مَا كَانَت تِلْكَ الْغَزْوَة بِحَمْد الله وبركة الدولة الْقَاهِرَة الا مباركة وأصناف الألطاف بسفور سلامتها ووفور كرامتها متداركة فَإِنَّهُ وطيء موطئا غاط الْكفَّار وحقق إِلَى الْحُلُول بدارهم لعقرهم فِي عقرهَا البدار وَأحل بمعاقلهم فِي نحل معاقدهم الْبَوَار وَشن على الرملة وَهِي دَائِرَة مركزهم وَدَار تعززهم الغوار وَسَفك مِنْهُم الدِّمَاء وهتك مِنْهُم الذماء وَخرب بُيُوتهم وأحرق سقوفهم وخرق صفوفهم وأوضع إِلَيْهِم حتوفهم وَترك فِي كل قلب ومنقلب لَهُم ندبا ونادبة وَأعَاد مِنْهُم الظبي على مَنَابِر الطلى بل إلهام على أَعْوَاد القنا خاطبة واقتاد جامحهم بخزائم الاقتسار إِلَى الاسار وأطلع نُجُوم الخرصان فِي ليل الروع من سَمَاء النَّقْع المثار وَمَا انثنى عَنْهُم إِلَّا بعد النكاية فيهم وتكثير النوائح فِي نواحيهم وتثقيل الظُّهُور بِمَا نهب من عَددهمْ وَسبي من ذَرَارِيهمْ واضرام مَاء الْحَدِيد مِنْهُم فِي الوريد وتقطيع أوتار أَعْنَاقهم بنغم صليل الباتر الغريد فان اسْتشْهد من الْمُؤمنِينَ ماية فقد قتل من الْمُشْركين أُلُوف وَإِن تَأَخّر من الْمُجَاهدين ص فقد تقدّمت لَهُم إِلَى لِقَاء النَّصَارَى صُفُوف وَلم تزل فِئَة الله بسيوفه ضاربة حَتَّى عَادَتْ من تفليل الْبيض وتقصيد السمر لاغبة فقفلت آيبة لَا مسلوبة بل سالبة وَلَا مغلوبة بل غالبة وَكَانَت الطَّرِيق عِنْد الْعود من الرملة فِي وعور
[ ٣ / ٤٥ ]
الرمال ووقفت عدَّة من الدَّوَابّ بالأثقال وأدركته بركَة الْإِخْلَاص وَالْوَلَاء للدَّار العزيزة فآب بالنصر الْعَزِيز والسعد الحريز وَالظفر الْوَجِيز وَحَيْثُ لم يستتم الْغَرَض وَلم يستتب فِي استكماله المفترض فَلم يَصح الْمقَام فِي تِلْكَ الديار وَلم يقْض تَمام تِلْكَ الْغَزْوَة بِالْمَالِ وَالرِّجَال وَلم يُصَادف طرف أمله فِي حلبة النجاح متسع المجال قَالَ النَّاس إِنَّهَا كسرة وَهُوَ ببركات الدَّار العزيزة نصْرَة فَإِنَّهُ وعساكره لأمير الْمُؤمنِينَ وَفِي طَاعَته وبرسم الذب عَن حوزته ويعتقد أَن التذلل والخضوع لَهَا سَبَب عزته وَهُوَ مستمسك من إنعامها بعروته مُتَعَلق من إحسانها بحجزته
وَحَيْثُ كَانَ للْملك المظفر تَقِيّ الدّين فِي هَذِه الْغَزْوَة الْيَد الْبَيْضَاء وأفنت الْأَعْدَاء مِنْهُ الْمنية الْحَمْرَاء أنشدته قصيدة فِي سَابِع عشر رَجَب من السّنة وَهُوَ الوافر جفون الْبيض أم بيض الجفون
وَسمر الْخط أم هيف الغصون
قيان ناظرات عَن نصول
أحدث غربها أَيدي القيون
مريضات المعاطف والتثني
سقيمات اللواحظ والعيون
سوافر مشرفيات التجلي
سواحر مشرقيات الجفون
حللن بِبَابِل وحللن سحرًا
عُقُود عقولنا بيد الْجُنُون
سلبن الْقلب حِين سكن فِيهِ
وهجن غرامه بعد السّكُون
أَلا يَا عاذلي دَعْنِي وشأني
وَمَا تجْرِي المدامع من شؤوني
فَإِن صبابتي دَاء دَفِين
وَكم أبقى على الدَّاء الدفين
حسبتك لي على وجدي معينا
الا مَا للمعنى من معِين
جعلت ضمانتي لَهُم ضماني
وَمَا لي فِي الضمانة من ضمين
