشتغل عليه في النحو" (^١).
٤ - محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين، أبو نصر الشيرازي، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ:
أخذ عنه الحديث، وقال: "شيخنا الأصيل شمس الدين، أبو نصر محمد بن عماد الدين أبي الفضل محمد بن شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة اللَّه محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي، مولده في شوال سنة تسع وعشرين وستمئة، وسمع الكثير وأسمع، وأفاد في عليَّة شيخنا المِزِي تغمده اللَّه برحمته، قرأ عليه عدة أجزاء بنفسه، وكان شيخًا حسنًا خيِّرًا، متواضعًا، مباركًا، يُذهِّبُ الربعات والمصاحف، له في ذلك يد طولى، ولم يتدنَّس بشيء من الولايات، ولا تدنِّس بشيء من وظائف المدارس ولا الشهادات إلى أن توفي يوم عرفة ببستانه من المزة، وصلِّي عليه بجامعها، ودُفن بتربتها ﵀" (^٢).
٥ - عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي، المعروف بابن قاضي شهبة، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ:
تفقَّه عليه ابن كثير، لأنه كان ينوب عن الشيخ تاج الدين الفزاري في حلقته، وله حلقة خاصة، قال عنه: "وُلد بحوران في سنة ثلاث وخمسين وستمئة، وقدم دمشق، واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري ولازمه، وانتفع به، وأعاد بحلقته، وتخرَّج به، وكذلك لازم أخاه الشيخ شرف الدين، وأخذ عنه النحو واللغة، وكان بارعًا في الفقه والنحو. . توفي بالمدرسة المجاهدية، وبها كانت إقامته، ليلة الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة، وصُلِّي عليه بعد صلاة الظهر، ودُفن بمقابر باب الصغير" (^٣).
٦ - محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، كمال الدين، أبو المعالي المعروف بابن الزملكاني، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ:
أخذ ابن كثير عنه الفقه وحضر دروسه، وقال عنه: "انتهت إليه رئاسة المذهب تدريسًا وإفتاءً ومناظرة، برع وساد أقرانه، وحاز قصب السبق عليه بذهنه الوقَّاد، وتحصيله الذي أسهرَه ومنعه الرقاد، وعبارته التي هي أشهر من السهاد، وخطه الذي هو أنضر من أزاهير المهاد. . وقال: أما
_________________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ١٦٥).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ١٦٩).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ١٩٦).
[ مقدمة / ٢٤ ]
دروسه في المحافل فلم أسمع أحدًا من الناس يُدرِّس أحسن منه، ولا أحلى من عبارته، وحسن تقريره، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه، وقوة قريحته، وحسن نظمه، توفي في رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمئة ببليس، وحُمل إلى القاهرة، ودُفن جوار قبَّة الشافعي ﵁" (^١).
٧ - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تقي الدين، أبو العباس، الحراني الحنبلي، شيخ الإسلام، المتوفى سنة ٧٢٨ هـ:
لازم ابن كثير شيخه ابن تيمية، وأحبه حبًا عظيمًا، وأخذ عنه فأكثر من آرائه، وكان يُفتي برأيه في مسألة الطلاف، وامتحن بسبب ذلك وأوذي.
ويقول ابن حجر العسقلاني: "وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه" (^٢) ورغم أن ابن كثير كان شافعي المذهب، فإنه كان مخلصًا لابن تيمية، تأثر به كل التأثر في نبذ البدع والضلالات المستحدثة ومناصرة السنة وأهلها. وفي الجزء السادس عشر من طبعتنا الجديدة للبداية والنهاية نجده يتتبع مواقف الشيخ ابن تيمية المشهودة، وجهاده البطولي، فيفرح لانتصاره على (^٣) التتار وأهل البدع (^٤) والزيغ، ويحزن لسجنه، ويحضر إلى قلعة دمشق عند وفاته، ويقبل وجهه عند غسله (^٥)، ويصف جنازته الكبرى (^٦)، التي خرج فيها أهل دمشق ومن حولها من القرى يُودِّعون العالم المصلح المجاهد، ويرى ابن كثير في هذه الحشود الحزينة أكبر انتصار لدعوة الشيخ الإصلاحية، ولطمة مؤلمة لأعدائه وحسَّاده.
