فَأَما مَا ذَر فِي الْكتاب الْكَرِيم الفاضلي من الجريدة وكشفها والخريدة ورشفها فَإِنَّهُ يُشِير إِلَى مَا صنفته فِي مصر على مِثَال يتيمة الهر من شعراء أهل الْعَصْر وسميته (كتاب خريدة الْقصر وجريدة الْعَصْر) إِلَى آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وأوردت فِيهِ من بعد سنة خمسماية وَهُوَ فِي عشر مجلدات ضخمة مُشْتَمِلَة على كل حكم وَحِكْمَة على أَرْبَعَة أَقسَام على نسق متناسب ونظام
الْقسم الأول بَغْدَاد وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْعرَاق وَقد قدمتها بِالِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهَا مَدِينَة السَّلَام وَدَار الْإِسْلَام ومقام الْإِمَامَة المعظمة ومقر الْخلَافَة الممجدة المكرمة
وَالْقسم الثَّانِي فضلاء عراق الْعَجم وخراسان وغزنة وأذربيجان وأرانية وَمَا وَرَاء النَّهر وَسَائِر بِلَاد الْبر وَالْبَحْر
وَالْقسم الثَّالِث شعراء الشَّام والجزيرة والموصل وديار بكر وختمت هَذَا الْقسم بشعراء الْحجاز واليمن وَصَنْعَاء وزبيد وعدن
وَالْقسم الرَّابِع يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا مصر وأعمالها وصعيدها وأسوانها وَالثَّانِي الْبِلَاد المغربية وأندلسها وقريبها وبعيدها ومهديتها وقيروانها
وَتمّ هَذَا الْكتاب وَنسخت مِنْهُ نسخ وَلم يبْق لحكمه منسخ وَلَا لعقده مفسخ وتجدد بعد ذَلِك مَا تعذر بِهِ الالحاق وَتمكن مني على تَغْيِير وضع الْكتاب الإشفاق فشرعت فِي تأليف كتاب آخر أسميته ذيل الخريدة وسيل الجريدة ثمَّ شغلتني المهام السُّلْطَانِيَّة عَن اسْتِيعَاب ذكر المتجددين وَاسْتِيفَاء حَدِيث الْمُحدثين وَقد اجْتمع فِيهِ كثير وأسأل الله التَّوْفِيق لإتمامه فَإِنَّهُ قدير
وَأما الْجَمَاعَة الَّذين ذكرتهم فِي كتابي فَإِنِّي ذكرتهم بِالْخَيرِ كَمَا هُوَ دأبي فَابْن شكر كَانَ يتَوَلَّى الدِّيوَان ويتولى الْوَظَائِف ابْن عُثْمَان وَكَانَ يتَوَلَّى بيع الْكتب بِالْقصرِ ابْن بنان ويكمل ويستوفي الْأَثْمَان وكل مَا اشْتَرَيْته مِنْهُ سامحني بِهِ السُّلْطَان وَابْن صُورَة هُوَ دلال الْكتب وعارفها وجاني ثمارها وقاطفها وَمَا لأحد صَنعته فِي ترويجها وتخريجها وتقويمها تَارَة فِي تقويمها حسب مُرَاده وتعويجها فَمن عني بِهِ أنجح أمله وذلل صعبه وسهله أَن بَاعَ أَو ابْتَاعَ لَهُ وَابْن صولة كَانَ وَكيل السُّلْطَان وَهُوَ رجل الزَّمَان وَاللِّسَان هُوَ الصُّوفِي الَّذِي سبق ذكر ضيافاته واناراته فِي لياليها وانافاته وَكَانَت دَاره
[ ٣ / ٦٢ ]
بِمصْر على النّيل فِي جوَار الصِّنَاعَة وَهُوَ مَعَ تصوفه وتصونه وتحمله وتجمله لَا يضن ببذل الِاسْتِطَاعَة
وَطَابَتْ لي مصر فِي السنتين فاستوحشت لَهَا عِنْد الإزماع للبين وَمِمَّا نظمته فِي الشوق إِلَى مصر بعد مفارقتها (الرمل)