أَنا الصب الَّذِي لهواي هَانَتْ
على قلبِي مصاعب كل هون
بِكُل خدينة لِلْحسنِ مَا ل
سوى بلوى هَواهَا من خدين
كريم أَو كغصن أَو كبدر
بلحظ أَو بقد أَو جبين
تَبَسم درها عَن أقحوان
وأزهر وردهَا فِي ياسمين
غَرِيم غرامها عسر التقاضي
وَقد علقت بحبيها رهوني
لوت دين الْوِصَال وَمَا قضته
وَلَو كَانَت وفت وفت ديوني
سقى الله الْعرَاق وساكنيه
وحياة حَيا الْغَيْث الهتون
[ ٣ / ٤٦ ]
.. وجيرانا أمنت الْجور مِنْهُم
وَمَا فيهم سوى واف أَمِين
صفوا والدهر ذُو كدر وقدما
وفوا بالعهد فِي الزَّمن الخؤون
ليَالِي أشرقت مِنْهَا الدياجي
بحور من جنان الْخلد عين
أرى ربحي إِذا أنفقت مَالِي
وَمَا أَنا بالغبي وَلَا بالغبين
فَلَا عَيْش الإخاء بمستكن
وَلَا عَيْش الرخَاء بمستكين
وَقد طلعت شموس من كؤوس
كَمَا شهرت سيوف من جفون
يطوف بهَا على الندماء سَاق
شمائله معشقة الْفُتُون ويطفي جذوة مِنْهَا بِمَاء
ويمزج شدَّة مِنْهَا بلين
كَأَن عذاره اللامي لَام
وحاجبه المقوس حرف نون
وملا سل عَارضه حساما
وَفَوق لحظه سهم الْمنون
بدا زرد العذار فَقلت هَذَا
يُدِير لنا رحى الْحَرْب الزبون
وثقت إِلَى الزَّمَان وَغَابَ عني
بِأَن الحادثات على كمين
وشطت دَار أحباب كرام
تبدل وصلهم بنوى شطون
فيا شوقا لكل أَخ كريم
ضنين بالمودة لَا ظنين
خلصت من الشَّبَاب إِلَى شبيب
مشوب عِنْد أحبابي مشين
وقاربت الْبيَاض فجانبتني
مَوَدَّة بيضها السود الْقُرُون
وجائلة الوشاح رَأَتْ جماحي
على هوجاء جائلة الْوَضِين
عَشِيَّة ودعت والعيس تخدي
نواحل قد برين من البرين
بَكت شجوا وارزمت المطايا
وهاج أنينها الشاجي انيني
فلي وَلها وللأنضاء شجو
حنين فِي حنين فِي حنين
تناشدني وتذكرني بعهدي
وتبعثني على حفظ الْيَمين
وَقَالَت مَا ظننتك قطّ تنوي
مفارقتي لقد ساءت على الحزون
فَقلت سراي للعليا وَإِنِّي
اتَّخذت لَهَا أَمينا من أمون
إِلَى عمر بن شاهنشاه قصدي
ثقي بغناي مِنْهُ وارقبيني
[ ٣ / ٤٧ ]
.. أسافر عَنْك أبغي الْعِزّ مِنْهُ
مدل فِي الهدوء وَفِي الهدون
حويت فَضِيلَة العالي وَلَكِن
رَأَيْت الدون يحوي الْحَظ دوني
صفا ورد الزلَال لوارديه
ومثلي لَيْسَ يظفر بالأجون
لقد جمحت حظوظي بِي وماذا
تفِيد رياضة الْحَظ الحرون
وَلَا لوم إِذا لم ألق كفوا
إِذا عنست إبكاري وعوني
وَلَيْسَ سوى تَقِيّ الدّين مولى
زماني فِي ذراه يتقيني
واني بالمدائح اصطفيه
كَمَا هُوَ بالمنائح يصطفيني
بنيل ظماء أهل الْفضل ريا
خضم نواله الصافي الْمعِين
يُبدل فَضله رثا وغثا
لحظي بالجديد وبالسمين
ويوضح مَنْهَج الْعليا بجود
يجدد مَنْهَج الْحَمد الْمُبين
رحيب الصَّدْر طلق الْوَجْه ثَبت ال
جنان ندي الْمحيا وَالْيَمِين
غزير الْفضل جم الْجُود ملك
عديم الْمثل مَفْقُود القرين
أَخُو الْعَزْم الْمُؤَيد بالمساعي ال
تي نجحت وَذُو الرَّأْي المتين
فَعِنْدَ الْجُود كالجود اندفاقا
وَعند الْحلم كالطود الرصين
لَهُ عرض لعافية مذال
يذود بِهِ عَن الْعرض المصون
لَهُ يَوْمًا ندى ووغى عَطاء
وَكسر للألوف وللمئين
