ليس أمة من الأمم من الشريعيين وغيرهم ممن سلف وخلف إلا ولها تأريخ ترجع اليه وتعول عليه في أكثر أمورها ينقل ذلك خلف عن سلف وباق عن ماض إذ كان به تعرف الحوادث العظام، والكوائن الجسام، وما كان في الأزمان الماضية، والدهور الخالية، ولولا ضبط ذلك وتقييده لانقطعت الأخبار ودرست الآثار وجهلت الأنساب، ولذلك أخذ الإسكندر أهل مملكته بتقييد أيامه وحفظ تأريخه وسيره، لكيلا يضيع ما بان من أمره وحمد من سعيه، ولا يجهل كثرة من ناصب من الأعداء وقتل من الملوك، ووطئ من البلاد، وحوى من المملكة لعلمه بما يلحق كثيرا من الناس من التواني عن نقل الأخبار وتقييد السير والآثار، وإعراضهم عن ذلك إيثارا للدعة وميلا الى التخفيف. واحتذى فعله أردشير بن بابك لما قتل ملوك الطوائف واستوسقت له الأمور، وانقاد الناس الى طاعته، قام بضبط سيرته وعهوده وأيامه وحروبه، إلا أنه اطرح ما كان قبل ذلك وتناساه، لكي يكون الذكر لأيامه وسيرته، فضبط ذلك ضبطا شديدا الى يزدجرد بن شهريار آخر ملوكهم فكانت الأمم السالفة والأجيال الخالية والقرون الماضية تؤرخ الكوائن العظام والأحداث الكبار عندها، وتملك الملوك فمن أقر بالطوفان من الأمم كانوا يؤرخون به ثم أرخوا العام بتبلبل الألسن باقليم بابلى فاما المجوس فلإنكارهم كون الطوفان المستولى على جميع الأرض أرخوا بكيومرث
[ ١٦٧ ]
كلشاه معنى ذلك ملك الطين، وهو عندهم آدم أبو البشر وأصل النسل واليه ترجع الفرس في أنسابها على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في آخر ملوك الفرس وطبقاتهم مجملا، وفي غيره من كتبنا مفسرا مشروحا ثم أرخوا بقتل داريوس الملك وظهور الإسكندر الملك، ثم ارخوا بظهور أردشير بن بابك وجمعه الملك واستيلاءه على ملوك الطوائف، ثم ارخوا بملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن خسرو أنوشروان بن قباذ الملك وهو آخر ملوكهم الى هذا الوقت وأول سنته يوم الثلاثاء وكان سوالف اليونانيين والروم والنبط وهم السريانيون يؤرخون بملوك لهم متقدمين وكوائن واحداث، ثم أرخوا بسنى الإسكندر بن فيلبس، فاستقر تاريخهم على ذلك الى هذا الوقت وقد تنوزع في مبدإ تاريخ الإسكندر فمنهم من رأى أن ذلك من ابتداء ملكه ومنهم من رأى ذلك من أول السنة السابعة من ملكه حين خرج عن بلاد مقدونية الى ناحية المغرب وغيرها من بلاد الأفرنجية، ومنهم من رأى ذلك من غلبته على إقليم بابل وقتله دارا بن دارا ومنهم من رأى أن ذلك من وفاته ومن آدم الى ملك الإسكندر خمسة آلاف سنة ومائة واحدى وثمانون سنة، وقيل خمسة آلاف سنة ومائتان وتسع وخمسون سنة، وبين الطوفان الى ملكه ألفان وتسعمائة وخمس وعشرون سنة، ومن فالغ بن عابر الى ملكه ألفان وثلاثمائة واربع وتسعون سنة، ومن إبراهيم الى ملكه ألف وثمانمائة وثلاث وخمسون سنة، ومن خروج بنى إسرائيل من مصر إلى ملكه ألف وثلاثمائة وست وأربعون سنة، ومن ملك داود الى ملكه سبعمائة سنة وأربعون سنة، ومن سبى نصر لبني إسرائيل الى ملكه مائتان وثلاث وستون سنة وقد ذهب قوم الى أن من ابتداء ملك نصر الى غلبة الإسكندر لدارا
[ ١٦٨ ]