وقال ابن كثير بعد ترجمة حاشدة أخذها من تاريخ شيخه البِرْزَالي: "وعملت له -للشيخ ابن تيمية- ختمات كثيرة ورؤيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطوَّلة جدًا، وقد أُفردت له تراجم كثيرة، وصنَّف في ذلك جماعة من الفضلاء، وسألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه، وفضائله، وشجاعته، وكرمه، ونصحه، وزهادته، وعبادته، وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة، وصفاته الكبار والصغار، التي احتوت على غالب العلوم، ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسنة، وأفتى بها" (^٧).
وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء، وممن يُخطئ ويُصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى
_________________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٩٧).
(٢) الدرر الكامنة (١/ ٤٠٠).
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ٢٦).
(٤) البداية والنهاية (١٦/ ٤٣).
(٥) المصدر السابق (١٦/ ٢١٣).
(٦) المصدر السابق (١٦/ ٢١٤).
(٧) المصدر السابق (١٦/ ٢١٤).
[ مقدمة / ٢٥ ]
صوابه كنقطة في بحر لجيٍّ، وخطؤه أيضًا مغفور له، كما في صحيح البخاري "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصاب له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فهو مأجور، وقال الإمام مالك بن أنس: كلُّ أحدٍ يُؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر (^١).
٨ - إبراهيم بن عبد الرحمن الفَزَاوي، برهان الدين، الشهير "بابن الفركاح"، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ:
سمع ابن كثير عليه "صحيح مسلم" وغيره في الحديث، وتفقَّه عليه في المذهب الشافعي، وقال عنه: "كان مقبلًا على شأنه، عارفًا بزمانه، مستغرقًا أوقاته في الاشتغال والعبادة، كثير المطالعة وإسماع الحديث، وقد سمعنا عليه "صحيح مسلم" وغيره، وكان يُدرِّس بالمدرسة البادرائية، وله تعليق على "التنبيه"، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، وله تعليق مختصر على "مختصر ابن الحاجب" في أصول الفقه، وله مصنفات في غير ذلك كبار، وبالجملة فلم أر شافعيًا من مشايخنا مثله، وكان حسن الشكل، عليه البهاء والجلالة والوقار، حسن الأخلاق، فيه حدَّة ثم يعود قريبًا، وكرمه زائد، وإحسانه إلى الطلبة كثير. .
توفي بكرة يوم الجمعة سابع جمادى الأولى بالمدرسة المذكورة، وصُلِّي عليه عقب الجمعة بالجامع، وحُملت جنازته على الرؤوس وأطراف الأنامل، وكانت حافلة، ودُفن عند أبيه وذويه بباب الصغير، رحمه اللَّه تعالى" (^٢).
٩ - أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن نعمة، شهاب الدين، أبو العبَّاس، الحجَّار، المعروف "بابن الشحنة" المتوفى سنة ٧٣٠ هـ:
سمع عليه ابن كثير أجزاء حديثية بالإجازات والسَّماعات، و"صحيح البخاري"، وقال عنه: "كان شيخًا حسنًا، بهيَّ المنظر، سليم الصدر، ممتَّعًا بحواسِّه وقواه، فإنه عاش مائة سنة مُحَقَّقًا وزاد عليها، لأنه سمع "صحيح البخاري" من الزَّبِيدي في سنة ٦٣٠ هـ، وأسمعه هو في سنة ثلاثين وسبعمئة في ٩ صفر بجامع دمشق، وسمعنا عليه يومئذ، وللَّه الحمد.
توفي الحجار يوم الاثنين خامس وعشرين صفر من هذه السنة، وصُلِّي عليه بالمظفري يوم الثلاثاء، ودُفن بتربة له عند زاوية الدومي، بجوار جامع الأفرم، وكانت جنازته حافلة، ﵀" (^٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ٢١٥).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٢٢٥).
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ٢٣٢).
[ مقدمة / ٢٦ ]
١٠ - محمد بن حسين بن غيلان، شرف الدين، أبو محمد، البعلبكي الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٠ هـ:
ختم عليه ابن كثير حفظ القرآن سنة ٧١١ هـ، قال عنه: "سمع الحديث وأسمعه، وكان يُقرئ القرآن طرفي النهار، وعليه ختمت القرآن. .، وكان من الصالحين الكبار، والعبَّاد الأخيار" (^١).
١١ - عبد اللَّه بن يوسف، شمس الدين، أبو محمد المقدسي، ابن العفيف، المتوفى سنة ٧٣٧ هـ:
قرأ عليه ابن كثير كثيرًا من الأجزاء الحديثية، وقال عنه: "قرأتُ عليه عام ثلاث وثلاثين وسبعمئة - مرجعنا من القدس كثيرًا من الأجزاء والفوائد، وهو والد صاحبنا جمال الدين يوسف، أحد مفتي الحنابلة وغيرهم، والمشهورين بالخير والصلاح" (^٢).
