قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٣٦).
(٢) في التفسير (١٧/ ١٤٢).
(٣) في تاريخه (١/ ١٢٨).
[ ١ / ١٤٣ ]
رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١]. قد تكلَّمنا على هذه القصَّة في سورة المائدة في التفسير (^١) بما فيه كفاية، وللَّه الحمد.
ولنذكر هاهنا ملخص ما ذكرَه أئمةُ السَّلف في ذلك.
فذكرَ السُّدِّي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس. وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من الصحابة: أنَّ آدم كان يُزوِّجُ ذكرَ كلِّ بطنِ بأنثى الآخر، وأنَّ هابيلَ أراد أن يتزوَّجَ بأخت قابيل، وكان أكبرَ من هابيل، وأختُ هابيل أحسنُ، فأراد هابيلُ أنْ يستأثرَ بها على أخيه، وأمرَه آدمُ ﵇ أن يزوِّجه إيَّاها فأبَى، فأمرَهما أن يُقرِّبا قربانًا، وذهبَ آدمُ ليحجَّ إلى مكَّة، واستحفظ السماوات على بنيه فأبينَ، والأرضين والجبال فأبينَ، فتقبَّل قابيلُ بحفظ ذلك. فلما ذهبَ قرَّبا قربانَهما، فقرَّبَ هابيلُ جَذْعةً سمينة، وكان صاحبَ غَنم، وقرَّبَ قابيلُ حزمةً من زَرْعٍ، من رديء زَرْعه، فنزلت نارٌ فأكلتْ قربانَ هابيل، وتركتْ قربانَ قابيل، فغضبَ وقالَ: لأقتلنَّكَ حتى لا تنكحَ أختي. فقال: إنما يتقبَّلُ اللَّه من المتقين (^٢).
ورُوي عن ابن عباس من وجوه أُخر، وعن عبد اللَّه بن عمرو، وقال عبد اللَّه بن عمرو: وايم اللَّه إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعَه التحرُّج أن يبسطَ إليه يدَه (^٣).
وذكر أبو جعفر الباقر: أنَّ آدمَ كان مباشرًا لتقرُّبهما القربانَ والتَّقبُّل من هابيل دون قابيل، فقال قابيل لآدم: إنما تَقبَّلَ منه لأنَّكَ دعوتَ له ولم تدعُ لي، وتوعَّد أخاه فيما بينَه وبينَه، فلما كان ذات ليلةٍ أبطأ هابيلُ في الرعي، فبعثَ آدمُ أخاه قابيلَ لينظرَ ما أبطأ به، فلما ذهبَ إذا هو به، فقال له: تقبَّل منكَ ولم يتقبلْ منِّي. فقال: إنما يتقبل اللَّه من المتقين، فغضبَ قابيلُ عندَها وضربَهْ بحديدةٍ كانت معه، فقتلَه. وقيل: إنه إنما قتلَه بصخرة رماها على رأسِه وهو نائمٌ فشدخته (^٤). وقيل: بل خنقَه خنقًا شديدًا وعضًّا كما تفعلُ السِّباعُ فمات (^٥). واللَّه أعلم.
وقوله له لما توعَّده بالقتل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] دلَّ على خُلُقٍ حَسَن، وخَوْفٍ من اللَّه تعالى وخشية منه، وتورُّعٍ أن يُقابلَ أخاه
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٥٥ - ٦٠).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٤/ ٥٢٥) وابن كثير في التفسير (٢/ ٥٥).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٤/ ٥٣٢) وابن كثير في التفسير (٢/ ٥٦).
(٤) "فشدخته": كسرته وشقَّتْه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم؛ كما في تفسير ابن كثير (٢/ ٥٦).
[ ١ / ١٤٤ ]
بالسوء الذي أراد منه أخوه مثلَه، ولهذا ثبتَ في الصحيحين (^١): عن رسول اللَّه ﷺ؛ أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار". قالوا: يا رسول اللَّه! هذا القاتلُ فما بالُ المقتول؟ قال: "إنَّه كانَ حريصًا على قتلِ صاحبه".
وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] أي: إني أُريدُ تركَ مقاتلتكَ، وإنْ كنتُ أشدَّ منكَ وأقوى، وإذ قد عزمتَ على ما عزمتَ عليه أن تبوءَ بإثمي وإثمكَ، أي: تتحمَّلُ إثمَ قتلي مع مالكَ من الآثام المتقدِّمة قبل ذلك. قاله مجاهد، والسُّدِّي، وابن جرير، وغيرُ واحد.
وليس المرادُ أنَّ آثام المقتول تتحوَّل بمجرد قتلهِ إلى القاتل، كما قد توهَّمه بعضُ الناس، فإنَّ ابنَ جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك.
وأما الحديث الذي يُورده بعضُ من لا يعلم، عن النبيِّ أنه قال: "ما تركَ القاتلُ على المقتول من ذنبٍ" فلا أصلَ له ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضًا (^٢). ولكن فد يتفق في بعض الأشخاص يومَ القيامة أن (^٣) يُطالب المقتولُ القاتلَ، فتكونُ حسناتُ القاتل لا تفي بهذه المظلمة، فتُحوَّلُ من سيِّئات المقتول إلى القاتل، كما ثبتَ به الحديث الصحيح في سائر المظالم، والقتل من أعظمها، واللَّه أعلم. وقد حرَّرنا هذا كله في التفسير (^٤) وللَّه الحمد.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (^٥): عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهدُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: إنها ستكون فتنة القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي" قال: أفرأيتَ إن دخل عليّ بيتي فبسطَ يدَه إليَّ ليقتلني؟ قال: كن كابن آدم.
ورواه ابن مردويه: عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا، وقال: "كن كخير ابني آدم" (^٦).
_________________
(١) البخاري (٦٨٧٥) في الديات، ومسلم (٢٨٨٨) في الفتن.
(٢) وانظره في كشف الخفاء (٢/ ٢٥٨) والمقاصد الحسنة (٩٥٠) والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (٧٧٩).
(٣) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٥٨).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٦٩ و١٨٥) وأبو داود (٤٢٥٧) في الفتن والملاحم، والترمذي (٢١٩٤) في الفتن.
(٦) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المثور (٣/ ٥٩) وانظره بتمامه في تفسير ابن كثير (٢/ ٥٨).
[ ١ / ١٤٥ ]
وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي: عن أبي ذرٍّ نحو هذا (^١).
وأما الآخر، فقد قال الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدَّثنا الأعمشُ، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا تُقتلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلُ (^٣) من دمها، لأنه كان أول منْ سنَّ القتلَ".
ورواه الجماعة سوى أبي داود (^٤): من حديث الأعمش به.
وهكذا روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وإبراهيم النخعي، أنهما قالا مثل هذا سواء.
[وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارةٌ يقال لها: مغارة الدم، مشهورة بأنها المكان الذي قَتَلَ قابيلُ أخاه هابيلَ عندها، وذلك مما تَلَقَّوه من أهل الكتاب، فاللَّه أعلمُ بصحة ذلك.
وقد ذكر الحافظُ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير -وقال: إنه كان من الصالحين- أنه رأى النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمرَ وهابيلَ، وأنَّه استحلفَ هابيلَ أنَّ هذا دمه، فحلفَ له، وذكرَ أنَّه سألَ اللَّه تعالى أن يجعلَ هذا المكان يُستجابُ عنده الدعاء، فأجابَه إلى ذلك، وصدَّقه في ذلك رسولُ اللَّه ﷺ، وقال: إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس (^٥). وهذا منامٌ لو صحَّ عن أحمد بن كثير هذا لم يترتبْ عليه حكمٌ شرعيٌّ، واللَّه أعلم] (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ذكرَ بعضُهم أنه لما قتلَه حملَه على ظهره سنةً. وقال آخرون: حملَه مئة سنة، ولم يزل كذلك حتى بعثَ اللَّه غرابين -قال السُّدِّي (^٧) بإسناده عن الصحابة- أخوين، فتقاتلا، فقتلَ أحدهُما الآخرَ، فلما قتلَه عَمدَ إلى الأرض يحفرُ له فيها،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٦١ و٤٤٠٩) في الفتن والملاحم، وابن ماجه (٣٩٥٨) وفي تحفة الأشراف (٩/ ١٧٣): لم يعزه المزي إلا إلى أبي داود وابن ماجه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٨٣ و٤٣٠ و٤٣٣) وبهامش الحديث رقم (٣٦٣٠): إسناده صحيح على شرط الشيخين [طبعة مؤسسة الرسالة].