اربعمائة سنة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستة وخمسون يوما، ومنهم من رأى أن ذلك مائتا سنة وتسع وثمانون سنة، ومن الإسكندر الى صلب ايشوع عند النصارى ثلاثمائة واثنتان وأربعون سنة، ومن الإسكندر الى هذا الوقت الّذي ألف أبو الحسن على بن الحسين المسعودي فيه الكتاب وهو سنة ٣٤٥ للهجرة ألف سنة ومائتا سنة وثمان وستون سنة وكانت القبط بأرض مصر تؤرخ بأول السنة التي ملك فيها بخت نصّر وأولها يوم الأربعاء، وقد ذكر ذلك ابطلميوس في كتاب المجسطي فأما تاريخهم في زيجه فمن أول سنى فيلبس ابى الإسكندر وأول سنته يوم الأحد وبين تاريخ فيلبس وتاريخ الإسكندر اثنتا عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرون يوما، ثم ارخوا بملك دقلطيانوس الملك، الملك القبطي لعظم ملكه، واستقر تاريخهم على ذلك الى هذه الغاية وبين تاريخ نصر وتاريخ يزدجرد ألف وثلاثمائة وتسع وسبعون سنة فارسية وثلاثة أشهر، وبين تأريخ فيلبس وتاريخ يزدجرد تسعمائة وخمس وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وبين تاريخ الإسكندر وتأريخ يزدجرد تسعمائة واثنتان وأربعون سنة من سنى الروم ومائتان وخمسون يوما، وبين تأريخ الهجرة وتاريخ يزدجرد من الأيام ثلاثة آلاف يوم وستمائة وأربعة وعشرون يوما، فأول هذه التواريخ تاريخ بخت نصّر، ثم تأريخ فيلبس، ثم تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد. كذلك ذكر محمد بن كثير الفرغاني في كتاب الثلاثين فصلا الّذي فيه ناكر جوامع المجسطي لأبطلميوس وغيره من أصحاب الزيجة في النجوم والقوانين، كالفزارى، ويحيى بن أبى منصور، والخوارزمي، وحبش، وما شاء الله، ومحمد بن خالد المروروذي، وابى معشر جعفر بن محمد البلخي، وابن الفرخان الطبري، والحسن بن الخصيب، ومحمد بن جابر البتاني، والنيريزى،
[ ١٦٩ ]
وغيرهم ممن تقدم وتأخر وكان الإسرائيليون يؤرخون بوفاة إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ثم بخروجهم من أرض مصر مع موسى، وكان دخول إسرائيل الى مضر وولده الأسباط وأولادهم وهم سبعون نفسا حين قصدوا يوسف، فكان مقامهم بمصر الى أن خرجوا عنها مع موسى الى التيه مائتي سنة وسبع عشرة سنة يتداولهم ملوك مصر، وأحصاهم موسى وهارون في التيه، فكان من يصلح لحمل السلاح والقتال منهم من ابن عشرين سنة فصاعدا سوى سبط لاوى ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين نفسا، وأحصى سبط لاوى بن يعقوب وهو ابن سبطها من ابن شهر الى فوق فكانوا اثنين وعشرين ألفا ومائتين وثلاثة وسبعين، فجميع بنى إسرائيل على ما أحصينا ستمائة وخمسة وعشرون ألفا وثمانمائة وثلاثة وعشرون الفا وكانت وفاة موسى وهارون وأختهما مريم بالتيه في سنة واحدة لتمام أربعين سنة لهم في التيه، وهم لام واحدة اسمها أماحية ماتت أولا مريم أختهما في ستة أيام من نيسان ولها مائة وسبع وعشرون سنة ومات هارون في أول يوم من آب ودفن في جبل هور وهو أحد الأطوار الأربعة المقدم ذكرها وله مائة وثلاث وعشرون سنة، ومات موسى في سبعة أيام من أذار في أرض موآب ودفن في الوادي من أرض موآب وله مائة وعشرون سنة وتولى الأمر بعد موسى يوشع بن نون، وحارب ملوك الشأم وغيرها واستولى على أكثر البلاد، فأقام ست سنين ومات وله مائة وعشرون سنة، ودبر الأمر بعده فينخاس بن العازر بن هارون وما كان كاهنا، والإسرائيليون يذكرون انه النبي الّذي تسميه المسلمون الخضر، والفرس تزعم أن الخضر هو أحد السبعة بنى منوشهر على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، ولأهل الشرائع وغيرهم من أصحاب
[ ١٧٠ ]