توفي يوم الخميس ثاني وعشرين ربيع الآخر بنابلس، ودفن بها، وتأسف الناس عليه، رحمه اللَّه تعالى.
١٢ - القاسم بن محمد بن يوسف، علم الدين، أبو محمد البِرْزالي، الإشبيلي الأصل، الدمشقي، المتوفى سنة ٧٣٩ هـ:
أخذ عنه ابن كثير علم التاريخ، وقال: "هذا آخر ما أرَّخه شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيَّل به على تاريخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي (^٣)، وقد ذيَّلتْ على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء ٢٠ جمادى الآخرة من سنة ٧٥١ هـ".
توفي سنة ٧٣٩ هـ وهو محرم فغُسِّل وكُفِّن ولم يُستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يومًا مشهودًا. .، توفي عن أربع وسبعين سنه (^٤)، ﵀.
١٣ - يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن، أبو الحجاج، المِزِّي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ:
لازم ابنُ كثير هذا الشيخ الكبير، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وتخرَّج على يديه، وقرأ عليه "صحيح البخاري"، وقرأ عليه كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" واسمه مذكور في طباق السماعات، وأصهر إليه فتزوَّج ابنته زينب، وأصبح قريبًا منه في حلقات دروسه، وقريبًا منه في
_________________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٣١).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ٢٧٨).
(٣) المسمّى "الروضتين في أخبار الدولتين".
(٤) البداية والنهاية (١٦/ ٢٨٨).
[ مقدمة / ٢٧ ]
بيته، ومكثرًا من الأخذ عنه، وتأثر به تأثيرًا بينًا في العقائد، فإن المزي كان من أخلص مؤيدي شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصف لنا مرضه الذي مات فيه، وجنازته المهيبة، فقال: "وفاة شيخنا أبي الحجَّاج المزي: تمرَّضَ أيامًا يسيرة، لا يُشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس وإسماع الحديث، فلما كان يوم الجمعة حادي عشر صفر أسمع الحديث إلي قريب وقت الصلاة، ثم دخل منزلة ليتوضأ ويذهب للصلاة، فاعترضه في باطنه مغص عظيم ظنَّ أنه قولنج، وما هو إلا طاعون، فلم يقدر على حضور الصلاة، فلما فرغنا من الصلاة أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه فدخلت عليه، فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الألم الذي هو فيه، فسألته عن حاله، فجعل يُكرِّر الحمدُ للَّه، ثم أخبرني بما حصل له من مرض شديد، وصلَّى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة، وتوضأ على البِرْكةِ وهو في قوة الوجع، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي، أنه أذَّن الظهر تغيَّر ذهنه قليلًا، فقالت: يا أبة أذَّن الظهر! فذكر اللَّه وقال: أريد أن أصلي، فتيمَّم وصلَّى، ثم اضطجع فجعل يقرأ آيه الكرسي، حتى جعل لا يفيض بها لسانه، ثم قبضت روحه بين الصلاتين، ﵀، يوم السبت ثاني عشر صفر. . وفي يوم الأحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غُسِّل وكُفِّن وصُلِّي عليه بالجامع الأَمَوِي. . ثم صُلِّي عليه خارج باب النصر. . ودفن في مقابر الصوفية إلى جانب زوجته الصالحة الحافظة لكتاب اللَّه عائشة بنت إبراهيم بن صديق، غربي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵏ أجمعين-" (^١).
١٤ - محمد بن أحمد عثمان بن قايماز، أبو عبد اللَّه الذهبي التركماني، الفارقي، الدمشقي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ:
تتلمذ ابن كثير على هذا الشيخ: في علوم التفسير، والحديث، والتاريخ، وروى عنه، وقال في ترجمته: "وفي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي الحجة توفي الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، بتربة أم الصالح، وصُلِّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق، ودفن بباب الصغير، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفَّاظه، ﵀" (^٢).
١٥ - محمود بن عبد الرحمن، شمس الدين، أبو الثناء، الأصبهاني، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ:
أخذ ابن كثير عنه علم الفقه، فقد كان بارعًا في العقليات، صحيحَ الاعتقاد، محبًا لأهل الصلاح (^٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ٢٩٧).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٤٠).
