صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي ضاعف الله علاءه، وظاهر آلاءه، وضافر نعماءه وأظفر بالنجح رجاءه، وأضعف حساده وأعز أولياءه، وأذل أعداءه. ولا زالت أيامه بالأيامن مسفرة، ولياليه بالمحاسن مقمرة، ومكارمه بالمحامد مثمرة، وعهود مواليه بشكر النعم محكمة ومعاهد معاديه بقهر النقم مقفرة. دالة على البشرى بالفتح الأكبر، والنجح الأزهر، والنصر الأشهر، والعصر الأبهر، والفضل الأكثر، والإفضال
[ ١٠٤ ]
الأوفر، واليوم الأنور، واليمن الأنضر، والفجر الأسفر، والفخر الأظهر، والجد الأشم الأشمخ، والمجد الأبلج الابلخ. والعز الاسمق الأسمى، والنور الأنم الانمى. والظفر الأجل الأجلى، والوطر الأحل الأحلى. والشرف الاسنم الأسنى، والعزم الأغنم الأغنى، والسعد الأجد الأجدى، والصيت الأبدى الأبدى.
وهو الفتح الذي تفوح بمحابه مهاب الفتوح، وتبوح بسر روحه وملكه سرائر الملائكة والروح، وتروح وتغدو غوادي النعم وروائحها إلى روض الهدى المروج، وتلوح تباشير بشراه في لوح الدهر لكل مؤمن يتلقاها بالوجه السافر والصدر المشروح، وتنوح ناعية الكفر في كل ناحية ولكل نادبة للأسى على قتيلها وأسيرها ندوب في القلب المقروح.
وهو فتح بيت الله المقدس الذي غلق نيفا وتسعين سنة مع الكفر رهنه، وطال في
أسره سجنه، واستحكم وهنه. وقوى نكره، وضعف ركنه. وزاد حزنه، وزال حسنه، وتجدبت من الهدى أرضه، واخلف مزنه، وواصله خوفه، وفارقه أمنه، واشتغل خاطر الإسلام بسببه، وساء ظنه، وذكر فيه الواحد الأحد، الذي تعالى عن الولد، أن المسيح ابنه، وأربع فيه التثليث فعز صليبه وصلبه، أفرد عنه التوحيد فكاد يهي متنه.
ودرج الملوك الأقدمون على تمني استنفاذه فأبى السلطان غير استيلائه واستحوتذه، وكان في الغيب الإلهي أن معاده في الآخرة إلى معاذه وأن نفاد ليل الشرك بإسفار صبح أمرنا وإشراق مطالع نفاذه. ودخر الله هذه الفضيلة لنا ولهذا العصر، وأنزل على نصلنا نص النصر، واطلع لليل عزمنا فجر الفخر، ووفقنا لوصل أسباب الإسلام وقطع دابر الكفر.
وذلك أنا استفتحنا سنة ثلاث وثمانين بقمع أهل التثليث، وأصرخنا الإسلام بالجد المنجد والعزم المغيث. وخرجنا من دمشق في المحرم، في العزم المصمم، والرعب المجهز إلى الكفر والبأس المقدم. وكنا أشفقنا على طريق الحج من قصد الفرنج فشغلناهم عن القصد بقصدهم، وتصدينا لجهادهم بردهم عن المراد وصدهم. وأقمنا بظاهر بصري مخيمن على ست الكرك، وقدمنا الطلائع إلى المناهل ونظمنا سلك إمدادهم في ذلك المسلك حتى وصل الحاج سالما، وذل الكفر عن قصده راغما.
ولما فرغ القلب من شغله؛ وفاز كل بجمع شمله بأهله؛ سرنا إلى الكرك في الأمراء والمفردين الخواص، وشفعنا للجهاد في سبيل الله الفاتحة بالإخلاص. وقد كنا استدعينا العساكر والجموع للجهاد من جميع الجهات، وترقنا توافيهم بالميقات. وامرنا ولدنا الملك الأفضل أن يقيم برأس الماء. ويكون في خدمته جميع الأمراء. وسرنا إلى الكرك والشوبك فأخربنا عمارتها، واحرقنا غلاتها، وقطعنا ثمراتها.
وأزعجنا ساكنيها، وأخفنا آمنيها، وأجلينا عنها فلاحيها، وأقمنا النوائح عليها في نواحيها.