التأويل في وقتنا هذا فيه كلام طويل يطول ذكره، فكان من إبراهيم الى خروج بنى إسرائيل من مصر خمسمائة وسبع وستون سنة، ومن الطوفان الى خروجهم ثلاثة آلاف وثمانمائة وخمس وثلاثون سنة، ثم ارخوا بإخراب نصر أورشلم وهي بيت المقدس وسبيهم الى بابل، وكان من ابتداء ملك بخت نصّر الى ظهور الإسرائيليين وسبيهم احدى وثلاثون سنة واربعة وثلاثون يوما، ومن ملك داود الى سبى بابل وأربعمائة سنة وسبع وسبعون سنة، ومن خروج بنى إسرائيل من مصر الى سببهم ألف وثلاث وثمانون سنة، ومن إبراهيم الى سبيهم ألف وخمسمائة وتسعون سنة، ومن فالغ بن عابر الى سبيهم ألفان ومائة واحدى وثلاثون سنة، ومن الطوفان الى سبيهم ألفان وستمائة واثنتان وستون ومن آدم الى سبيهم اربعة آلاف وتسعمائة وثماني عشرة سنة، وكان مقامهم ببابل سبعين سنة الى أن ردهم بهمن بن إسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب الى أورشلم، وامر بعمارتهما والإسرائيليون وكثير من الناس يسمونه كورش، وغير ذلك من الكوائن التي كانت فيهم وكذلك أرخت النصارى من مولد المسيح وغير ذلك من أحواله وأما الهند والصين ومن وافقهم من الأمم ممن قال بقدم العالم وأزليته فيأبون كون الطوفان عم جميع الأرض وما ذكر من تبلبل الألسن، وتواريخهم موضوعة على سوالف ملوكهم وأحداث عظيمة كانت في أيامهم يبعد علينا في هذا الكتاب وصفها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا شرحها وبأعالي الهند ومشارقها البيت المعروف ببيت الذهب بدء تاريخهم بعد ظهور البدّ الأول فيهم وهو اثنا عشر ألف عام مضروبة في ثلاثة وثلاثين ألف عام وهو البيت الّذي دخله الإسكندر بن فيلبس الملك حين قتل فور ملكهم، وكتب بخبره الى أرسطاطاليس وما شاهد منه من العجائب، فأجابه أرسطاطاليس
[ ١٧١ ]
بالرسالة المعروفة برسائل بيت الذهب التي أولها:
الى الإسكندر ملك ملوك الأمم من عبده أرسطاطاليس، أما بعد، كتبت الى تذكر الّذي أعجبك من بنيان بيت الذهب بالهند، وما ذكرت أنك رأيت فيه من العجائب والبنيان الشامخ المزخرف بأنواع الجوهر، وما يونق العين من الذهب الأحمر، حتى قد بهر العيون منظره وسار في الأمم ذكره، وقد كتبت إليك أيها الملك أصونك لمعرفتك بالأمور السابقة العليا والأرضية السفلى، ان يعجبك شيء صنعته الأيدي المنينة بالحكمة في الأيام القصيرة، ومدة الزمان اليسيرة، ولكنى أرضى لك أيها الملك أن ترفع نظرك الى ما فوقك وتحتك وعن يمينك وعن شمالك من السماء والصخور والجبال والبحور، وما في ذلك من العجائب الغامضة والمصانع الظاهرة والبنيان الشامخ الّذي لا ينحته الحديد ولا يثلمه المجانيق، ولا يعمله الأجساد المخلخلة الضعيفة في المدة المنقطعة- ثم مر في إتمام الرسالة في وصف الأرضين والبحار والأفلاك والنجوم والآثار العلوية وغير ذلك مما يحدث في الجو مما قد ذكرناه مع رسائل أرسطاطاليس الى الإسكندر في السياسات الديانية والملوكية وغير ذلك في كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وهذه الرسالة مستفيضة في أيدي الناس وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة، فأما حمير وكهلان ابنا سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بأرض اليمن، فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم السالفة من التبابعة وغيرهم، كملك تبع الأكبر وتبع الأصغر وتبع ذي الأذعار وتبع ذي المنار. وأرخوا بنار صوران وهي نار كانت تظهر ببعض الحرار من أقاصى بلاد اليمن أحدها حر والتي يقال إن الحبرين اللذين قدم بهما تبع أبو كرب من المدينة إلى اليمن حاكما أهل اليمن إليها، وكان ذلك سبب تهود كثير من أهل اليمن وذلك مشهور في أخبارهم، وأرخوا بعث شعيب بن مهذم وملك ذي
