الإقليم الرابع يضاف الى بابل ويعرف بها وكان اسمه بالكلدانية وهي السريانية خنيرث وبه كانت تسميه جميع طبقات الفرس، وكانت بابل تسمى بالفارسية والنبطية بابيل ومن حكماء الفرس والتبط من يذهب الى أنها سميت بهذا الاسم اشتقاقا من اسم المشترى وهو بلغتهم الاولى بيل لتوليه هذا الإقليم ووقوعه في قسمته وحدود هذا الإقليم الشريف المفضل على سائر الأقاليم مما يلي ارض الهند الديبل ومما يلي الحجاز الثعلبية من طريق العراق الى الحجاز ومما يلي الشأم نصيبين ومما يلي خراسان نهر بلخ، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب ما قيل في حدوده أيضا عند ذكرنا الأقاليم فعلى هذا التحديد قد دخل في هذا الإقليم ما دون النهر من خراسان والجبال كلها من الماهات وغيرها والعراق بأسره وغير ذلك، ولم يعرف ما حواه هذا الإقليم من ذلك اجمع إلا ببابل لفضل موضعها وجلالة صقعها لان ذوى المعرفة من الناس انما ينسبون الشيء الى الأفضل المشهور ولولا ان بابل كذلك ما نسبوا هذا الإقليم مع سعة أرضه وجلالة ما حوى من البلدان اليه، وهذا الإقليم وسط الأقاليم السبعة واعدلها وأفضلها وبلد العراق وسطه فهو شرف الأرض وصفوتها، اعدلها غذاء وأصفاه هواء متوسط بين إفراط الحر والبرد وموضعه الموضع الّذي ينقسم فيه الزمان أربعة أقسام فلا يخرج ساكنوه من
[ ٣٢ ]
شتاء الى صيف حتى يمر بهم فصل الربيع ولا من صيف الى شتاء حتى يمر بهم فصل الخريف، ولما ذكرنا من توسطه كانت ملوك سوالف الأمم تحله إذ كان نسبة الملك الى المملكة التي هو عليها نسبة القلب الى البدن الّذي هو فيه فكما كان الله ﷿ بلطيف حكمته لما خلق القلب أشرف الأعضاء أحله من البدن أوسطه كانت هذه سبيل الملك فيما يسكنه من مملكته وكانت قدماء الملوك تقول الملك الأعظم مركز لدائرة ملكه بعده من محيطها بعد واحد وتد مركوز وعلم منشور منه يستمد التدبير، واليه ترد الأمور. ولذلك يقال ان الملك الأعظم والمدبر الأكبر ينبغي أن يكون منزله الواسطة من هذا الإقليم وهو الرابع، والعراق أشرف المواضع التي اختارتها ملوك الأمم من النماردة وهم ملوك السريانيين الذين تسميهم العرب بالنبط ثم ملوك الفرس على طبقاتهم من الفرس الاولى الى الساسانية وهم الاكاسرة وهي حيث تلتقي دجلة والفرات وما قرب من ذلك، وهي من السواد البقعة التي حدها الزابي فوق سرمن رأى مما يلي السن وتكريت وناحية حلوان مما يلي الجبل وهيت مما يلي الفرات والشأم وواسط من أسفل دجلة والكوفة من سقى الفرات الى بهندف وبادرايا وباكسايا وهي بالنبطية ترقف من ارض جوخي، وهذه الأرض هي لب ايرانشهر التي تفانت عليها ملوك الأمم فكان اختيارهم بفضل آرائهم، المصيف بالجبال ليسلموا من سمائم العراق وكثرة ذبابه وهوامه، والمشتى بالعراق ليسلموا من زمهرير الجبل وكثرة ثلوجه وامطاره ووحوله واقذاره وقد كان أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ يفعل ذلك، فقال مفتخرا به في كلمة له طويلة
إني امرؤ كسروي الفعال أصيف الجبال وأشتو العراقا
وألبس للحرب أثوابها وأعتنق الدارعين اعتناقا
[ ٣٣ ]
ولما بلغ عبد الله بن طاهر هذه الأبيات بعد افتتاحه مصر والشأمات قال يرد عليه
ألم تر أنا جلبنا الجيادا الى أرض بابل قبّا عتاقا
الى أن وردن بأدوائها قلوب رجال أرادوا النفاقا
وأنت ابا دلف ناعم تصيف الجبال وتشتو العراقا