سَاكِني مصر هُنَاكُم طيبها
إِن عيشي بعدكم لم يطب
لَا عدمتم رَاحَة من قربهَا
فَأَنا من بعْدهَا فِي تَعب
لَا تركت الغمض يغشى ناظري
لَا وَلَا طيب الْكرَى يأنس بِي
لَا وَأَيَّام اجتماعي بكم
إِنَّهَا كَانَت زمَان الطَّرب
أَنْتُم روحي وَأَنْتُم منيتي
أَنْتُم سؤلي وَأَنْتُم أربي
لَيْتَني لما دَعَا دَاعِي النَّوَى
بِي من بَيْنكُم لم أجب
وأنخت العيس فِي أبوابكم
ولأجواز الفلا لم أجب
وتصبرت على عتبكم
وتلومت بِتِلْكَ العتب
بعد الْعَهْد بأخباركم
فَابْعَثُوا أخباركم فِي الْكتب
لَيْت مصرا عرفت أَنِّي وَإِن
غبت عَنْهَا فالهوى لم يغب
فَمَتَى أظفر من قربكم
يَا أخلاي بنجح الطّلب
وَمَتى أحصل بالوصل على ال
وَاصل المرتقب المقترب
وَمَتى أطلع فِي أفقكم
قمرا يجمع شَمل الشهب
وَقلت فِي أثْنَاء أنشأته عَن السُّلْطَان (مُتَقَارب)
تذكرت فِي جلق داركم
بِمصْر فيا بعد مَا بَيْننَا
وَمَا أَتَمَنَّى سوى قربكم
وَذَلِكَ وَالله كل المنى
يدل نسيمكم بالأريج
عَلَيْكُم وبرقكم بالسنا
لكم بالجناب وَطيب الْمقَام
وَحسن النَّعيم بِمصْر الهنا
فحثوا النسيم لإبلاغه
سلامكم فِي النَّوَى لَا ونى
ودلوا على الرّوح قلبِي فقد
عناني لأشواقكم مَا عَنَّا
وَإِنِّي فَقير إِلَى وصلكم
وَمن نَالَ ذَلِك نَالَ الْغنى
[ ٣ / ٦٣ ]
وَقلت أَيْضا (الْبَسِيط)
لَا أوحش الله من انسي بقربكم
وَلَا أَرَانِي فِيكُم غير إيثاري
وَلَا عدمتكم فِي كل نائبة
حفاظ سري وأعواني وأنصاري
فعندكم لَا فقدت الْبر عنْدكُمْ
فرَاغ بالي وأوطاني وأوطاري
يَا سَاكِني مصر قد فقتم بفضلكم
ذَوي الْفَضَائِل من سكان أمصاري
لله دركم من عصبَة كرمت
ودر مصركم الْغناء من دَار
واقترح عَليّ السُّلْطَان عمل أَبْيَات يكْتب بهَا إِلَى مصر فَقلت أيا سَاكِني مصر ألم تتحققوا
بأنكم لم تَبْرَحُوا سَاكِني قلبِي
حنانيكم زَاد الحنين إِلَيْكُم
فأضعف من صبري وضاعف من كربي
لقد أشفقت من لوعة الْحبّ مهجتي
وَهل مهجة تبقى على لوعة الْحبّ
وَلَو أنني أودعت شوقي كتبكم
لخفت لقلبي محرقا وقده كتبي
بِغَيْر الرِّضَا مني ببعد مزاركم
رضيت بإهداء السَّلَام مَعَ الركب
وَقلت (الْكَامِل)
أشتاقكم شوق الظماء إِلَى الحيا واحبكم حب النُّفُوس حَيَاتهَا
عَن غَيْركُمْ نَفسِي تلازم صَومهَا
وبذكركم أبدا تديم صلَاتهَا
مَا فاتها حَظّ الأسى لفراقكم
إِن فاتها من وصلكم مَا فاتها
لله مهجتي الَّتِي أَوْقَاتهَا
بِالْقربِ مِنْكُم لم تزل أقواتها
إِن كَانَ صبري قد عدمت ثباته
فصبابتي لكم حمدت ثباتها
يَا لَيْت أيامي الَّتِي قضيتها
فِي قربكم قد عاودت أَوْقَاتهَا
وغدت عُقُود مسرتي مَجْمُوعَة
لَا تَسْتَطِيع يَد الْفِرَاق شتاتها
الله يعلم أَن عَيْني بعدكم
من شوقكم لم تستلذ سباتها
أَنْتُم بِمصْر ذَوُو غنى من طيبها
أَدّوا بذكركم الْفَقِير زَكَاتهَا
[ ٣ / ٦٤ ]