اجتمع من كان سلم من الفرنج ونجا على ملكهم الذي خلص من الأسر، وقالوا: نحن في جمع جم خارج عن الحصر، وقد تواصلت إلينا إمداد البحر، فثربنا للثار، وأعرنا من هذا العار.
وجاء من كان بطرابلس وخيموا على صور، وفارقوا بالاستطالة القصور. وجرت بين المركيس المقيم بها وبين الملك مراسلات، وحالت بين اتفاقهما حالات. فلم يمكنه من دخول البلد، ولج معه في اللدد. واحتج بأنه من قبل الملوك الذين من وراء البحر، وأنه منتظر لما يبرمونه من الأمر، ويصله من الأمر. ثم اتفقوا على أن يقيم بصور المركيس، ويدوم منه لمللكهم التأسيس؛ ولملكهم التأنيس. وأنهم يجتمعون على حرب المسلمين وقتالهم، ويتسارعون على رم ما تشعث من أحوالهم، ويتعاقدون على حل إشكالهم، ويتعاضدون في تسديد اختلالهم. ويقصدون بلدا إسلاميا من الساحل، ويقيمون عليه بالنوازل إقامة المنازل. والمركيس بمدهم من صور بالمدد بهد المدد، وبجميع ما يحتاجون إليه من الميرة والأسلحة والعدد. فأجمعوا على هذا الرأي، وبلغوا في الغي إلى هذه الغاي. وشرعوا فيما شرعوه، وفرعوا ذروة الأصل الذي فرعوه.
ووصل الخبر يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى من اليزك، أن جمع الفرنج قد نهض كالليل المعتكر، وأنهم
[ ١٥٦ ]
على قصد صيداء للحصر، وقد جسروا على عبور الجسر. فركب السلطان في الحال فيمن خف من ثقال الرجال، وأقتال القتال، واطلاب الأبطال.
وانجاد الأجناد، وأجلاد الجلاد، والباذلين المهج للجهد في الجهاد. ووصل إلى الملتقى والشغل قد فرغ، والسيل قد بلغ. والصدمة قد وقعت والوقعة قد صدمت، والثورة قد ثأرت، والسورة قد أسأرت. فإن اليزكية لما شاهدت جاهدت، وتعاقدت على لقائهم وتعاضدت. وخالطتهم وباسطتهم، وواقحتهم وواقعتهم، وجالدتهم
وجاولتهم، وحاردتهم وحاولتهم. وردتهم مفلولين مخذولين، وصدتهم مهزومين مثلومين. وقسرتهم وكسرتهم. وأسرت سراتهم، وبزت بزاتهم، وقنصت عقبانهم، وقصمت شجعانهم. وصادت صيدهم، وفرست فرسانهم. ووقع في الأسر من سباعهم سبعة، وغودرت للنسور من أشلاء المارقين بالمأزق شبعة.
واستشهد من المماليك الخواص (أيبك الأخرش) وقد كان شهما بالوقائع يتحرش، وثبتا بالروائع لا يتشوش، وأيسا بالحوادث لا يتوحش، وكميا كميشا بالكوارث لا يتكمش. وانفصلت الحرب قبل وصول السلطان وكانت الدائرة على أهل الشرك والطغيان.