(٣) شذرات الذهب (٨/ ٣٨١) والدرر الكامنة (٥/ ٩٥) والفتح المبين (٢/ ١٥٨).
[ مقدمة / ٢٨ ]
اشتغل بتبريز، وتصدَّر للإقراء بها، ثم قدم دمشق ٧٢٥ هـ، ودرَّس بالرواحية، واشتهر أمره بمصر وصنَّف "التفسير الكبير" و"شرح مختصر ابن الحاجب" و"شرح منهاج البيضاوي في أصول الفقه".
توفي بالقاهرة بالطاعون، ودفن بها (^١).
• وسمع ابن كثير على عدد من الشيوخ كتبًا، ومشيخات، وأجزاء وفوائد، فحُقَّ أن يُذكروا مشايخ له، وهم:
١ - عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد. . المسند، شرف الدين، أبو محمد السمسار في العقار، مُطَعِّم الأشجار، المتوفى سنة ٧١٩ هـ:
سمع عليه ابن كثير معظم الصحيح -صحيح البخاري- (^٢).
٢ - القاسم بن مظفَّر بن محمود بن أحمد بن الحسن بن هبة اللَّه، بهاء الدين بن عساكر الدمشقي، الطبيب، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ:
سمع عليه ابن كثير مشيخة في سنة وفاته، خرَّجها له علم الدين البرزالي، وقال عنه في "البداية والنهاية": شيخنا الجليل، الرُّحلة (^٣).
٣ - يحيى بن إسحاق بن خليل بن فارس، محيي الدين، أبو زكريا الشيباني الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٤ هـ:
سمع عليه ابن كثير "سنن الدراقطني" وغيره (^٤).
٤ - محمد بن عمر بن عثمان بن عمر، عفيف الدين، الصقلي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ:
قال عنه ابن كثير: "إمام مسجد الرأس، آخر من حدَّث عن ابن الصلاح" ببعض سنن البيهقي، سمعنا عليه شيئًا منها" (^٥).
٥ - إسماعيل بن المسلم بن الحسن بن النصر، ضياء الدين، أبو الفداء الدمشقي، المعروف بابن الحموي، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ:
سمع ابن كثير منه مشيخة خرَّجها له البِرْزَالي (^٦).
_________________
(١) شذرات الذهب (٨/ ٣٨١) والدرر الكامنة (٥/ ٩٥) والفتح المبين (٢/ ١٥٨).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ١٤٥).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ١٦٧).
(٤) المصدر السابق (١٦/ ١٧٨).
(٥) المصدر السابق (١٦/ ١٨٤).
(٦) البداية والنهاية (١٦/ ٢٠١).
[ مقدمة / ٢٩ ]
٦ - محمد بن عبد الملك بن إسماعيل بن العادل أبي بكر بن أيوب، الملك الكامل، ناصر الدين، أبو المعالي، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ:
قال ابن كثير: كان له سماع كثير، سمعنا عليه، وكان يحفظ تاريخًا جيدًا (^١).
٧ - حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد. . التميمي، الدمشقي، ابن القلانسي، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ:
قال الحافظ ابن كثير: سمع الحديث من جماعة، ورواه، وسمعنا عليه (^٢).
٨ - علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي التبريزي، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ:
سمع ابن كثير عليه مشيخة بين سنة ٧٢٣ هـ وسنة ٧٢٩ هـ حين قدم القُونَوي إلى دمشق قاضيًا (^٣).
٩ - محمد بن محمد بن سهل الأزدي الغرناطي الأندلسي، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ:
سمع ابن كثير عليه "صحيح مسلم" بقراءته في تسعة مجالس قراءة صحيحه (^٤).
١٠ - أحمد بن محمد بن محمد بن نصر اللَّه. . جمال الدين، أبو العباس التميمي، الدمشقي، ابن القلانسي، المتوفى سنة ٧٣١ هـ:
بسمع عليه مشيخة خرَّجها له فخر الدين البعلبكي (^٥).
١١ - سليمان بن عمر بن سالم بن عمر بن عثمان، جمال الدين، الأذرعي، المتوفى سنة ٧٣٤ هـ:
سمع ابن كثير عليه مشيخةً، خرَّجها له البِرْزالي، عن اثنين وعشرين شيخًا (^٦).