[ ١٧٢ ]
نواس وملك جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم الدوسيّ وملك آل أبى شمر من غسان بالشام، وأرخوا بعام السيل وهو سيل العرم الّذي ذكره الله ﷿ في القرآن وخروج عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس ابن ثعلبة ابن مازن بن الأزد من مأرب جماع غسان في قومه من الأزد وغيرهم من كهلان وحمير وتفرقهم في البلاد، ثم أرخوا بظهور الحبشة على اليمن ثم غلبت الفرس على اليمن، وإزالة الحبشة إلى أن جاء الله بالإسلام فأما تاريخ ولد معد بن عدنان فإنهم كانوا يؤرخهم بغلبة جرهم العماليق وإخراجهم إياهم عن الحرم، ثم أرخوا بهلاك جرهم في الحرم. ثم أرخوا بعد ذلك بعام التفرق، وهو العام الّذي افترق فيه ولد نزار بن معد بن عدنان من ربيعة ومضر وإياد وأنمار على ما في ذلك من التنازع في نسبة إياد وأنمار إلى نزار على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، ثم أرخوا بعد ذلك بعام الفساد وهو عام وقع فيه بين أحياء العرب وقبائلها التنازع والحروب فاستبدلوا الديار وتنقلوا في المساكن وأرخوا بحجة الغدر وكانت قبل الإسلام بنحو من مائة وخمسين سنة وكان سببها أن أوسا وحصبة بنى أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار خرجا في عدة من قومهما حجاجا فلقوا بأنصاب الحرم أناسا من اليمن معهم كسوة للكعبة ومال للسدنة حمل ذلك بعض ملوكهم فقتلوهم وأخذوا ما كان معهم ودخلوا مكة فلما كان في أيام منى فشا الخبر بالناس فوثب بهم وتحزب معهم قوم فانتهبت الناس بعضهم بعضا فسميت حجة الغدر وأرخوا بالحرب بين ابني وائل بكر وثعلب المعروفة بحرب البسوس وكان الّذي هاجها قتل جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب
[ ١٧٣ ]
ابن على بن بكر بن وائل كليبا، وهو وائل بن ربيعة بن الحارث لقتل كليب ناقة يقال لها سراب لجار لخالة جساس وهي البسوس ابنة المنقذ التميمية ثم السعدية من قضاعة من بنى حرم وأرخوا بحرب بنى بغيض بن ريث بن غطفان المعروفة بحرب داحس والغبراء، وذلك قبل البعث بنحو من ستين سنة وبحرب الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة وهو العنقاء، وإنما سمى العنقاء لطول عنقه، ابن عمر وهو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلوان بن مازن بن الأزد وهو درّ ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهما أخوان لأب ولأم نسبا إلى أمهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو، ونساب قضاعة يذكرون أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة وأرخوا بعام الخنان وهو عام شمل أكثر الناس فيه الخنان قال النابغة الجعديّ
فمن يك سائلا عنى فانى من الفتيان في عام الخنان
وذهب أبو جعفر محمد بن حبيب في آخرين إلى أنه سمى عام الخنان، أن بنى عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن كانت لهم وقعة مع بعض العرب فلم يصل بعضهم إلى بعض من كثرة الحديد، فقال قائل «يا بنى عامر خنوهم بالسيوف» فلقب ذلك عام الخنان قال المسعودي: وكانت كل قبيلة من قبائل العرب تؤرخ بيوم من أيامها المشهورة في حروبها فكانت بكر وتغلب ابنا وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار تؤرخ بعام التحالق من إلى حرب البسوس أيام حروبهم المنسوبات