(٣) كِفْلٌ: نصيب.
(٤) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) في الأنبياء، ومسلم (١٦٧٧) (٢٧) في القسامة، والترمذي (٢٦٧٣) في العلم، والنسائي في الكبرى (١١١٤٢) وابن ماجه (٢٦١٦) فى الديات.
(٥) انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٣/ ٢١٨).
(٦) ما بين حاصرتين زيادة من ب.
(٧) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤/ ٥٣٨) وذكره ابن كثير في التفسير (٢/ ٦٠).
[ ١ / ١٤٦ ]
ثم ألقاه ودفنَه وواراه، فلما رآه يصنعُ ذلك، قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]. ففعلَ مثلَ ما فعلَ الغرابُ، فواراه ودفنَه.
وذكر أهلُ التواريخ والسِّير؛ أنَّ آدمَ حَزِنَ على ابنه هابيل حزنًا شديدًا، وأنَّه قال في ذلك شعرًا، وهو قوله فيما ذكره ابن جرير (^١)، عن ابن حميد: [من الوافر]
تَغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عليها … فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ
تغيَّرَ كلُّ ذي لَوْنٍ وطَعْمٍ … وقلَّ بشاشةُ الوَجهِ المليحِ
فأُجيب آدم: [من الوافر]
أبا هابيلَ قدْ قُتلا جميعًا … وصارَ الحيُّ كالميْتِ الذَّبيحِ
وجاءَ بشرَّةٍ قدْ كان منْها … على خَوْفٍ، فجاءَ بها يصيحُ
وهذا الشعرُ فيه نظر، وقد يكونُ آدمُ ﵇ قال كلامًا يتحزَّن به بلغتِه، فألَّفه بعضُهم إلى هذا، وفيه أقوال، واللَّه أعلم.
وقد ذكر مجاهدٌ: أنَّ قابيلَ عُوجل بالعقوبة يومَ قتلَ أخاه، فعلقتْ ساقُه إلى فخذه، وجُعِلَ وجهُه إلى الشمس كيفما دارتْ تنكيلًا به، وتعجيلًا لذنبه وبغيهِ وحسده لأخيه لأبويه (^٢).
وقد جاء في الحديث: عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما منْ ذَنْبٍ أجدر أن يُعجِّلَ اللَّه عقوبتَه في الدنيا مع ما يدَّخرُ لصاحبه في الآخرة من البَغْي وقطيعةِ الرحم" (^٣).
والذي رأيتُه في الكتابِ الذي بأيدي أهلِ الكتاب، الذين يزعمونَ أنه التوراة، أنَّ اللَّه ﷿ أجَّله وأنظرَه، وأنَّه سكنَ في أرض "نَوْد" في شرق عَدن، وهم يُسمُّونه "قنين" وأنه ولد له "خنوخ" ولخنوخ "عندر" ولعندر "محوايل" ولمحوايل "متوشيل" ولمتوشيل "لامك" وتزوَّجَ هذا امرأتين "عذا" "وصلا" فولدت عذا ولدًا اسمه "إبل" وهو أوَّلُ من سكنَ القِباب واقتنى المالَ، وولدت أيضًا "نويل" وهو أوَّل من أخذَ في ضرْبِ الوَنج والصَّنَج (^٤). وولدت صلا ولدًا اسمه "شوبلتين" وهو أوَّلُ من صنعَ النحاس والحديد، وبنتًا اسمها "نعمى".
_________________
(١) في التفسير (٤/ ٥٣٠ - ٥٣١) وفي التاريخ (١/ ١٤٥). وفي التفسير: فلونُ الأرض.
(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤/ ٥٢٨).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٦ و٣٨) وأبو داود (٤٩٠٢) في الأدب، والترمذي (٢٥١١) في صفة القيامة، وابن ماجه (٤٢١١) في الزهد، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٢) وابن حبان في صحيحه (٤٥٥) الإحسان، كلهم عن أبي بكرة ﵁، وقال الترمذي: صحيح.
