قال: وكان لقمان يومئذ بالسراة - فبينما لقمان يبكي نفسه تحت شجرة - إذ سمع مناديًا ينادي: يا لقمان بن عاد اطلع الصفا تجد عند العرتون شرفًا تصادف فيه خلفًا وشبحًا مأمورًا يطيعك منصفًا لمن تجد عنده خلفًا واسمه خلف واقبل بالحياة نصفا.
قال: فطلع لقمان رأس الجبل، فوجد وكر نسر فيه بيضتان قد تفلقتا عن فرخيهما، فاختار أحد الفرخين، وعقد في رجله سيرًا ليعرفه
[ ٣٧٢ ]
به، وسماه خلفًا، ثم قال: أنت الخلف كما وصفك من وصف احترازًا من التلف وأبقى مما قد سلف ولك عندي أفضل النصف. وكان لا يغفل عن إطعامه حتى نهض طائرًا مسخرًا له، يدعوه للطعام فيجيبه، حتى إذا أدركه الكبر وضعف ولم يقدر أن يطير، أخذ له لقمان قفصًا يحمله فيه حيثما توجه ويطعمه فيه - ويقال إنه يا معاوية أول من حمل طائرًا في قفص - فينما لقمان في مجمع عكاظ ومعه نسره ذلك في قفصه، إذا اجتمع إليه من حضر من العرب بعكاظ وطلبوا إليه أن يريهم نسره. فبينما هم
يلبونه وينظرون إليه إذ مات النسر في أيديهم وبينهم، فاغتم لقمان لموته وجزع عليه جزعًا شديدًا وانحل جسمه وقافي ذلك شعرًا:
يا نفسي أبي عليه أن تجدي عند اختياري أن عندي لك النصفا
اخترت من هفوتي بلا حدث ولا احترام متى لك التلفا
عليك ابكي إذ صرت نصب الردى ولست ابكي بعبرتي خلفا
أيقنت أن النفوس لاحقة لا شك في ذا كم بمن سلفا
والموت لاشك فيه يطلبني وهو مدركي وملحقي قرفا
عيناي لا تبخلا بد معكما علي بل فاهطلا به وكفا
وأسعداني بمسيل سرب محدرًا دانيًا ولا تقفا
فمن عليه يجود دمعكما بعدي بإدراره وإن نزفا
واستعبرا بالدما بقاءكما ولا تضنا به فقد أزفا
موتي فجودا لمهبع درر من نهر جرت بالشيخ معترفا
ثلاثة كلهم قد كن لي حزنا وصيرت نفسي للردى لها هدفا
فما نجاتي من مدركي هربا ومن غلوب علي قد عكفا
فالقلب مني لخوف سطوته واحدة في الوقت قد رجفا
والخوف منه أن سوف يلحقني في غفلتي سادرًا قد التحفا
[ ٣٧٣ ]
وكان عمرو بن نمارة بن لخم ملكًا من ملوك العرب في ذلك الزمان - وكان قد شهد عكاظ بجنوده يوم هلك نسر لقمان بن عاد الذي سماه خلفا - وكان عمرو بن نمارة قد عرف أمر لقمان فقال في شعر له، وهو يعظ قومه يذكر لقمان بن عاد:
أنعم الرأي ليس ذو أرب يدعى إلا بما قد رأى
كونوا لدى الحزم والتوكل ما لاقاه أتى وإن فلا صبرا
أنتم كلقمان في بينكم أمسوا كما يمسي لم يكن صغرا
فمن رأى منكم الملوم ومن لاقى سرورًا يقول قد ظفرا
في أمر لقمان عبرة لكم إذ قال نسرًا يختار أو بعر
في كهف طود ولا ترى أبدًا وطأة وأط ولا ترى مطرًا
أو أنسر سبعة لها أمد يفنى فقال الشقي بل أنسرا
ففاته الخلد إذ تخيره يفنى كفاكم بذاكم عبرا
خير فاختار جاهدًا تلفا فصار للموت والردى جزرا
من ذا إليه حوى مناه ومن عنه بما احتال يصرف القدرا
والخير والشر ملك مقتدر كلا بعز وقدرة قهرا