[ ١٧٤ ]
وفزارة وعبس ابنا بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ابن مضر بن نزار يؤرخون بيوم الجبلة، وهو اليوم الّذي ظهرت فيه عبس على فزارة وقتل حذيفة وحمل ابنا بدر وغيرهما وبنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن يؤرخون بيوم شعب جبلة، وكان قبل الإسلام بنيف وأربعين سنة بين بنى عامر وأحلافها من عبس وبين من سار إليهم من تميم وعليهم حاجب ولقيط ابنا زرارة بن عدس بن زيد ابن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر ابن أد بن طابخة بن الياس، وهو خندف بن مضر بن نزار ومن عاضدهما من اليمن مع ابني الجون الكنديين المالكيين وفي ذلك يقول جرير
كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا وعمرو بن عمرو إذ دعا يال دارم
ولم تشهد الجونين والشعب ذا الصفا وشدات قيس يوم دير الجماجم
وإياد تؤرخ بخروجها عن تهامة وحروبها مع فارس الحرب المعروفة بوقعة دير الجماجم، وبتلك الوقعة سمى الدير لكثرة الجماجم على السواد، وذلك في ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف ملك فارس، وفي ذلك يقول الشاعر، شاعر اياد
على رغم سابور بن سابور أصبحت قباب إياد حولها الخيل والنعم
وقد ذكر ذلك أبو دواد الأيادي فقال
ألا أبلغ خزاعة أهل مر وإخوتهم كنانة عن إياد
تركنا دارهم لما ثرونا وكنا أهلها من عهد عاد
وأسهلنا وسهل الأرض يخشى بجرد الخيل؟ عشنقه القياد
فنازعنا بنى الأحرار حتى علفنا الخيل من خضر السواد
ثم أرخوا بخروجهم عن العراق إلى الجزيرة حين أوقع بهم سابور، وكان لقيط الأيادي كتب إليهم وهو في حبس الملك ينذرهم ويحذرهم بقصيدته التي أولها:
[ ١٧٥ ]
يا دار عمرة من تذكارها الجزعا هيجت لي الهم والأحزان والوجعا
ألا تخافون قوما لا أبا لكم أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا
أحرار فارس أبناء الملوك لهم من الجموع جموع تلقط السلعا
ولذلك قال مرة بن محكان السعدي حين وجه معاوية عامر بن الحضرميّ إلى البصرة فنزل في تميم يدعوهم إلى أخذ البصرة والوثوب بزياد خليفة عبد الله بن عباس على البصرة وقد سار ابن عباس إلى على ﵇ بالكوفة فقال مرة مخوفا لقومه زاجرا لهم:
قلت والليل مطبق بغراه أرقب النجم لا أحس رقادا
إن حيا يرى الصلاح فسادا ويرى الغي في الأمور رشادا
لقريب من الهلاك كما أهلك سابور بالعراق إيادا
في كلمة طويلة ثم أرخوا بعام الانتقال من ديارهم إلى بلد الروم وآخر من دخل منهم إلى هناك من أرض الجزيرة والموصل في خلافة عمر بن الخطاب نحو من أربعين ألفا كانوا على النصرانية وأنفوا من الجزية حين أخذوا بها وتميم تؤرخ بعام الكلاب وهي الحرب التي كانت بين ربيعة وتميم وأسد وخزيمة تؤرخ بعام مأقط الّذي قتلوا فيه الملك حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي أبا امرئ القيس وفي ذلك يقول امرؤ القيس حين بلغه قتله
أرقت لبرق بليل أهل يلوح سناه بأعلى الجبل
بنو أسد قتلوا ربهم ألا كل شيء سواه جلل
والأوس والخزرج ابنا حارثة تورخ بعام الآطام لما تحاربوا على الآطام وهي لحصون والقصور وذهب الأصمعي في آخرين من أهل اللغة إلى أنها الدور المسطحة السقوف، وكانت الأوس والخزرج تتمنع بها فأخربت في أيام عثمان بن عفان
[ ١٧٦ ]