وكانت الفرس تسمى هذا الصقع أيضا ايرانشهر اضافة الى ايرج بن أفريدون حين قسم أفريدون الأرض بين ولده الثلاثة فجعل لسلم الروم وما يليهم من الأمم ولطوج الترك وما يليها من الأمم ولا يرج العراق وما يليه من الأمم فأضيف اليه وفي ذلك يقول شاعرهم في الإسلام مفتخرا:
وقسمنا ملكنا في دهرنا قسمة اللحم على ظهر الوضم
فجعلنا الشأم والروم الى مغرب الشمس الى الغطريف سلم
ولطوج جعل الترك له فبلاد الترك يحوبها ابن عم
ولايران جعلنا عنوة فارس الملك وفزنا بالنعم
ومنهم من يذهب الى ان معنى إيران شهر بلد الخيار لان اير بالفارسية الأولى اسم جامع للخير والفضل، ومن ذلك قولهم لرئيس بيت النار إيربذ اى رئيس الخيار الفاضلين فعرب فقيل هربذ والنبط تذكران هذا الإقليم لها ملكته في سالف الدهر وان ملوكهم النماردة منهم نمرود إبراهيم الخليل، والنمرود سمة لملوكهم وان الفرس كانت بفارس والماهات وغيرها من بلاد الفهلويين وان هذا الصقع مضاف اليهم، وانما هو بلد أريان شهر، معنى ذلك بلد السباع لأن السباع تدعي بالنبطية أريان أحدها اريا فشبهوا بالسباع لشدة بأسهم وشجاعتهم وعظم ملكهم وكثرة جنودهم، فلما غلبت الفرس عليهم لما كان بينهم من التحزب والحروب واختلاف الكلمة وتباين الممالك ودامت أيامهم واتصل ملكهم دخلوا في جملتهم
[ ٣٤ ]
وتعززوا بهم وانتسبوا اليهم، ثم جاء الإسلام فمضى على ذلك أكثرهم وأنفوا من النبطية لزوال العز الّذي كان فيهم، وانتمى جلهم الى ملوك الفرس حتى قال بعض المتأخرين في ذلك:
أيا دهر ويحك كم ذا الغلط وضيع علا وكريم سقط
وعير يخلد في جنة وطرف بلا علف يرتبط
وأهل القرى كلهم يدعون بكسرى قباذ فأين النبط
وقد حد كثير من الناس السواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب وأعلى دجلة من ناحية أنور وهي الموصل القريتان المعروفة إحداهما بالعلث من الجانب الشرقي من دجلة وهي من طسّوج بزر جسابور والأخرى المعروفة بحربى وهي بإزائها في الجانب الغربي من طسوج مسكن، ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالبحر الفارسي المعروفة بميان روذان من كورة بهمن أردشير وراء البصرة مما يلي البحر طول ذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخا- والحد الشمالي من عقبة حلوان الى الموضع المعروف بالعذيب وراء القادسية من جهة الجنوب مسافة ما بين هذين الموضعين وهو عرض السواد ثمانون فرسخا، يكون ذلك مكسرا عشرة آلاف فرسخ والفرسخ اثنى عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة يكون بذراع المساحة وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع وهو مائة وخمسون أشلا يكون ذلك جربانا اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة جريب هذا انما هو تكسير أشل فإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ وهو عشرة آلاف فرسخ بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف لف جريب، اسقط أرباب الخراج لمواضع الجبال والآكام والتلول والآجام والسباخ ومدارس الطرق والمحاج ومجاري الأنهار ومواضع المدن والقرى وغير ذلك من المواضع التي لا يتأتى فيها الحرث على التخمين والتقريب الثلث من ذلك وهو خمسة وسبعون ألف ألف جريب فيبقى مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف
[ ٣٥ ]