(٤) الوَنْج: ضرب من الأوتار أو العود أو المعزف. والصَّنجُ: شيء يتخذ من صُفْر (نحاس) يُضرب أحدهما على الآخر.
[ ١ / ١٤٧ ]
وفيها (^١) أيضًا أن آدم طافَ على امرأته فولدتْ غلامًا، ودعت اسمه "شيث" وقالت: من أجل أنه قد وهبَ لي خَلْفًا من هابيل الذي قتلَه قابيل، ووُلد لشيث "أنوش".
قالوا: وكان عمرُ آدم يوم وُلد له شيث مئة وثلاثين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة، وكان عمرُ شيث يومَ ولد له أنوش مئة وخمسًا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة وسبع سنين، ووُلد له بنون وبنات غير أنوش.
فولد لأنوش "قَيْنان" وله من العمر تسعون سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة وخمس عشرة سنة، ووُلد له بنون وبنات.
فلما كان عمر قَيْنان سبعين سنة ولد له "مهلاييل" وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة وأربعين سنة، وولد له بنون وبنات.
فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وسبعون (^٢) سنة ولد له "يرد" وعاشَ بعد ذلك ثمانمئة وثلاثين سنة، ووُلد له بنون وبنات.
فلما كان ليرد مئة سنة واثنتان وستون سنة ولد له "خنوخ" وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة، وولد له بنون وبنات.
فلما كان لخنوخ خمس وسبعون (^٣) سنة ولد له "متوشلح" وعاش بعد ذلك ثلاثمئة (^٤) سنة، ووُلد له بنون وبنات.
فلما كان لِمُتَوَشْلِخ مئة وسبع وثمانون سنة ولد له "لامك" وعاش بعد ذلك سبعمئة واثنتين وثمانين سنة، وولد له بنون وبنات.
فلما كان للامك من العمر مئة واثنتان وثمانون سنة ولد له "نوح" وعاش بعد ذلك خمسمئة وخمسًا وتسعين سنة، وولد له بنونَ وبنات، فلما كان لنوحٍ خمسمئة سنة، وُلد له بنوه "سام" و"حام" و"يافث".
هذا مضمون ما في كتابهم صريحًا (^٥).
_________________
(١) أي: في التوراة.
(٢) في المطبوع خمس وستون.
(٣) كذا في الأصل، وفي المطبوع: خمس وستون.
(٤) كذا في الأصل، وفي المطبوع: ثمانمئة.
(٥) انظر قريبًا من هذا النص المنقول من التوراة في سفر التكوين -الإصحاح الخامس-.
[ ١ / ١٤٨ ]
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزلَ من السماء نظرٌ كما ذكرَه غيرُ واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك، والظاهر أنها مقحمة فيها، ذكرَها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير، وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير في "تاريخه" عن بعضهم (^١): أنَّ حواءَ ولدت لآدم أربعينَ ولدًا في عشرين بطنًا، قاله ابن إسحاق، وسمَّاهم، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: مئة وعشرين بطنًا، في كلِّ واحدٍ ذكرٌ وأنثى. أولهم "قابيل" وأخته "قليما" وآخرهم "عبد المغيث" وأخته "أم المغيث". ثم انتشرَ النَاسُ بعد ذلك وكثروا، وامتدُّوا في الأرض ونموا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] الآية.
وقد ذكرَ أهلُ التاريخ أنَّ آدمَ ﵇ لم يمتْ حتَّى رأى من ذرِّيتهِ من أولاده وأولاد أولاده أربعمئة ألف نسمة، واللَّه أعلم.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]. الآيات فهذا تنبيه أولًا بذكر آدم، ثم استطرد إلى الجنس، وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء، بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومعلوم أن رجومَ الشياطين ليست هي أعيانُ مصابيح السماء، وإنما استطردَ من شخصها إلى جنسها.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا عمر بن إبراهيم، حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرةَ، عن النبي ﷺ، قال: "لما ولدت حوَّاءُ طافَ بها إبليسُ، وكان لا يعيشُ لها ولد، فقال: سمِّيه عبدَ الحارث فإنَّه يعيشُ، فسمَّته عبدَ الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". وهكذا رواه الترمذي (^٣)، وابن جرير (^٤)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه (^٥) في تفاسيرهم عند هذه الآية. وأخرجه الحاكم (^٦) في مستدركه، كلُّهم من حديث
_________________
(١) تاريخ الطبري (١/ ١٤٠).