ورسومها باقية إلى وقتنا هذا. قال قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد ابن ظفر الأوسي يذكر الآطام في قصيدته التي يذكر فيها يوم بعاث وهو أحد الأيام المشهورة بين الأوس والخزرج أولها:
أتعرف رسما كاطراد المذاهب لعمرة وحشا غير موقف راكب
وقال
فلولا ذرى الآطام قد تعلمونه وترك الفضا شوركتم في الكواعب
وطيِّئ وحليمة واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان تؤرخ بعام الفساد وهي الحرب التي كانت بين الغوث بن طيِّئ وجديلة بن سعد بن فطرة بن طيِّئ بجبلي طيِّئ أجأ وسلمى وما يلي ذلك من السهل، دامت هذه الحرب بينهم ثلاثين ومائة سنة وفيها ولد- فيما ذكر الهيثم بن عدي الطائي- حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن ابى اخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل ابن عمرو بن الغوث بن طيِّئ، وأوس بن حارثة بن لأم بن طريف من بنى مازن ابن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيِّئ، وزيد الخيل بن مهلهل بن زيد ابن منهب بن عبد رضا بن المختلس بن ثوب بن كنانة بن عدي بن مالك بن نابل بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيِّئ، وقد ذكرنا حاتما وكان اعتزل حربهم حين تطاولت ولحق ببني بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة فنزل عليهم وقال يمدحهم
ان كنت كارهة لعيشتنا هاتي فحلى في بنى بدر
جاورتهم زمن الفساد فنعم الحي في السراء والضر
وفي تلك الحروب تفرق الساميون من طيِّئ فلحقوا بحاضر قنسرين من أعمال حلب الى هذا الوقت وخالطوا الأسباط وغيرهم وتزوجوا فيهم، ومن لزم جبلي
[ ١٧٧ ]
طيِّئ أجأ وسلمى يقال لهم الأجئيون ولم يزل من وصفنا من قبائل العرب يؤرخون بالأمور المشهورة من موت رؤسائهم ووقائع وحروب كانت بينهم الى أن جاء الله بالإسلام فأجمع المسلمون على التأريخ من الهجرة على ما نحن ذاكروه فيما يرد من هذا الكتاب في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وقد ذهب قوم من أصحاب السير والآثار الى أن آدم لما هبط من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوطه، فكان ذلك هو التاريخ حتى بعث الله نوحا فأرخوا من مبعثه حتى كان الطوفان فكان التاريخ منه الى نار إبراهيم فلما كثر ولد إبراهيم افترقوا فأرخ بنو إسحاق من نار إبراهيم الى يوسف، ومن يوسف الى مبعث موسى ومن مبعث موسى الى ملك داود وسليمان، وما كان بعد ذلك من الكوائن والأحداث وارخ بنو إسماعيل من بناء البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل فلم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقت معد، وكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم، ومن بقي بتهامة من بنى إسماعيل يؤرخون بخروج آخر من خرج منها من قضاعة وهم سعد ونهد وجهينة بنو زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة حتى مات كعب بن لؤيّ فأرخوا من موته الى الفيل، ومنهم من كان يؤرخ بيوم الفجار بين قريش وسائر كنانة بن لؤيّ، وبين قيس ابن عيلان لما قتل البراض بن قيس بن رافع الضمريّ ضمرة بكر بن عبد مناة بن كنانة عروة الرحال بن جعفر بن كلاب واحتوى على اللطيمة التي كانت معه للنعمان بن المنذر، فاقتتلت قيس وكنانة قتالا شديدا فكان الظفر لكنانة على قيس وحضر هذا الفجار رسول الله ﷺ وله عشرون سنة، وانما
[ ١٧٨ ]
سمى الفجار لأنهم تفاجروا فيها واقتتلوا في الأشهر الحرم وهو من أيام العرب المذكورة، وفي ذلك يقول خداش بن زهير العامري