وعاد السلطان إلا خيم ضربت له بقرب اليزك، وقال لعلهم يعودون إلى ذلك المعترك، فنستدرك ما فرط من استئصالهم واجتثاثهم، وقد ندم الفرنج على ما ندر من اجترائهم وانبعثائهم. وأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر، والإسلام بقوة ظهوره على الكفر قوى الظهر، وركب في ذلك اليوم، ليطلع من الجبل على القدم. ولم يكن له نية القتال، فلم يستصحب معه من يستظهر به من الرجال. وتبعه راجل كثير من غزاة البلاد بغير علمه، وظنوا أن السلطان إنما ركب للقتال وعلى عزمه. وكان الفرنج قد بصروا بالراجل فطمعوا فيه، ثم ظنوا أن وراءه عسكرا في الكمين يحميه. وأنفذ السلطان بعض الأمراء إلى الغزاة الرجالة ليعودوا فما قبلوا، وحمل عليهم العدو فأسروا وقتلوا. وختمت بشهادة أولئك السعداء تلك العشية، ونفذت من الله في استشهادهم المشية. وحمل الحاضرون من الأمراء والعسكرية على الفرنج حملة أردتهم وردتهم. وصدفتهم عن الجرأة وصدتهم. وتزاحموا على الجسر فغرق منهم زهاء ثمانين في النهر. وكان يوم علينا ولنا، جنى المنا وأجنى أملنا. وللحرب رجال والحرب سجال. ولم يكن لأولئك الغرباء بقتال الفرنج دربة، وإقدامهم على العدو لله قربة. فخاضوا من الدم في اللجج،
واعتاضوا الجنة من المهج.
وممن لقي بالشهادة؛ وختم له بالسعادة؛ (الأمير غازي بن سعد الدولة مسعود بن البصارو) كان شابا لنار الحرب شابا، ولدين الرب رابا. ولما شاهد ما تم من الغزاة؛ انقض في أصحابه على الفرنج انقضاض البزاة. فدعته حنته، وإلى طعنة لبتها لبته.
[ ١٥٧ ]
فاحتسبه عند الله والده، وكدرت عليه موارده. وأوجد جمعنا الأسى على فقد ذلك الواحد، وساء عدم الساعد، وبتنا نشكر مساعي ذلك المساعد. وضاقت القلوب، وفاضت الكروب. وألم البوس، وألمت النفوس.
وهذه وقعة ندرت، وواقعة بدرت، ونذير حدث وحادثة أنذرت. فلم يصب الكفار من المسلمين مذ أصيبوا غير هذه الكرة، وأذاقونا بعد أن حلا لنا جنى الفتوحات مرارة هذه المرة، فأيقظتنا من رقدة الغرة. وأخذ الناس حذرهم ونذروا وعقدوا على الانتقام نذرهم. ثم رجعوا إلى الله وقالوا: بهذا وعد الله حيث قال (فيقتلون ويقتلون)، وعبادة هم الذين يتبعون أمره ويمتثلون.
ثم قويت عزمة السلطان على قصدهم في مخيمهم، وكسبهم في مجثمهم. وعبور الجسر إليهم، والإحداق بهم من حواليهم. وشاع صيت هذا العزم وصوته، وأسرع الناس إلى موسمه وخشي فوته. وتسامع أهل البلاد بتصميم عزيمة الجهاد. فتباشروا وتبادروا، وتسابقوا وتسارعوا. وأتوا من كل فج، وجاءوا من كل نهج. وسألوا في كل واد، وجالوا في كل يفاع ووهاد. ووافت مطوعة دمشق وحوران، يجرون إلى مر الموت ويجرون المران. وتوافد من بالبرج والغوطة، على الحالة المغبوطة، وقالوا: هذا أوان إحضار الضوامر المربوطة.
واجتمعت (بمرج عيون)، جموع مرجت العيون. فخافت الفرنج من هذا الجمع، وأنافت على القمع. وتعكست إلى سور صور، وعاين أولئك البور الثبور. وتحرزوا وتحرسوا، وتوجلوا وتوجسوا. فاقتضت الحال تأخير قصدهم، ليتمكن
على غرتهم حشدنا من حصدهم.
وعاد العسكر إلى المخيم وسار السلطان إلى (تبنين)، صبيحة يوم الخميس السابع والعشرين. لتنقد أحوالها، وتؤمل أعمالها، وعرض رجالها ثم صار منها إلى عكاء جريدة، ورتب في عمارتها وولايتها أحوالا سديدة. ووصى رجالها بالاحتياط والتحفظ، والاستظهار والتيقظ. وأسرع عودته إلى العسكر، عظيم المفخز، كريم المعشر، موفق المورد والمصدر، مقرظ المنظر والمخبر. وأقام إلى يوم السبت سادس جمادى الآخرة، وبحر مخيمه يموج بأمواج العساكر الزاخرة.