(٢) في المسند (٥/ ١١).
(٣) في جامعه (٣٠٧٧) في التفسير.
(٤) في تفسيره (٦/ ١٤٣).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، كما في الدر المنثور (٣/ ٦٢٣).
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٥).
[ ١ / ١٤٩ ]
عبد الصمد بن عبد الوارث، به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه.
وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه (^١).
فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفًا على الصحابي وهذا أشبه (^٢)، والظاهر أنه تلقاه من الإسرائيليات، وهكذا رُوي موقوفًا على ابن عباس. والظاهر أن هذا مُتلقَّى عن كعب الأحبار ودوّنه، واللَّه أعلم. وقد فسَّر الحسنُ البصريُّ هذه الآيات بخلاف هذا، فلو كان عنده عن سَمُرة مرفوعًا لما عدلَ عنه إلى غيره، واللَّه أعلم. وأيضًا فاللَّه تعالى إنما خلقَ آدم وحوَّاء ليكونا أصلَ البشر، وليبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، فكيف كانت حوَّاء لا يعيشُ لها ولد كما ذُكرَ في هذا الحديث إن كان محفوظًا؟! والمظنون بل المقطوع به أن رفعَه إلى النبي ﷺ خطأ، والصوابُ وقفه، واللَّه أعلم. وقد حرَّرنا هذا في كتابنا التفسير (^٣) وللَّه الحمد.
ثم قد كان آدم وحواء أتقى للَّه مما ذكر عنهما في هذا، فإنَّ آدمَ أبو البشر الذي خلقَه اللَّه بيده ونفخَ فيه من روحه، وأسجدَ له ملائكته، وعلَّمه أسماءَ كلِّ شيءٍ، وأسكنَه جنَّته.
وقد روى ابنُ حبَّان في صحيحه: عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول اللَّه! كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول اللَّه! كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمئة وثلاثة عشر جمٌّ غفير". قلت: يا رسول اللَّه! من كان أوَّلهم؟ قال: آدم. قلت: يا رسول اللَّه! نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه اللَّه بيده، ثم نفخَ فيه من رُوحه، ثم سوَّاه قُبُلًا" (^٤).
وقال الطبراني (^٥): حدَّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدَّثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدَّثنا نافع أبو هرمز، عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ألا أخبركم بأفضلِ الملائكةِ جبريل، وأفضل النبييّن آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهور شهر رمضان، وأفضل اللَّيالي ليلة القدر، وأفضلُ النِّساء مريمُ بنت عمران" (^٦). وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فإنَّ نافعًا أبا هرمز
_________________
(١) انظر جامع الترمذي (٥/ ٢٦٨).
(٢) وهذا هو الصواب، فالموقوف علة للمرفوع، وليس كما شاع عند المتأخرين، واقتصار الترمذي على تحسينه يعني أنه عنده معلول، وهو معلول هنا بالوقف، وهذا من عمر بن إبراهيم فإنه ضعيف في قتادة خاصة مع صدقه عمومًا. ثم إن الحسن لم يسمع كل ما رواه عن سمرة كما قرره الإمام الذهبي.
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٥).
(٤) رواه ابن حبان (٣٦١) وأحمد في المسند (٥/ ١٧٨) من حديث أبي ذر، وأحمد في المسند (٥/ ٢٦٦) من حديث أبي أمامة، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.
(٥) في الكبير (١١٣٦١).
(٦) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٣٦١) وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٤٠) فيه نافع أبو هرمز، وهو ضعيف وقال أيضًا (٨/ ١٩٨): فيه نافع أبو هرمز؟؛ وهو متروك.
[ ١ / ١٥٠ ]
هذا كذَّبه ابن مَعين، وضعَّفه أحمد، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وابن حبان وغيرهم (^١)، واللَّه أعلم.