فلا توعدني بالفجار فإنه أحل ببطحاء الحجون المحارما
وقال في ذلك أبو أسماء الضريبة النصري نصر بن سعد بن بكر بن هوازن
نحن كنا الملوك من أهل نجد وحماة الذمار عند الدمار
ومنعنا الحجاز في كل حي فمنعنا الفجار يوم الفجار
والفجار أربعة الأول يعرف بفجار الرجل وهو بدر بن معشر الضمريّ والثاني الفجار المعروف بالرباح وهو القرد، الثالث فجار المرأة القيسية، والرابع فجار البراض وهو أعظمها ومنهم من كان يؤرخ بحلف الفضول، وكان بعد منصرفهم من الفجار لأجل رجل من بنى زبيد وجماع بنى زبيد منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان باع سلعة له من العاص بن وائل السهمي فدافعه بالثمن وعازّه فلما آيس علا على أبى قبيس فنادى
يا للرجال لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائى الحي والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته ولا حرام لثوبى لابس الغدر
فاجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي ليكونن مع المظلوم حتى ينصف، فسمته قريش حلف الفضول، وفي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب بن هاشم
حلفت لنعقدن حلفا علينا وإن كنا جميعا أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا يعز به الغريب لدى الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنا أباة الضيم نهجر كل عار
[ ١٧٩ ]
قال النبي ﷺ بعد مهاجرته إلى المدينة لقد شهدت حلفا في دار عبد الله بن جدعان لو دعيت إلى مثله لأجبت وما زاده الإسلام إلا تشديدا فأما حلف المطيبين فهو قبل حلف الفضول وكان سببه فيما ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب مناقب قريش وفضائلها أن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤيّ كان جعل إلى ابنه عبد الدار الحجابة ودار الندوة واللواء وجعل إلى ابنه عبد مناف السقاية والرفادة فلما كثرت بنو عبد مناف في الجاهلية قالوا نحن أحق باللواء والحجابة والندوة من بنى عبد الدار، فتفرقت عند ذلك قريش وعبد الله بن جدعان التيمي حي، وقال بعضهم والله لا يرد أمر قصي فنصرت بنو مخزوم وجمح وسهم وعدي بنى عبد الدار وتحالفوا عند الكعبة فسموا الأحلاف فلما رأت ذلك بنو عبد مناف حالفوا بنى أسد بن عبد العزى وبنى زهرة بن كلاب وبنى تيم بن مرة وبنى الحارث بن فهر فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان وجاءهم عبد الله بآنية فيها طيب فغمسوا أيديهم فيها، ويقال أخرج إليهم الطيب إحدى بنات عبد المطلب، ويقال إنهم وضعوا الطيب في المسجد وغمسوا أيديهم فيه ثم مسحوا الكعبة، وتحالفوا أن لا يسلم بعضهم بعضا فسموا المطيبين فحصلت خمس قبائل بإزاء خمس، فسموا أولئك الأحلاف، وهؤلاء المطيبين. قال عمر بن أبى ربيعة المخزومي، ويقال عبيد الله بن قيس الرقيات يذكر المطيبين والاحلاف
ولها في المطيبين جدود ثم نالت ذوائب الاحلاف
إنها بين عامر بن لؤيّ حين تدعى وبين عبد مناف
وبعث رسول الله ﷺ وقريش تؤرخ بموت هشام بن المغيرة المخزومي والفيل وقد ذكر للابراهيميين تواريخ كثيرة منها التاريخ بوفاة إبراهيم ثم بوفاة إسحاق
[ ١٨٠ ]