[ ١٠٥ ]
ووصل إلينا ونحن بالقريتين العسكر المستدعى من الديار المصرية، فقويت به قلوب الأمة المحمدية. واجتمع بالمخيم الأفضلي، برأس الماء من وصل من العساكر الشامية والفراتية، والجزرية والموصلية والديار بكرية. فانتهز ولدنا هناك فرصة الإمكان، وأنهض إلى الكفر سرية سرية من أهل الإيمان. فساروا سارين، وأغاروا غارين واخذوا ونهبوا، وسبوا وسلبوا. فلم يشعروا إلا وجموع الكفر قد سدت عليهم الطريق، وأخذت دون خروجهم إلى السعة المضيق، فثبتوا ثبوت الجبال بالرياح العواطف، وشرعوا إلى عرانين الكفر أسنة الرماح القواصف.
وكان مقدم عسكرنا (مظفر الدين بن زين الدين) ومعه مملوكنا (قايماز النجمي صارم الدين). فلقيا بصدريهما صدور العوامل، وحملا في عسكرنا على الفارس والراجل. وحصل الفرنج منهم في دائرة الردى، وخذل الضلال ونصر الهدى. وكثر من الفرنج القتلى والأسرى، وعاد المسلمون بالمسرة العظمى والمبرة الكبرى، واتصلت بنا ونحن في بلاد الكرك البشرى، وشكرنا الله على نصرته الأولى وقلنا هذه مقدمة الأخرى.
ولما قضينا الوطر من تلك البلاد، ووفينا بإحراق افوات أهل النار بالنار حق الجهاد، اجتمعنا بأصحابنا القادمين من مصر، وتناصرت لدينا دلائل الظهور وتظاهرت إمارات النصر، وعدنا إلى الشام؛ وقد تكاملت به جموع الإسلام؛ وزخر بحر الفضاء بأمواج الأعلام وطفا على اثباج لجة حباب الخيام؛ وقد فض الفضاء ختام القتام. وعلق بالفلق من ذلك الفيلق غرام الرغام. فخيمنا بعشترا شهرا؛ وقد أعدنا بشهر بنات الغمود سرها جهرا؛ وخطبنا من الله الكريم فتح بكر جعلنا بذل المهج لها مهرا.
وقد سمع الفرنج بجمعنا فجمعوا؛ ونادوا في بلادهم فأسمعوا. واجتمعوا على صفورية من صفر، وحشروا في تلك الأشهر من جمعهم في المحشر جموع سقر. واخرجوا صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت. فتهافت إلى شعلة ناره فراشهم، وتوافى إلى ظلة ضلاله خشاشهم. وقاموا وقيامة رعبهم قائمة، وسوابح جردهم في بحر العجاج عائمة. وطلائعهم سارية وسراياهم طالعة، ومقدمات رعبهم منا السائرة لجنوبهم وقلوبهم مقضة خالعة.
فلما تكامل منا الجمع؛ وأخذ بعجاجه وعجيجه على الآفاق البصر والسمع؛ عرضنا عساكرنا في يوم يذكر بيوم العرض، ويتلو مشاهده لنزل الملائكة (والله جنود السماوات والأرض)، في رايات خافقة كقلوب الأعداء، عالية كهمم الأولياء، وسرنا في جموع ضاق بها واسع الفضاء، وسار في كتائبها نازل القضاء، وسحب ذيل الأرض بمثار نقعها على السماء. وقطعنا الاردن وتأييد الله مواصل، وقدره بأقدارنا على الأعداء كافل. فما ألمنا بطبرية حتى فتحناها بالسيف،
[ ١٠٦ ]
ودخلناها دخول المغير لا دخول الضيف. وتسلمنا المدينة، ونازلنا قلعتها البكر الحصينة. وذلك يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر، والخميس يوم الخميس. وأسد الوغى قد اتخذت من وشيجها العريس.
هذا والملك العادل عنا غائب، ومعه أيضا بمصر كتائب، وتوفيق الله له مصاحب. وكنا عزمنا قبل قصد طبرية، أن نلاقي الفرنج على صفورية. في مركزهم ومجتمعهم، ونلابسهم في مخيمهم. فحين نزلنا من الثغر بالاقحوانة؛ وتمكنا من الله بالاستنجاد والاستعانة، ركبنا قبل قصد طبرية إلى الفرنج في مجمعهم، وأشرفنا عليهم في موضعهم. فما برحوا من مكانهم، ولا تحركوا برجالهم ولا فرسانهم.