وقال كعب الأحبار: ليس أحدٌ في الجنَّة له لحيةٌ إلا آدم، لحيتُه سوداء إلى سُرَّته، وليس أحدٌ يكتني في الجنَّة إلا آدم، كنيتُه في الدنيا أبو البشر وفي الجنَّة أبو محمد.
وقد روى ابنُ عديّ: من طريق شيخ (^٢) بن أبي خالد، عن حمَّاد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه، مرفوعًا "أهلُ الجنَّةِ يُدعونَ بأسمائهم إلا آدم، فإنه يُكنَّى أبا محمد" (^٣). ورواه ابن عديّ (^٤) أيضًا: من حديث علي بن أبي طالب، وهو ضعيفٌ من كلِّ وجهٍ، واللَّه أعلم.
وفيه حديث الإسراء الذي في الصحيحين: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لما مرَّ بآدمَ وهو في السماء الدنيا، قال له: "مرحبًا بالابن الصالح، قال: وإذا عن يمينه أسْودةٌ وعن يساره أسودة، فإذا نظرَ عن يمينه ضحكَ، وإذا نظرَ عن شمالِه بكى، فقك: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا آدمُ وهؤلاء نسم بنيه، فإذا نظرَ قِبَلَ أهل اليمين وهم أهلُ الجنَّة ضحكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ أهلِ الشمالِ وهم أهل النار بكى" (^٥) هذا معنى الحديث.
وقال أبو بكر البزار: حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: كانَ عقلُ آدمَ مثلَ عَقْل جميعِ ولدِه (^٦).
وقال بعض العلماء: في قوله ﷺ: "فمررتُ بيوسفَ، وإذا هو قد أُعطي شَطْرَ الحُسْنِ". قالوا: معناه أنه كان على النِّصْفِ من حُسْن آدمَ ﵇. وهذا مناسب، فإنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ وصوَّره بيده الكريمة ونفخَ فيه من رُوحه، فما كان ليخلُقَ إلا أحسنَ الأشباه.
وقد روينا: عن عبد اللَّه بن عمرو، وابن عمر أيضًا، موقوفًا ومرفوعًا: "إنَّ اللَّه تعالى لما خلقَ الجنَّة، قالت الملائكة: يا ربَّنا اجعلْ لنا هذه فإنَّكَ خلقتَ لبني آدمَ الدنيا يأكلون فيها ويشربونَ. فقالَ اللَّه تعالى: وعزَّتي وجَلالي لا أجعلُ صالحَ ذريَّةِ منْ خلقتُ بيدي كمن قلتُ له كن فكان" (^٧).
وقد وردَ الحديثُ المرويُّ في الصحيحين وغيرهما من طرق أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه خلقَ آدمَ
_________________
(١) ينظر ميزان الاعتدال (٤/ ٢٤٣).
(٢) كذا في الأصل، وفي المطبوع: سبح.
(٣) أخرجه ابن عديّ في الكامل (٤/ ١٣٦٨).
(٤) أخرجه ابن عديّ في الكامل (٦/ ٢٣٠٣).
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٤٢) في الأنبياء، ومسلم (١٦٣) في الإيمان. وأسودة: جمع سواد، وهو الشخص: أي جمع من الأشخاص. ونسم بنيه: جمع نسمة، وهي نفس الإنسان، أي: أرواح بني آدم.
(٦) ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٣١٨) وقال: في رواية هشام بن حسان عن الحسن مقال.
(٧) ذكره ابن كثير في البداية (١/ ٤٩) وقال: رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا، وهو أصحُّ.
[ ١ / ١٥١ ]
على صُورته" (^١) وقد تكلَّم العلماء على هذا الحديث، فذكروا فيه مسالكَ كثيرة، ليس هذا موضع بسطها.
[وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد ربه بن صالح القرشي الدمشقي (^٢)، يروي عن مكحول وغيره، وعبد الحكيم، ومروان الطاطري، وسليمان بن عبد الرحمن، وهشام بن عمار، وهشام بن خالد، روى من طريق هشام بن عمَّار، أنه سمعَ عروةَ بن رويم، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيِّ ﷺ، قال: "لما خلق اللَّه آدم وذريَّته، قالت الملائكة: يا ربنا خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال اللَّه ﷿: لا أجعلُ منْ خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له كن فكان"] (^٣).
* * *