جريب يراح النصف من ذلك ويكون النصف معمورا مع ما في الجميع من النخيل والكروم وسائر الأشجار وما يعمر دائما من الأرضين، ولم يزل السواد في ملك النبط والفرس مقاسمة الى أيام قباذ بن فيروز المالك، فإنه فرض على كل جريب درهمين وألزم الناس المساحة وأطلقوا في أملاكهم وكانوا ممنوعين منها الى وقت القسمة فهلك قبل إتمام ذلك فلما ملك أنوشروان بعده تممه وأخذ الناس به فارتفع أول سنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم من الدراهم التي وزن الدرهم منها مثقال، وقد كان خسرو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ- اجتبى مملكته في سنة ثماني عشرة من ملكه وكان في يده السواد وأرض الأعاجم دون أعمال الغرب وكان حد مملكته إلى هيت وما وراء ذلك من الموصل والجزيرة والشام بيد الروم من الورق اربعمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف مثقال يكون ذلك وزن سبعة ستمائة ألف ألف درهم وكثير من هذه النواحي اليوم على ما كانت عليه في ذلك الوقت لم يغز أرضوها ولم يبد ساكنوها وانما يحتاج أن يكون مع ملاكها ومدبريها تقى الله أولا ثم دراية ونجدة وعدل وعفة وسياسة حتى تستقيم الأمور وينتظم التدبير ويأتى من الأموال ما يسد به أركان الملك وتعمر به البلاد ويشحن به الثغور ويقمع به العدو إذ كان سلوك طريقة العدل يؤدى إلى طول المدة واتصال أيام الدولة وبالعدل ركب جميع العالم فلا جرم أنه لا يقوم الا بالحق وهو ميزان الرب في الأرض بين عباده فلذلك حكمته مبرأة من كل ميل وزلل، فمن بخسه بتر عمره وانقضت أيامه، وظلم الرعية، استجلاب البلية.
وكان السواد يعد في أيام الفرس اثنتي عشرة كورة، تسمي الكورة بلغتهم استان وطساسيجه ستون طسوجا في كل كورة عدة طساسيج وتفسير الطسوج الناحية ثم تغير ذلك على مر الأيام لانخراق دجلة وخروجها عن عمودها، وكان مجراها في جوخى وتغريقها طسوج الثرثور من بلاد كسكر وغيره حتى صارت
[ ٣٦ ]
بطائح الى هذا الوقت مسيرة أيام وذلك بين واسط والبصرة واسمها في هذا الوقت في ديوان السلطان آجام البريد وأخراب جوخى وكانت اعمر السواد وأهلها المتقدمون على أهله واضافة كورة حلوان الى كورة الجبل وكانت تدعى شاد فيروز وغير ذلك فصارت كور السواد عشر كور تحوى ثمانية وأربعين طسوجا ثم آل ذلك الى نقص وخراب لبثوق انبثقت وجلاء وانتقال وجدب وجور وحيف من الأتراك والديلم الذين غلبوا على هذا الصقع إلى هذا الوقت وهو سنة ٣٤٥ في خلافة المطيع، وقد وصف بعض أهل المعرفة سكان هذا الصقع الشريف وهو العراق فقال «هم هل العقول الصحيحة والشهوات المحمودة والشمائل الموزونة والبراعة في كل صناعة، مع اعتدال الأعضاء واستواء الاخلاط وسمرة الألوان وهي أعدلها وأقصدها، يستدل على اعتدال مزاج باطن أبدانهم بالذي يرى من السمرة الظاهرة في ألوانهم واعتدال أعضائهم أحسن الناس ألوانا ووجوها وأتمهم حلما وفهما فهم أهل العلم والخير، وذلك لامتزاج صقعهم من حر الجنوب وبرد الشمال وغلب عليهم المشترى لامتزاجه من برد فلك زحل وحرارة فلك المريخ فاعتدلوا فاجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار كما اعتدلوا في الجبلة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك وهم أرباب الوافدين وأصحاب الرافدين من دجلة والفرات، والثمانية والأربعين طسوجا» . قال الفرزدق في هجاء ابن هبيرة:
أأطعمت العراق ورافديه فزاريا أحذ يد القميص
وقال بشار بن برد:
الرافدان توافي ماء بحرهما الى الأبلة شربا غير محظور
وقال آخر هذان الواديان رائدان لأهل العراق لا يكذبان قال المسعودي والصقع الّذي مدينة السلام منه أفضل مواضع الأرض جميعا
[ ٣٧ ]
في الطيب والغذاء، وذلك أن أطيب خيرات الدنيا بعد الأمن والعافية والعز والرئاسة، صلاح الماء والهواء، ثم أفضل أنهار العالم دجلة والفرات، وان نازع في ذلك أهل مصر وفضلوا نيلهم، وأطيب مواضع العالم في كل الازمنة عند قياس بعضها إلى بعض وقياس بعض البلدان إلى بعض موضع اجتماع دجلة والفرات، وذلك أن بعض المواضع يطيب صيفه ويفسد شتاؤه فسادا يمتنع فيه من المكاسب المهنية والمطالب الصناعية لشدة برده ودوام سقوط ثلجه، ومنها ما يطيب شناؤه ويفسد صيفه حتى يشغل الحر والومد والبق والهوام عن تخشين الزي باللباس والتصرف في المهن والصناعات ويعز علينا بما دفعنا إليه من مفارقة ها المصر الّذي به مولدنا وفيه منشؤنا، فنأت الأيام بيننا وبينه وساحقت مسافاتنا عنه فبعدت الدار، وتراخى المزار. لكنه الزمن الّذي من شأنه التشتيت والدهر الّذي من شرطه الافاتة، ولقد أحسن أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ حيث يقول في هذا المعنى في كلمة له
أيا نكبة الدهر التي طوحت بنا أيادي سبا في شرقها والمغارب
قفى بالتي نهوى فقد طرت بالتي اليها تناهت فاجعات المصائب
وقال آخر
بلاد بها أنسى وأهلي وجيرتي وقد يتناسى الشيء وهو حبيب
ولولا الشوق إلى الوطن والحنين الى المنشأ لم نذكر ما ذكرناه من هذه المعاني قال بعض الحكماء: إن من علامة وفاء المرء وحسن دوام عهده، حنينه الى إخوانه وشوقه الى أوطانه، وإن من علامة ارشد أن تكون النفس الى مولدها مشتاقة، والى مسقط رأسها تواقة وقال آخر: عمر الله الأبدان، بحب الأوطان. فمن علامة كرم المحتد، الحنين الى المولد
[ ٣٨ ]
قال المسعودي: وكثير ممن تقدم وتأخر من أهل صناعة النجوم إذا حصلوا أمر بغداد قالوا عرض وسط الإقليم الثالث أي بعده من خط الاستواء ثلاثون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة وعرض وسط الإقليم الرابع ست وثلاثون درجة ثم قالوا عرض بغداد ثلاث وثلاثون درجة وتسع دقائق فبغداد إذا عندهم كأنها قريبة من أن تكون بين وسطى الإقليمين الثالث والرابع والأكثر منهم يرى أنها من الإقليم الرابع على ما ذكرناه، وممن يرى ذلك من تقدم مارينوس ودورثيوس وغيرهما من الفلكيين وعرض كل بلد هو بعده عن خط الاستواء وان شئت قلت ارتفاع القطب عليه ان كان في النصف الشمالي من الأرض فارتفاع القطب الشمالي وان كان في النصف الجنوبي من الأرض فارتفاع القطب الجنوبي، لأنه كلما تباعدت المدينة عن خط الاستواء درجة ارتفع أحد القطبين درجة وانخفض الآخر درجة والطول هو بعد المدينة من المغرب وربما كان بعدها من المشرق ومن المغرب إلى المشرق مائة وثمانون درجة فعرض بغداد ثلاث وثلاثون درجة وطولها سبعون درجة وكذلك عرض دمشق وعرض بغداد واحد وطول دمشق ستون درجة، وكذلك عرض مدينة القيروان من بلاد افريقية من ارض المغرب، وكذلك أيضا عرض بيت المقدس وقيسارية وصيدا وصور وانطاكية ومدينة السيرجان من ارض كرمان ومما عرضه ثلاثون فسطاط مصر والبصرة وشيراز وشينيز وجنابا ومهروبان وتوّج من ارض فارس والقندهار من أرض السند، ومما عرضه ست وثلاثون درجة مدينة حلب من جند قنسرين من أرض الشأم ومنبج وبالس والرقة ونصيبين ونهاوند من الماهات وهمذان وطرسوس من الثغر الشأمى وقم والري والموصل وبلد وسميساط وجسر منبج ودباوند وقومس ومدينة نيسابور