وارتدنا في صحراء لوبية موضعا للمصاف واسعا، وفضاء لمازق الجمعين جامعا. وبتنا هناك بأطلاب الأبطال ميمنة وميسرة، ووجدنا بتأييد الله أسباب
الظهور ميسرة. وجئنا في خواصنا والجاندارية، ونزلنا في العدة المجردة على طبرية. وأخذ النقابون ساعة النزول في النقب، فصرع قائم سورها للجنب، ودخل الناس إليها ليلا للنهب. وكانت ليلة مدلهمة معتمة، وأرجاء المدينة مظلمة، فأشعلوا وأوقدوا، ودخلوا الدور وتفقدوا ما لم يفقدوا.
وكانت بها حواصل من زفت وكتان علقت بها النار، فاحترقت تلك المساكن والديار. وتحصن أهلها بقلعتها، وتمنعوا بمنعتها. فأصبحنا على حصرها، وسلكنا جدد الجد في أمرها.
فجاءت رسل الأمراء أن الفرنج قد تحركت، وانزعجت لكون عقيلتهم من طبرية تملكت، وأدركهم الندم كيف تركت وما أدركت. وأنها قد عبت جنودها، وشبت وقودها، ولبت نداء جموعها، وصبت عليها ماء دروعها. وغاضت في غدران سوابغها السابرية، وفاضت ببحار سوابحها الاعوجية.
وأن جمرهم قد استعر، وأن بحرهم قد زخر، وأنهم قد أتوا في عددهم وعديدهم، وحدهم وحديدهم، وخيلهم ورجلهم، وطلهم ووبلهم، وفارسهم وراجلهم، وأحزاب ضلالهم وأبطال باطلهم. وأنهم حين عرفوا استيلاءنا على طبرية؛ وسبقنا بفضيلة فتحها البرية، غاروا على العقيلة السبية؛ وأشعلت نخواتهم نار الحمية، وساقوا (أنفسهم) إلى معترك الردى وملتقى المنية.
ولما عرفنا قربهم؛ قصدنا حربهم. وزحفنا اليهم، وأشرفنا عليهم. واللجب الساري كالجبل الراسي، وقد أفاض الحديد من قبله على الحجر القاسي. ولمعت بوارق بيارقه، وراعت طوارق طوارقه. وبرقت قوانس قوامصه، وارتعدت فرائض فرائصه. وأمكنت فرائس فوارسه، وباح الحديد على عوابسه بوساوسه. وماجت بحار سلاهبه، واشتعلت نيران قواضبه. وشدت الاجادل دون صوار صوارمه وسدت بعرض أفواجه فجاج مخارمه، وقرنت الالفات بلاماته، وظهر من خشره
يوم الحشر بعلاماته.
[ ١٠٧ ]
فاغتنمنا الفرصة في اللقاء، وهجنا إلى الهجاء. وأسرعت الأعنة، وأشرعت الأسنة. ونقع اوام الجو، وأجاب الصدى دوى الدو. وجال الجاليش، وطار السهم المريش. وعصفت رياح السوابق، واستعبرت عيون البوارق. ولقيناهم في عرموم عارم، ومحر جار وعوامل جوازم، وصواهل صلادم. وضراغن ضوار، وجوارح جوار. وأسود قد اعتقلت اساود، وجياد قد حملت أجاود. وسوابح قد أقلت بحورا، وصقور قد ركبت صقورا.
وأوقفناهم نهار يوم الجمعة وساكنهم لا يتحرك، وبازلهم لا يبرك. وصفهم لا ينفض، وجدارهم لا ينقض. وبنيانهم مرصوص، وطائرهم عن الطيران محصوص. حتى دخل الليل، وقر في الوادي ذلك السيل. وبات الفريقان على تعبيتهما، وإجابة داعي الموت بتلبيتهما.
وأصبحنا يوم السبت وأهل الأحد على حالهم، لم يريموا موضع قتالهم. وما زالت الحملات تتناوب، والاسلات تتواثب وتتثاوب. والسواعد بقرع الظبا سواع، والرواعف في زرع الطلى رواع. والمنايا تئن، والحنايا تحن. والبيض تصافح البيض صفاحها، والذكور لتاج الحرب العوان بالفتح البكر عند اللقاء لقاحها. والذوابل في اشاجع الشجعان ذواب، والصوارم بجوامح النيران شواب. وضمائر الغمود قد باحت بأسرارها، ونواظر الجفون قد تخلت عن غرارها.
