ووصل الملك العادل سيف الدين من مصر منتصف شوال، في جيش آل، وجمع حال. وشوكة رائعة وشكة رادعة، وشارة سارة، وديمة من البأس دارة. وعدة منتخية منتخبة، وعدة منتقاة مهذبة. من كل أجدل على مرقب، وأجود على جواد مقرب. وصاف عتيق على صافن عتيق، وطود على طود ونيق على نيق، وصقر على سوذنيق. وبحر على صابح، وجذع على قارح. ومن كل رئبال على تتفل، وأغر محجب على أغر محجل. ومن كل أبيض ضرب بالبيض ضراب، وكل أسمر باسل بالسمر سلاب، وكل أروع يحمل يراعا، وكل شجاع يعتقل شجاعا. وكل أحمى أحمس، وكل أفرى أفرس. ومن كل أسد خادر، وقسور قاسر. وضيغهم ضاغم، وقمقام واقم. وليث به لوثة، وحدث له في الشهامة أحدوثة.
وأحضر معه من سودان مصر كل ذمر كأنه العبسي عابس، وكل مغامر للموت مغامس. وكل غربيب حلكوك، وكل سرحان صعلوك. وكل ضرغام غريفي، ومقدام ريفي. وكل خارج لثار، وكل مارج من نار. وكل اسود سالخ، وكل رأس في الشر راسخ.
وجاءوا بالغبسة القبطية، والترسة اللمطية، والصلال القفطية.
والإلال النوبية، والحراب الحربية، والصعاد الصعيدية. والصوارم المذروبة، والصرائم المشبوبة. والأسنة المسنونة، والصوابغ الموضونة.
[ ١٨١ ]
والسراحين السارحة، والثعابين الجارحة. والتماسيح المزدردة، والشياطين المتوقدة. والزانات والزنيات، والهنديات واليمانيات.
وكان يوم وصول العادل مشهودا، لم يترك في كل ما يراد من القوة مجهودا.
وأقبل في روع ظاهر وضوع باهر. وبشر ذائع، ونشر ضائع. وحبور تام، وسرور عام. وهزة وطرب، وعزة وأرب. وقلنا: سيف الدين المنتضى، وناصر الإسلام المرتضى، وغياث الأنام المرتجى، وسلطان جيوش المسلمين المجتبى. لقد نص النصر، وكف الكفر. وسلم الإسلام، ونام الأنام. وأمن الإيمان، وتسلط السلطان. وحليت الأحوال وفرغ البال، وبلغت الآمال، ونيل رجاء الرجال، وأزيل إبطاء الأبطال. ووردت زناد الأجناد، ورويت ظماء الصعاد. فما بعد اليوم إلا بعد القوم. وإدراك ما استقام من النهج، وهلاك من أقام من الفرنج.
ونزل الملك العادل في مخيمه، وقدم اليمن بمقدمه. وتقدم السلطان إلى راجل دمشق والبلاد فحضر، وضايق الفرنج به وحصر. ولم يخل العدو في كل حين من حين، وفي كل وقت من مقت؛ وفي كل شأن من شين. وفي كل بقعة من وقعة، وفي كل صقع من صقعة. وفي كل ليلة من بلية، وفي كل سحرة من كيسة بالكناية فيهم ملية. والملك العادل يركب في كل يوم ويبلى ومن جهده في القتال لا يخلى. والفرنج على البلاء صابرون، وللعناء والعناد مكابرون لا يبرزون ولا يبارزون، ولا يجاوزن خنادقهم وهم فيها متحادزون.