[ ٣٩ ]
وبخارى وسمرقند وأشروسنة من بلاد خراسان وكلما في الأقاليم من المدن فعلى خط واحد وان كان ذلك مختلفا عند من لا علم له بهذه الأمور لما يرى من اختلاف وضع هذه المدن وبعد المسافات بينها طولا وعرضا، والأقاليم كلها مستقيمة كذلك رأيتها في الصورة المأمونية وغيرها واهوية هذه المواضع تختلف وان اتفقت فيما ذكرنا من العرض وغيره لآفات وعوارض من ذلك ان يكون بخارات باردة وفي اعماق الأرض فتظهر فتكون سبيل تلك المواضع من الأرض ان ما يتولاها من الكواكب يوجب تأثير الحرارة فيها فيغلب ما ظهر من البرودة منها عليها تدفع فعل الكواكب، كالسروات من ارض التهائم وهي ثلاث سراة منها ما بين تهامة ونجد، أدناها وج وهي الطائف، وأقصاها قرب صنعاء من ارض اليمن والسروات ارض عالية وجبال مشرفة يجب ان تكون حارة لتأثير الكواكب الا أن ما يظهر من بخار الأرض يغلب على البلد فصار باردا وكذلك أيضا دمشق عرضها وعرض بغداد واحد على ما ذكرنا فيما تقدم فيجب ان تكون حارة كحر بغداد، الا ان البرد يغلب عليها لما يظهر من بحار الأرض من البرودة فكان الحكم له، وكذلك قد تكون مواضع من الأرض ما يتولاها من الكواكب يوجب تأثير البرودة فيها فيظهر من قعور الأرض بخارات كثيرة حارة فتدفع ذلك وتصير الحكم لها وتجعل ذلك البلد حارا ككثير من البلدان الحارة وقد تكون بقاع من الأرض يغلب على ما يظهر منها من البخار البارد تأثيرات الكواكب بالحر فيكون الحكم له ويغلب على ما ظهر منها من البخار الحار تأثيراتها بالبرد فيكون الحكم له ولعلل غير ذلك يطول ذكرها هي موجودة في كتب المتقدمين على الشرح والإيضاح وقد قدمنا فيما سمينا من كتبنا لمعا من ذلك فأغنى عن إعادته في هذا
[ ٤٠ ]
الكتاب مع اشتراطنا على أنفسنا فيه الاختصار والإيجاز وفي القليل كفاية لمن كان له بالعلم عناية وكل ما كان على رأس قبة الأرض وراءها الى الشق الشرقي فهو عند أهل الشق الغربي ارفع، لجهات منها ان المشرق لطلوع الكواكب وظهور النهار المغرب لهبوطها وانخفاضها والثانية ان المشرق ذكر والمغرب أنثى وقسم هذا الكواكب المذكرة وقسم ذلك الكواكب المؤنثة والذكر ابدا أعلى من الأنثى، والثالثة ان حركة الفلك الى المشرق هي ارتفاعه وحركته الى المغرب هي انخفاضه والرابعة وهي الوجه العيانى والمذهب القياسي انا نجد بلد فارس ارفع من العراق والعراق أرفع من الشأم والشأم ارفع من مصر والاسكندرية من ذلك ان حساب بغداد مثل محمد بن موسى الخوارزمي ويحيى بن ابى منصور وسند بن على وابى معشر وغيرهم وجدوا طول بغداد من المشرق مائة درجة وعشر درجات يريدون من أفق القبة الى وسط سماء بغداد وذلك يعرف بساعات وسط الكسوف في المواضع المختلفة المتباعدة ووجد ابطلميوس على ما عبر عنه ثاون الإسكندر انى طول الاسكندرية من المشرق مائة وتسع عشرة درجة ونصفا فإذا طرحنا بعد بغداد من بعدها بقي تسع درجات ونصف فقلنا تطلع الشمس ببغداد قبل الاسكندرية بثلثي ساعة غير ثلثي عشر ساعة، وكذلك تخالف البلاد في العروض من ذلك ان ارتفاع القطب الشمالي عن أفق صنعاء من بلاد اليمن اربع عشرة درجة ونصف وارتفاعه على بغداد ثلاث وثلاثون درجة وكسر، ومن هذا يطول النهار في بلد ويقصر في بلد ومن الدليل على ذلك ان ارتفاع سهيل في وسط سمائه على اليمن ثلاث وعشرون درجة وهو بالعراق على خط الأفق وبخراسان لا يرى ولا تغيب بنات نعش لك وتغيب باليمن وأشباه لهذا كثيرة قال المسعودي: وقد كان وزير المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان لما امر