ولما أحسوا بأسنا؛ وإمرار أمراسنا؛ والهجير يتلظى وقد وقع عليهم بناره، والاوام يتوقد ولا يتوقى اجراقهم بأواره، مالوا إلى طلب الماء، وأخذوا طريق البحيرة للاوتواء. فأخنا قدامهم ووقفنا أمامهم. وحلأناهم عن الورد، وألدأناهم إلى الردى بالرد. فاعتصموا بتل حطين وصرنا بهم محيطين. وتحكمت فيهم قواضي القواضب، ونشبت من النشاب بهم نيوب النوائب. وكان جمعهم جمرا وقد وقد، فصب عليهم السيف نهرا فخمد. وفضوا بالفضاء، وفرشوا بالعراء، وعب دأماء
الدماء، وغصت الفجاج بالقتلى والأسراء.
وأسر الملك وأخوه، والابرنس الكركي ومؤازروه، ووجوه الكفر ومقدموه. ومقدم الداوية وأعوانه، وصاحب جبيل وأعيانه. وهنفري ابن هنفري وابن صاحب اسمندرونه وصاحب مرقية.
ولم يفلت إلا ابن بارزان والقومص، وتم لهما من الورطة المخلص. وكان كلاهما ملهما عند اللقاء بالقتال، وعند الفرار بالاحتيال. فأما القومص فإنه لما مر بطرابلس أدركه الموت في برجه المشيد، ونقله القدر المبيد إلى عذابه المؤبد. وذل ذلك اليوم أهل الجبروت، وحيز صليب الصلبوت، وبار وباد أولياء الطاغوت، وهلك عبدة الناسوت واللاهوت، وملك عليهم القدر كتاب الأجل الموقوت.
وقدمنا الابرنس وضربنا وفاء بالنذر، وعجلنا به إلى النار مأوى أهل الغدر، وألحقنا به الداوية والاسبتارية، وأدرنا عليهم صبرا كؤوس المنية. وروينا ظماء الظبي من نجيعهم وقرينا سيد الفلا من صريعهم.
[ ١٠٨ ]
وعدنا إلى طبرية فتسلمنا قلعتها، وحللنا عقدتها، وفرعنا ذروتها، وافترعنا عذرتها.
ثم سرنا إلى عكاء ففتحناها بالأمان، وأعلنا بها شعار الإيمان. واستقرينا بعدها البلاد الساحلية من جبيل وحد طرابليس إلى الداروم غير صور فإنها امتنعت بسورها، ولم يبق في كأس انكفر غير سورها، وإنها وجدت فسحة في أيام اشتغالنا بفتح أخواتها، وكثفت من عدد المحاصرة آلاتها. وكنا لما فتحنا عسقلان بدأنا بالنزول على القدس، وذلك يوم الجمعة ثالث عشر رجب، فرجف بها قلب الكفر ووجب. وظن أهلها أنهم يعتصمون، وأنهم من بأسنا يسلمون.
فنصبنا عليهم منجنيقات هدت أحجار السور بسورة أحجارها، وآذان ركوعها بسجود الأبراج في إجبارها. ووفت الصخور باصراخ الصخرة، وعثرت تلك القلل بإقالة ما دام بها من العثرة. وكشف النقب ونقب الأسوار. ورمت الجنادل
جوانب ذلك الجدار، وعلم الكفار لمن عقبى الدار، وأيقنوا بالقتل والإسار.
فخرج مقدومهم متذللين بالاذعان، مبتهلين في طلب الأمان. فأبينا كل الاباء، الاسفك الدماء من الرجال وسبى الذراري والنساء. فخوفوا بقتل الأسراء، وإخراب العمران وهدم البناء. فأمناهم على قطيعة موازية لأثمانهم لو أسروا أو سبوا. فأمنوا من أن يسلبوا وهم على الحقيقة قد سلبوا. ومن وفي منهم بالقطيعة حرج بحكم العتق، ومن عجز عن أدائه دخل تحت الرق.
وعاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، ورجع بنيانه من التقوى إلى تأسيسه. وزال ناموس ناقوسه. وبطل بنص النصر قياس قسيسه. وفتح باب الرحمة لأهلها، ودخلت قبة الصخرة لفضلها. وباشرت الجباه بها مواضع سجودها، وصافحت أيدي الأولياء آثار القدم النبوية لتجديد عهودها. وشوهد مقام المعراج وموطئ براقه، ورئى نور الإسراء ومطلع إشراقه.
ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد، وامتلأ ذلك الفضاء بالأتقياء الاماجد. وطنت أوطانه بقراءة القرآن ورواية الحديث وذكر الدروس، وجليت هدى الهدى من الصخرة المقدسة جلوة العروس. وزارها شهر رمضان مضيفا لها نهار صومها بالتسبيح، وليل فطرها بالتراويح. وشفى الله بسقيا هذا الفتح كان دهم القلوب لأجلها من تيار التباريح.
فالبيت الحرام مساو للبيت المقدس، مفدى منا كلاهما من المهج والأنفس بالأنفس. وانه من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال والرجال. ويضيق عن وصف شرفها في حلبة البيان المجال. وهو للحرمين ثالث ولا تثليث في حرم توحيده، فتجدد جد الإسلام بتجديده.
ولما فرغ البال من تدبيره؛ وقضينا حق تقديسه وتطهيره؛ صرنا إلى صور، ونازلناها بعسكرنا المنصور. وفي صور سور الكفر وبقيته، وقد تحصن بسورها ومنعته
[ ١٠٩ ]
شرذمته. وهي مدينة حصينة، متوسطة في البحر كأنها سفينة. وقد نصبنا عليها المنجنيقات فنكأت فيها، ورمت من أعاليها، وهدمت من مبانيها. ولم يبق في جعبة الكفر سوى نشابها، وإن جمحت علينا فنصرة الله وعوائد تأييده لنا تؤذن بإصحابها، وإذا تسلمناها تسلمنا - بإذن الله - كل بلد للفرنج باق، وما لهم من عذاب الله واقع بهم واق.
ثم رأينا أن حصار صور يطول، وأن مسألة بيكار العسكر فيها تعول. وأن فتحها لا يفوت، وله وقته الموعود ووعده الموقوت. وكان العسكر قد ضجر ومل، وأعيا وكل. وقد دخل الشتاء وبرد الهواء. وجادت السماء، وتوترت الأنواء، وتواصلت الانداء. ولابد من استئناف جمع العساكر في أيام الربيع، واستمداد النصر الذي يضم لاستجداد الفتح شمل الجميع.
ورحلنا عنها بعد أن رتبنا ولها، في الثغور المجاورة لها؛ من يديم شن الغارات عليها، ويواضب على النهوض إليها. وفسحنا لأجنادنا في الاستراحة مدة شهرين إلى النيروز. فإن في تلك الأيام تتوفر العزائم على المبارزة والبروز. وقد جرت المواعدة على المعاودة، والمعاقدة للمعاضدة والمعاهدة للمساعدة. فليس في الفرنج من يقاتل الآن على الخيل، والنهار عليهم في إظلام الليل، والعز متقلص الظل عنهم والذل ضافي الذيل وقد حزب حزبهم من حربنا مثير للحرب والويل.
وقد اشتمل الفتح على البلاد المعينة، والمعاقل المبينة، وهي: طبرية، عكاء، الزيب، معليا، اسكندرونة، تبنين، هونين، الناصرة، الطور صفورية، الفولة، جينين، زرعين، دبوريه، عفر بلا، بيسان، سمسطية نابلس، اللجون، ريحا، سنجيل، البيرة، يافا، ارسوف، قيسارية، حيفا، صرفند، صيداء، قلعة أبي الحسن، جبل جليل، بيروت، جبيل، مجدل يابا، مجدل حباب، الداروم، غزة، عسقلان، تل الصافية، التل الأحمر، الاطرون، بيت جبريل، جبل الخليل، بيت لحم، لد، الرملة،
قرتيا، القدس، صوبا هرمس، السلع، عفرا، الشقيف، ولم نذكر ما تخللها من القرى والضياع، والأبراج الحصينة الجارية مجرى الحصون والقلاع.
