وَقد أحَاط الْعلم الْكَرِيم بِمَا دهم الشَّام من تولي الخصب وتوالي الْقَحْط وَخُرُوج الْأَمر بِسَبَب ذَلِك عَن الضَّبْط وَقُوَّة أطماع الفرنج فِي الْأَطْرَاف وطروقها لظن الاستضعاف حَتَّى أَقَامَت على حارم مُدَّة طَوِيلَة وَمَا غادرت فِي مضايقتها ومحاصرتها مكيدة وَلَا حِيلَة فَاقْتضى الرَّأْي تَقْدِيم الْمسير لسرعة النفير والإشفاق على الْإِسْلَام من الْخطب الخطير وَكَانَت الفرنج تستبعد من مصر النجدة وَتكذب أَن الله قد أعد لِلْإِسْلَامِ بعسكره النَّصْر الْمعدة حَتَّى أيقنت مِنْهُ بِصِحَّة الْعَزِيمَة فَأخذت فِي أهبة الْهَزِيمَة وأظهرت الجنوح إِلَى السّلم فهادنها الحلبيون قبل أَن يحصلوا من قدومه بِالْعلمِ واتصل الْخَبَر بِهِ بعد انْفِصَاله عَن الديار المصرية وَأَنَّهَا قد انفصلت وَأَنَّهَا من رَجَب إقدام الْعَسْكَر الإسلامي بقدومه ترحلت عَن حارم وأجفلت وَمَا فَارق الْبِلَاد المحروسة هُنَاكَ حَتَّى أحكم أسوارها وأوضح فِي مطالع الحوطة أنوارها وسد ثلمها وشفى سقمها وَحمى أكنافها وحصن أطرافها وأجرى مَاء الْأَمْن فِي جداولها وأعشى عُيُون الأسواء عَن سواحلها وَفرق على نَوَاحِيهَا عساكرها وأصفى من الشوائب مواردها ومصادرها وجهز الأساطيل المنصورة فِي الْبَحْر الى مراكز الْأَعْدَاء لتباشرها وتحاصرها وَتَأْخُذ
[ ٣ / ٧٠ ]
بجرائرها جزائرها فقد فرغ الْقلب بِالْكُلِّيَّةِ من شغل تِلْكَ الْبِلَاد فَهِيَ مشحونة بِالْحُمَاةِ الكماة من الأنجاد الأجناد واستؤنف الْآن تَدْبِير هَذِه الْبِلَاد الشامية والثغور الإسلامية وَالْجمع بَين حفظهَا وخفضها المرجو