[ ٤١ ]
المستعين بنفيه الى برقة وذلك في سنه ٣٤٨ فصار الى الاسكندرية من بلاد مصر رأى حمرة الشمس على علو المنارة التي بها وقت المغيب فقدر انه يلزمه ان لا يفطر إذ كان صائما أو تغرب الشمس من جميع أقطار الأرض وذهب عليه ان الله ﷿ انما فرض على كل قوم ان يصوموا إلى ان تغيب الشمس في بلدهم لأن مغيبها يختلف بحسب اختلاف البلدان فيكون مغيبها في بلاد المشرق قبل مغيبها في بلدان المغرب كما كان طلوعها في المشرق قبل طلوعها في المغرب لما قدمناه من أقاويل المنجمين في ذلك، ويجوز ان يكون ذلك لاسباب استأثر الله بغيبها، فامر عبيد الله إنسانا ان يصعد الى اعالى منارة الاسكندرية ومعه حجر وان يتأمل موضع سقوط قرص الشمس فإذا سقطت رمى بالحجر ففعل الرجل ذلك فوصل الحجر الى قرار الأرض بعد صلاة العشاء الآخرة فجعل إفطاره بعد صلاة العشاء الآخرة فيما بعد إذا صام في مثل ذلك الوقت وكان عند رجوعه الى سرمن رأى لا يفطر الا بعد العشاء الآخرة وعنده ان هذا فرضه، وان الوقتين متساويان وهذا غاية ما يكون من قلة العلم بالفرض ومجاري امر الشرق والغرب وقد ذكر أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية ان بناحية المشرق الصيفي جبلا شامخا جدا وان من علامة ارتفاعه ان الشمس لا تغيب عنه الى ثلاث ساعات من الليل وتشرق عليه قبل الصبح بثلاث ساعات ومنارة الاسكندرية إحدى بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطلميوسين من ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيلبس الملك، لما كان بينهم وبين ملوك رومية من الحروب في البر والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقبا في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفة يشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الابصار عن إدراكها، فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة فيستعدون لهم قبل مرورهم
[ ٤٢ ]
وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب مائتان وثلاثون ذراعا وكان طولها قديما نحو أربعمائة ذراع فهدمت على طول الزمان وترادف الزلازل والامطار لان بلد الاسكندرية يمطر، وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر إذ كان الغالب عليها أن لا تمطر الا اليسير، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب ما قال الناس في ذلك والسبب في امتناعه وبناؤها ثلاثة إشكال فقريب من النصف وأكثر من الثلث مربع الشكل، بناؤه بأحجار بيض يكون نحوا من مائة ذراع وعشرة أذرع على التقريب، ثم من بعد ذلك مثمن الشكل مبنى بالآجر والجص نحوا من نيف وستين ذراعا وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان، واعلاها مدور وكان احمد ابن طولون أمير مصر والاسكندرية والشأم رم منه شيئا وجعل في أعلاه قبة من الخشب ليصعد اليها من داخلها، وهي مبسوطة مؤربة بغير درج وفي جهة الجانب الشرقي من المنارة كتابة برصاص مدفون بقلم يوناني يكون طول كل حرف ذراعا في عرض شبر ويكون مقدارها على وجه الأرض نحوا من مائة ذراع، وماء