وفي الإسماعيليين من كان يؤرخ بوفاة إسماعيل وغير ذلك مما قدمنا فيما سلف من كتبنا شرحه فكان من آدم إلى الطوفان فيما ذكر أهل الكتب ألفان ومائتان واثنتان وأربعون سنة، ومن الطوفان إلى تبلبل الألسن بأرض بابل ستمائة وسبعون سنة، ومن تبلبل الألسن إلى ولادة إبراهيم أربعمائة وإحدى عشرة سنة، ومن ولادة إبراهيم إلى وفاة موسى ﵇ خمسمائة وخمس وأربعون سنة، ومن وفاة موسى إلى ابتداء ملك نصر تسعمائة وثمان وسبعون سنة ومائتان وستة وأربعون يوما، ومن ابتداء ملكه إلى أن ظهر على بنى إسرائيل فسباهم إلى بابل إحدى وثلاثون سنة وأربعة وثلاثون يوما، فمن وفاة موسى إلى سبى نصر لبني إسرائيل ألف سنة وتسع سنين واثنان وثلاثون يوما، ومن سبى نصر لبني إسرائيل إلى ولادة المسيح ﵇ تسعمائة سنة وثمان سنين وسبعة وثلاثون يوما، ومن ولادة المسيح إلى هجرة نبينا ﷺ ستمائة سنة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وأحد وستون يوما، فذلك سبعة الاف سنة وثلاثمائة وثلاث وعشرون سنة وأحد عشر شهرا وعشرة أيام وذهب آخرون من أصحاب التواريخ إلى أن من آدم إلى ابتداء ملك نصر أربعة آلاف وثمانمائة سنة وأربعين سنة ومائتين وثمانية وأربعين يوما بالسنين الفارسية التي هي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع ومن ابتداء ملك نصر الى غلبة الإسكندر لدارا بن دارا أربعمائة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وتسعة وعشرون يوما، ومن غلبة الإسكندر إلى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وإحدى عشرة سنة ومائتان وستة وستون يوما، وهذه هي مدة ملوك الطوائف عند هؤلاء ومن قيام أردشير إلى ابتداء تاريخ يزدجرد أربعمائة وسبع وثلاثون سنة وثمانية وعشرون يوما، فمن آدم ﵇ إلى ابتداء ملك يزدجرد ستة آلاف سنة
[ ١٨١ ]
ومائتان وخمس وعشرون سنة وثلاثمائة وثمانية وثلاثون يوما الباقي إلى تمام سبعة آلاف سنة للعالم سبعمائة سنة وأربع وسبعون سنة وستة وعشرون يوما وجملة السنين من هبوط آدم ﵇ من الجنة إلى هجرة النبي ﷺ على ما توجبه التوراة التي نقلها، لأبطلميوس الملك إلى اللغة اليونانية، اثنان وسبعون حبرا من أحبار اليهود بالإسكندرية من أرض مصر، وأجمعوا على صحتها على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، في أخبار ملوك اليونانيين ستة آلاف سنة ومائتان وست عشرة سنة وبين هذه السنين وما يوجبه حساب التوراة العبرانية تفاوت كثير وكذلك نسخة التوراة التي بأيدي السامرة، وهم الكوشان والدوستان من اليهود بأرض فلسطين والأردن بينها وبين هاتين أيضا تفاوت بعيد، وقد ذكر عدة من مستأخرى أصحاب السير والتواريخ، أن من آدم الى نوح ألف سنة ومائتي سنة، ومن نوح الى إبراهيم ألف سنة ومائة سنة وثلاثا وأربعين سنة، ومن إبراهيم إلى موسى خمسمائة سنة وخمسا وسبعين سنة، ومن موسى إلى داود خمسمائة سنة وتسعا وسبعين سنة، ومن وفاة موسى إلى ملك الإسكندر ألف سنة وأربعمائة سنة وسبع سنين، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاثا وخمسين سنة، ومن عيسى إلى نبينا محمد ﷺ ستمائة سنة.
قال المسعودي: وفيما ذكرنا تنازع كثير بين الأسلاف والأخلاف من الأمم ومن عنى بتواريخ الأنبياء والملوك، قد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وفي كتاب (فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف) وفي كتاب (الاستذكار، لما جرى في سالف الأعصار) وغيره، وإنما نذكر في هذا المختصر لمعا وجوامع استذكارا لما تقدم من كتبنا فلنذكر سنى الأمم الشمسية والقمرية وشهورها وكبسها ونسيئها، لاتصال
[ ١٨٢ ]
ذلك بما ذكرناه والحاجة الداعية إلى معرفته