ولكل واحدة من البلاد التي ذكرناها أعمال وقرى ومزارع، وأماكن ومواضع. قد جاس المسلمون خلالها، واسترعوا ثمارها وغلالها. وقد كنا عند قصدنا البلاد؛ وعرضنا للجهاد الاجتاد؛ كاتبنا أخانا الملك العادل سيف الدين أن يدخل بالعساكر المصرية من ذلك الجانب، وينتظر كتابنا بنصر هذه الكتائب. فلما بشر بكسر الفرنج طبرية وعكا، والظفر الذي أضحك الأولياء وأزعج الأعداء وأبكى؛ وتلى عليه (قد أفلح المؤمنون) و(قد أفلح من تزكى)؛ كان وصل إلى السوادة قس سواده وبياضه، وبحار جيشه وبراضه وورد من مورد النصر إلى حباضه. فجاش بجيوشه، وجاز العريش بعريشه، وزار دار الداروم بدمورها، وأجفلت
[ ١١٠ ]
قدامه البلاد في كل من اعتمد عليه بأمورها.
ووصل إلى يافا ففتحها عنوة، ونال العسكر منها بالنهب والسباء خطوة. ثم حضر مجد يابا وحصرها، وطلبت منه الآمان فأنظرها. وكتبنا إليه بالإقامة في ذلك الجانب، ماضي العزائم قاضي القواضب. وأن يستفتح من البلاد ما يتعجل فتحه، ويقدم من الرجاء ما يتيسر نجحه، إلى أن نفتح ما في جانبنا من البلاد ونتسلمه، وننتهز فرصة الإمكان فيما نحن بصدده ونغتنمه.
وقد كنا أنهضنا إلى كل بلد من الناصرة وصفورية؛ وحيفا وقيسارية؛ من يتولى افتتاحه، ويستقبل من مهب النصر أرواحه. فنصرهم الله على الناصرة وقيسارية قسرا، وتسلمت البواقي سلما، ورأى من كان فيها سلامته غنما، ورضى بالغرم رغما. وتسلمنا نحن تبنين وبيروت بالأمان، بعد أن قاتلنا أهلهما قتالا شديدا ألجأهم إلى الإذعان. فأما صيداء فإن صاحبها أذعن إلى التسليم، بعد أن بات منا بليله السليم. وأما جبيل فقد سلمنا صاحبها وخلص من الأسر، ورأى ربح خلاصة فيما
تعجله من الحسر،
وحينئذ سرنا واجتمعنا بالملك العادل على عسقلان، وهان لنا كل ما استصعب منها ودان، وظهر لنا منها وجه الفتح وبان، وأمكن كل ما تعذر واشتد ولان. وزاحمنا مناكب أبراجها من المنجنيقات بمناكب، وأصبنا فوائدها لما رميناها بمصائب. وأصمينا مقاتل الأسوار بسهام قسيها، وعاقبناها بحبالها وعصيها، واقتدنا بخزائم الكرة أنف الطاعة من عصيها، وصافحنا ببيض الصفائح يد الرضى من أبيها. وباشرت سهام المجانيق بسواكها ثنايا الشرافات فهتمتها، ونهضت أحجار الرماة إلى أحجار البناء فهدتها وهدمتها. وغنى فيها معول النقاب، فرقصت للاضطراب لا فلإطراب. وعادت الحجارة إلى اصلها من التراب.
ولما أيقن أهلها بالعطب، لاذوا بالضراعة والطلب. وخرجوا مسلمين مستلمين، وانقادوا مستكينين مذعنين. وأسلم البلد وأسلم، وجدع أنف الكفر وأرغم. وعاد منه الإيمان الغريب إلى وطنه، وقر منه الإسلام القريب في مسكنه. وعند ذلك تسلمنا غزة، وأعدنا إليها العزة. وأتينا على الرملة ولد والنطرون، وفتحنا بيت جبريل وجبل الخليل وجميع تلك المعاقل والحصون.
ثم ختمنا فتوحات هذه السنة بفتح الأرض المقدسة، والحمد لله على نعمه المفرجة للكروب وألطافه المنفسة. وقد جعلنا هذه البشارة القدسية بما هنأه الله من الموهبة السنية، وسناه من المنحة الهنية؛ لمملوكنا حسام الدين سنقر الخلاطي، وأمرناه أن يسير فيها من أصحابه منيقوم فيها بحق منابه. والمجلس السامي يشيع ميامنها ببلاد اليمن، ويجلو عروسها البكر في حسنها الحالي وحليها الحسن. ويشكر نعمة الله التي خصنا بها وعمت الأمة ويديم شكرها فإن دوام الشكر يديم النعمة، لا زال المجلس مشكور الشئمة، عالي الهمة، منصور العزم إن شاء الله.
[ ١١١ ]