قال النبي - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، [جَاءَ] مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَمنهمُ السَّهْلُ وَالْحَزْنُ، [وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ]، وَبَيْنَ ذَلِكَ" (١)، وإنما سُمِّي آدمَ؛ لأنه خُلق من أديم الأرض، وخَلق الله تعالى جسدَ آدمَ، وتركه أربعين ليلةً، وقيل: أربعين سنة، مُلقًى بغير روح.
وقال الله تعالى للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، فلما نفخ فيه الروح، سجد له الملائكةُ كلُّهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين، ولم يسجد كِبْرًا وبَغيًا وحسدًا، فأوقع الله تعالى على إبليس اللعنةَ والإياسَ من رحمته، وجعله شيطانًا رجيمًا، وأخرجه من الجنة، بعد أن كان مَلِكًا على سماء الدنيا والأرض، وخازنًا من خزَّان الجنة، وأسكن الله آدمَ الجنةَ، ثم
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥)، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
[ ١ / ٩ ]
خلق الله من ضِلَع آدم حواءَ زوجتَه، وسُميت حواء؛ لأنها خلقت من شيء حيٍّ، فقال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥].
ثم إن إبليس أراد دخولَ الجنة، ليوسوسَ لآدم، فمنعه الخزنةُ، فعرض نفسه على دواب الأرض أن تحملَه حتى يدخل الجنة؛ ليكلم آدمَ وزوجَه، فكلُّ الدواب أبى ذلك غيرَ الحيَّة؛ فإنها أدخلته الجنة بين نابيها، وكانت - إذّاك - على غير شكلها الآن، فلما دخل إبليس الجنة، وسوس لآدم وزوجه، وحسَّن عندهما الأكلَ من الشجرة التي نهاهما الله عنها، وهي الحنطة، وقرر عندهما أنهما إن أكلا منها، خُلِّدا، ولم يموتا، فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما، فقال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]: آدم، وحواء، وإبليس، والحية، وأهبطهم الله من الجنة إلى الأرض، وسلب آدمَ وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة.
فهبط آدم بسَرَنْدِيب من أرض الهند على جبل يقال له: نَوذ، وحواء بجُدَّة، وإبليس بأَيْلَة، وقيل: بميسان بالبصرة على أميال، والحية بأصفهان.
قال الضحَّاك: فجَعل كلُّ واحد منهما يطلب صاحبه، فاجتمعا بعرفات يومَ عرفةَ، وتعارفا، فسُمي اليومُ: عرفةَ، والموضعُ: عرفات.
وكان هبوط آدم من باب التوبة، وحواء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللعنة، والحية من باب السُّخط، وكان في وقت العصر.
[ ١ / ١٠ ]
ولما هبط آدم إلى الأرض، كان له ولدان: هابيل وقابيل، فقرَّبا قربانًا، فتُقبل قربان هابيل دون قابيل، فحسده على ذلك، وقتل قابيلُ هابيلَ، وقيل: إنه كان لقابيل أخت توءمة، وكانت أحسن من توءمة هابيل، وأراد آدم أن يزوِّج توءمة قابيل بهابيل، وتوءمة هابيل بقابيل، فلم يطب لقابيل ذلك، فقتل أخاه هابيل، وأخذ قابيل توءمته، وهرب بها.
وعاش آدم تسع مئة سنة، وثلاثين سنة، وقد بلغ عدد ولده وولد ولده لما توفي أربعين ألفًا، ونزل عليه جبريل - ﵇ - اثنتي عشرة مرة.
وبعد قتل هابيل، ولد لآدم شيث: وهو وصيُّ آدم، وتفسير شيث: هبة الله، عاش تسع مئة واثنتي عشرة سنة، وكانت وفاته لمضي ألف ومئة واثنتين وأربعين سنة لهبوط آدم، واسم شيث عند الصابئة: عاديمون، وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم.
ثم ولد لشيث أنوش عاش تسع مئة وخمسين سنة.
ثم ولد لأنوش قينان عاش تسع مئة وعشر سنين.
ثم ولد لقينان مهلائيل عاش ثماني مئة وخمسًا وتسعين سنة.
ثم ولد لمهلائيل يرد - بالدال المهملة، والذال المعجمة أيضًا - عاش تسع مئة واثنتين وستين سنة.
[ثم ولد له] حنُوخ - بحاء مهملة ونون وواو وخاء معجمة -، وهو إدريس - ﵇ -، رُفع لما صار له من العمر ثلاث مئة [وخمس]
[ ١ / ١١ ]
وستون سنة، رفعه الله إلى السماء، وكان قد نبأه الله، وانكشفت له الأسرار السماوية.
ونزل عليه [جبريل ﵇] أربع مرات، وله صحف، منها: لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة؛ فإنه أعظمُ وأعلى أن تدركه فِطَنُ [المخلوقين إلا] من آثاره.
ثم ولد لحنوخ: متوشلح - بتاء مثناة من فوقها، وقيل: بثاء مثلثة، وآخره حاء مهملة - عاش تسع مئة [وتسعًا وستين] سنة.
ثم ولد لمتوشلح لامخ، ويقال له: لامك.
ثم ولد للامخ وقد صار له من العمر مئة وثمان و[ثمانون سنة: نوح]، وكانت ولادة نوح بعد أن مضى ألف وست مئة واثنتان وأربعون سنة من هبوط آدم.
* * *