٢- قضية أصل الساميين وشبه جزيرة العرب:
أ- ملاحظات مبدئية:
الحديث عن أصل عنصري واحد كأساس للتشابه أو التقارب الكبير بين الشعوب التي اصطلح الباحثون، خطأً أو صوابًا، على تسميتهم بالشعوب السامية يصبح، إذن، حديثًا غير وارد في ضوء الأدلة العلمية التي أسلفت الإشارة إليها. ولكن مع ذلك فيبقى التقارب اللغوي الكبير بينها، وهو أمر لا يمكن أن نسقطه من حسابنا، إذ هو يدل بدوره على تقارب كبير بين هذه الشعوب في صورة أو في أخرى، وهو تقارب يشير في رأي غالبية الباحثين إلى منطقة أولى أو موطن أصلي وجدت فيه مجموعة بشرية تتحدث لغة واحدة يمكن أن نطلق عليها "اللغة الأم" لكل اللغات السامية، ثم انطلقت جماعات من هذا الموطن الأصلي بشكل أو بآخر إلى بقية الأماكن التي ظهرت فيها في الفترة التاريخية الشعوب التي تتحدث باللغات السامية المنبثقة من هذه اللغة الأم.
ولنحاول الآن أن نناقش الآراء المختلفة في هذه القضية، وإن كنت أود قبل أن نقدم على هذه المناقشة أن أبادر بذكر تحفظين رئيسيين: أولهما هو أن الحديث عن موطن أصلي للغات السامية لا يفترض "بالضرورة" وجود مثل هذا الموطن الأصلي، وإنما هو في رأيي لا يعدو أن يكون "احتمالا" قد تثبت صحته وقد لا تثبت. ودليلي على هذا هو ما نلاحظه على مجموعة أخرى من اللغات المتشابهة أو المتقاربة، وهي مجموعة اللغات "الآرية" أو الهندوأوروبية" التي تنتشر في نطاق يمتد من شمالي شبه القارة الهندية إلى شمالي غرب شبه القارة الأوروبية، لا تعني بالضرورة موطنًا أصليًّا انتشرت منه أصول هذه اللغات وإنما قد تعني تدرجًا في التأثر نتيجة ظروف كثيرة أخرى.
[ ٤٩ ]
أما التحفظ الثاني فهو أننا حتى إذا افترضنا وجود موطن أصلي لمجموعة بشرية كانت تتحدث اللغة السامية الأم، فإن انتشار هذه اللغة في المناطق المحيطة بها ليس معناه أن الجماعات التي حملتها معها أصبحت وحدها تشكل الشعوب السامية، وإنما كل ما هناك أنها نشرتها بين أقوام أخرى كانت موجودة في هذه المناطق وانتهت إلى اتخاذ هذه اللغة لسانًا لها لسبب أو لآخر بعد أن طبعتها بالتراث المحلي لمجتمعاتها وباحتياجات هذه المجتمعات وشتى ظروفها الأخرى. ومن هنا فإن حديثي عن الموطن الأصلي المفترض للساميين والأدلة التي تشير إليه سيكون من منطلق انتشار اللغة وليس من منطلق وحدة العنصر.
والافتراضات التي ظهرت حتى الآن متعددة ومتداخلة في كثير من الأحيان، ولكنها تقوم على أساسين: أولهما هو التشابهات اللغوية التي تظهر بين بعض المناطق وما قد يدعم هذه التشابهات من ظروف تاريخية أو جغرافية تشير، تقريرا أو احتمالا، إلى تحركات أو معاملات أو تأثيرات بين الجماعات البشرية، وترجح أن تكون هذه التحركات أو المعاملات أو التأثيرات قد اتخذت طريقا دون الآخر. أما الأساس الثاني فهو ما قدمته التوراة من حديث عن أبناء نوح "سام وحام ويافث" وعن الأماكن التي حلوا بها.
[ ٥٠ ]