١٢ - عمر بن علي بن سالم بن عبد اللَّه، تاج الدين، أبو حفص اللخمي، الإسكندراني، المعروف "بابن الفاكهاني"، المتوفى سنة ٧٣٤ هـ:
سمع ابن كثير عليه حين قدم دمشق سنة ٧٣٠ هـ، أيام قاضي القضاة الأخنائي، فأنزله في دار السعادة، وقال: وسمعنا عليه ومعه (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٠٢).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٢٢٧).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٢٢٦).
(٤) المصدر السابق (١٦/ ٢٣٠).
(٥) البداية والنهاية (١٦/ ٢٤١).
(٦) المصدر السابق (١٦/ ٢٥٩).
(٧) المصدر السابق (١٦/ ٢٦١).
[ مقدمة / ٣٠ ]
١٣ - أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة، شمس الدين المقدسي، النابلسي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٣٧ هـ:
سمع عليه سنة ٧٣٣ هـ كثيرًا من الأجزاء والفوائد (^١).
١٤ - عمر بن أبي بكر بن المِيْهنيّ، البسطي، فخر الدين، ابن البخاري، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ:
قرأ عليه ابن كثير مختصر المشيخة (^٢).
١٥ - علم الدين الجاولي، المتوفى سنة ٧٤٥ هـ:
سمع عليه "مسند الإمام الشافعي"، وذلك حين مرَّ من دمشق يوم الثلاثاء ٢٥ صفر سنة ٧٤٣ هـ في طريقه إلى حماة لمباشرة نيابتها، وقد رأى ابن كثير عمله في "المسند"، وشرْحَه عليه، وأثنى عليه حسن ترتيبه (^٣).
١٦ - يوسف بن عبد بن محمد بن يوسف، جمال الدين، أبو الحجاج المقدسي، المتوفى سنة ٧٥٤ هـ:
كان من العلماء العبَّاد الورعين محبًا للحديث وأهله، سمع "سنن ابن ماجه" من الحافظ ابن بدران النابلسي، وسمع منه ابن كثير (^٤).
١٧ - أحمد بن عبد اللَّه الجهني، شهاب الدين البارزي الحموي، نزيل دمشق، المتوفى سنة ٧٥٥ هـ:
سمع ابن كثير منه "الغيلانيات" (^٥)، وقد كان يُحدِّث بها عن غازي الحلاوي.
١٨ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بركات بن شمس الدين المعروف "بابن الخباز" الحنبلي، المتوفى سنة ٧٥٦ هـ:
سمع منه المِزي، والذهبي، والسبكي، وابن جماعة، وابن رافع، وابن كثير، وغيرهم (^٦).
١٩ - عبد العزيز بن محمد، عز الدين، أبو عمر بن جماعة، المتوفى سنة ٧٦٧ هـ:
سمع عليه ابن كثير بقراءته شيئًا كثيرًا، حين قدم دمشق في أواخر رجب سنة ٧٢٥ هـ من
_________________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٧٨).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٠٥).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٣١١).
(٤) ابن حجر: الدرر (١/ ١٩٠). شذرات الذهب (٨/ ٣٠٢).
(٥) ابن حجر: الدرر (١/ ١٩٠). شذرات الذهب (٨/ ٣٠٣).
(٦) شذرات الذهب (٨/ ٣١٠).
[ مقدمة / ٣١ ]
مصر (^١)، ويبدو مما جاء عند ابن حجر أن ابن جماعة في هذه الرحلة انتفع بابن كثير، في تخريج أحاديث الرافعي (^٢).
٢٠ - محمد بن موسى الأنصاري الدمشقي، الشهير "بابن الشيرجي"، المتوفى سنة ٧٧٠ هـ:
سمع عليه، وكان ابن الشيرجي سمع من الفخر ابن البخاري جزء الأنصاري، وحدَّث به، وتفرَّد به عنه (^٣).
ومن طرائف الأمور الدالة على فهم ابن كثير في تلقي العلم وحرصه عليه أنه لم يكن يأنف أن يأخذ ممن هو أصغر منه سنًا حينما يكون ذلك الشاب متميزًا، فقد عرفنا أن ابن كثير استفاد أشياء من الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المولود بمصر سنة ٧٢٥ هـ والمتوفى سنة ٨٠٦ هـ، قال السخاوي: "كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة كالسبكي والعلائي وابن جماعة وابن كثير. . . وكذا صَرَّح ابن كثير باستفادته منه تخريج شيءٍ وقف على المحدثين، وقرأ عليه شيئًا، وذكر في شرحه للألفية أنه سمع منه حديثًا من مشيخة قاضي المارستان" (^٤).