البحر قد بلغ أصلها وقد كان تهدم أحد أركانها الغربية مما يلي البحر فبناها ابو الجيش خمارويه بن احمد بن طولون، وبينها وبين مدينة الاسكندرية في هذا الوقت نحو ميل، وهي على طرف لسان من الأرض قد ركب ماء البحر جنبيه، مبنية على فم ميناء الاسكندرية وليس بالميناء القديم لان القديم في المدينة العتيقة لا ترسو فيه المراكب لبعده عن العمران، والميناء هو الموضع الّذي ترسو فيه مراكب البحر، وأهل الاسكندرية يخبرون عن أسلافهم أنهم شاهدوا بين المنارة وبين البحر نحوا مما بين المدينة والمنارة في هذا الوقت، فغلب عليه ماء البحر في المدة اليسيرة، وأن ذلك في زيادة قال المسعودي: وتهدم في شهر رمضان سنة ٣٤٤ نحو من ثلاثين ذراعا من
[ ٤٣ ]
أعاليها بالزلزلة التي كانت ببلاد مصر وكثير من بلاد الشأم والمغرب في ساعة واحدة، على ما وردت به علينا الأخبار المتواترة ونحن بفسطاط مصر، وكانت عظيمة جدا مهولة فظيعة، أقامت نحو نصف ساعة زمانية وذلك النصف من يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، وهو اليوم الخامس من كانون الآخر من شهور السريانيين، واليوم التاسع من دى ماه من شهور الفرس، والتاسع أيضا من طوبه من شهور القبط- وقد دخلنا أكثر المواضع المشهورة بكثرة الزلازل وعظمها مثل بلاد سيراف من ساحل فارس وهي بين جبل وبحر وبلاد الصيمرة من مهرجان قذق وماسبذان من أرض الجبال، وهي في سفح جبل عظيم يقال له كبر ومدينة انطاكية من جند قنسرين والعواصم، من أرض الشأم وهي في سفح جبل مطل عليها وبلاد قومس وهي كثيرة الزلازل جدا وتغور أعين وتفور في مواضع أخر لعظم ذلك، فالبلد شديد الاختلال. وبين بلاد قومس وبين نيسابور جبل عظيم شامخ طويل كثير المياه والأشجار والثمار والاودية وفيه خلق من العباد يأكلون من تلك الثمار ويأوون الى كهوف وغير ان لك يقال لهذا الجبل جبل مورجان، ومورجان قرية بقرب هذا الجبل والجبل بين هذه القرية وبين قرية من أعمال نيسابور تعرف بهفدرة تفسير ذلك سبعة أبواب، وذلك أول عمل خراسان لأن قومس عمل مفرد بين الري وخراسان ومنها بسطام وسمنان والدامغان، ولها جبل آخر عظيم بينها وبين طبرستان يقال له قارن، ومدينة آمل ويطل عليها الجبل العظيم المعروف بدباوند ويقال إنه أعلى جبال العالم وكثير من مدن طبرستان وغير ذلك من البلاد- فلم أر أعظم امرا من هذه الزلزلة ولا أطول مكثا، وذلك انى تبينت تحت الأرض كالشىء العظيم يحاكّها مارا تحتها وهازا ومحركا لها، وكأنه أعظم منها وكأنها كالنائية عنه، مع دوى عظيم في الجو
[ ٤٤ ]
وكانت السلامة بحمد الله شاملة للناس، والتهدم قليل وقد كان خسف بضياع كثيرة وقرى وعمائر واسعة من بلاد كش، ونسف مما يلي سمرقند من أرض خراسان، بزلازل تواترت كان مبدؤها من نحو بلاد الصين الى ان اتصلت ببلاد فرغانة، وهذه البلاد هلك فيها خلق كثير من الناس فمنها ما صار موضعها آجاما ومياها سودا منتنة، ومنها ما صارت كالرماد لانقلابها في سفوح جبال شاهقة منيعة، وذلك مشهود ببلاد خراسان وغيرها، وقد ذكرنا ما قاله الناس من الشريعيين وغيرهم في الزلازل وحدوثها والهدات والخسوف وكونها فيما تقدم من كتبنا فاذ قد ذكرنا الأقاليم السبعة، وما قيل في اطوالها وعروضها، ووصفنا الإقليم الرافع وفضله على سائرها وما اتصل بذلك، فلنذكر البحار وكمية اعدادها ومقادير مسافاتها وغير ذلك من الاخبار عنها