صوارمه صوالجة إِذا مَا
رُؤُوس عداة كَانَت كالكرين
وَمَا لطيور أسهمه المواضي
سوى مقل الأعادي من وَكَون
إِذا اعتقل القنا القنا الخطي سَالَتْ
لَهُ أعناقها بِدَم الوتين
ويحمد مِنْهُ بطن النسْر مَا قد
شكته لبة الذمر الطعين
بَنو أَيُّوب زانوا الْملك مِنْهُم
بحلية سؤدد وتقى وَدين
مُلُوك اصبحوا خير البرايا
لخير رعية فِي خير حِين
أَسَانِيد السِّيَادَة عَن علاهم
معنعنة مصححة الْمُتُون
كَأَن لدان سمرهم أفاع
تصرفها القساور فِي العرين
عزائمهم مَتى نهدوا لغزو
مَفَاتِيح المعاقل والحصون
[ ٣ / ٤٨ ]
.. وتشرق فِي مثار النَّقْع مِنْهُم
إِذا ركبُوا شموس فِي دجون
إِذا ركبُوا ظُهُور الْخَيل ردوا ال عداة من القشاعم فِي الْبُطُون
غَدا الْفُضَلَاء مِنْهُم فِي مَكَان
من الأكرام محروس مكين
بِكُل مبجل لمؤمليه
وللأعداء وَالدُّنْيَا مهين
ضنين بِالْعَلَاءِ لمعتفيه
وَلَكِن باللهي غير الضنين
براه الله من طهر وَطيب
وكل النَّاس من حمأ وطين
فزين أَمر راجيه الموَالِي
وشين شَأْن شانيه اللعين
بَنو أَيُّوب مثل قُرَيْش مجدا
وَأَنت لَهُم كأنزعها البطين
فَقل لملوك هَذَا الْعَصْر طرا
أروني مثله فِيكُم أروني
بجد سَام عالي كل فَخر
ومجانا طلبتم بالمجون
إِذا خف الْمُلُوك لكل خطب
حلوما كنت ذَا حلم رزين
تزان بِكُل منقبة وَفضل
علاك فَلَا مزِيد على المزين
عَدوك كالذباب لَهُ طنين
وَفِيه ذُبَاب سَيْفك ذُو طنين
اخفت الشّرك حَتَّى الذعر مِنْهُم
أَوَى قبل الْولادَة فِي الْجَنِين
وَيَوْم الرملة المرهوب بَأْسا
تركت الشّرك منزعج القطين
وَقد غادرت أشلاء النَّصَارَى
كمحصود الزروع على الجرين
وأضحى الدّين مِنْك قرير عين
وظل الشّرك ذَا طرف سخي
وَكنت لعسكر الْإِسْلَام كهفا
أَوَى مِنْهُ إِلَى حصن حُصَيْن
وَقد عرف الفرنج سطاك لما
رَأَوْا آثارها عين الْيَقِين
وَأَنت ثَبت دون الدّين تَحْمِي
حماة أَوَان ولى كل دون
وَلَو لبوا نِدَاء الحزم درت
عَلَيْهِم لقحة النَّصْر اللَّبُون
وليك مِنْك فِي ظلّ ظَلِيل
من الإعزاز فِي كن كنين
وتهمي للموالي والمعادي
بسحب للندى والبأس جون
[ ٣ / ٤٩ ]
.. أنهاب المحامد بالعطايا
ووهاب المسرة للحزين
الا يَا كعبة للفضل أضحى
إِلَى أَرْكَان دولته ركوني
حجاة وحجرة لمساجليه
مقَام الْحجر مِنْهُ والحجون
تَقِيّ الدّين أَن حَدِيث فضلي
لمن يصغي إِلَيْهِ لذُو شجون
فعتبى للزمان على اهتضامي
وشكوى من جُنُون المنجنون
وَلست أرى سوى علياك تاجا
يَلِيق بدر مدحتي الثمين
واهتم السُّلْطَان بعد ذَلِك بافاضة الْجُود وتفريق الْمَوْجُود وافتقاد النَّاس بالنقود والنسايا الصادقة الوعود وجبر الكسير وَفك الْأَسير وتوفير الْعدَد وتكثير المدد وتجديد الجدد وتقوية الضَّعِيف وتفرقة المَال العائدة بالتأليف وتعويض مَا وَقت من الدَّوَابّ ونفق من العراب وترب من الْأَصْحَاب بالعطاء الْحساب الهامي السَّحَاب فَمَا شكا أحد ضَرَرا وَمَا حكى مقدم غررا بل سلوا مَا نابهم لما فقدوا دوابهم حِين حصلوا على أحسن مِنْهَا أَجود وأحمى وَأجل وَأجْلَد