وبعث علي من العشي١ عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير وبعثاهما من العشي محمد بن طلحة إلى علي وأن يكلم كل واحد منهما أصحابه فقالوا: نعم
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٠٦.
[ ١٥٥ ]
فلما أمسوا وذلك في جمادى الآخرة أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه ما خلا أولئك الذي هضوا عثمان فباتوا على الصلح وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط قد أشرفوا على الهلكة وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى إجتمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالا وعليهم ظلمة فخرج مضريهم إلى مضريهم وربعيهم إلى ربعيهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم١.
وخرج الزبير وطلحة في وجوه الناس من مضر فبعثا إلى الميمنة وهم ربيعة يعبؤها٢ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب ابن أسيد وثبتا في القلب فقال: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا فقالا: قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء ويستحل الحرمة وأنه لن يطاوعنا ثم رجعا بأهل البصرة وقصف أهل البصرة أولئك حتى ردوهم إلى عسكرهم فسمع علي وأهل الكوفة الصوت وقد وضعوا رجلا قريبا من علي ليخبره بما يريدن فلما قال: ما هذا؟ قال ذاك الرجل ما فجئنا إلا وقوم منهم بيتونا فرددناهم من حيث جاؤوا فوجدنا القوم على رجل فركبونا وثار الناس وقال علي لصاحب ميمنة: إئت الميمنة وقال لصاحب ميسرته: إئت الميسرة ولقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهين حتى يسفكا
_________________
(١) بهتوهم: كذبوهم.
(٢) أي يرأسها.
[ ١٥٦ ]
الدماء ويستحلا الحرمة وإنهما لن يطاوعانا والسبئية لا تفتر إنشابا ونادى علي في الناس: ايها الناس كفوا فلا شيء فكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة ألا يقتتلوا حتى يبدؤوا يطلبون بذلك الحجة ويستحقون١ على الآخرين ولا يقتلوا مدبرا ولا يجهزون على جريح ولا يتبعوا فكان مما اجتمع عليه الفريقان ونادوا فيما بينهما.
وأقبل٢ كعب بن سور حتى أتى عائشة ﵂ فقال: أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بك فركبت والبسوا هودجها الأدراع ثم بعثوا جملها وكان جملها يدعى عسكرا حملها عليه يعلي بن أمية اشتراه بمائتي دينار فلما برزت من البيوت - وكانت بحيث تسمع الغوغاء - وقفت فلم تلبث أن سمعت غوغاء شديدة فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر قالت: بخير أو بشر؟ قالوا: بشر قالت: فأي الفريقين كانت منهم هذه الضجة فهم المهزومون، وهي واقفة فوالله ما فجئها إلا الهزيمة فمضى الزبير من سننه٣ في وجهه فسلك وادي السباع وجاء طلحة سهم غرب٤ يخل ركبته بصفحة الفرس فلما إمتلأ موزجه٥ دما وثقل قال لغلامه: اردفني وأمسكني وابغني٦ مكانا أنزل فيه فدخل البصرة وهو يتمثل مثله ومثل الزبير:
_________________
(١) يستحقون: يطلبون الحق.
(٢) عن محمد وطلحة وأبي عمر، ط ٤ – ٥٠٧.
(٣) سنان الرمح: نصله.
(٤) سهم غرب: لا يدري راميه.
(٥) موزجه: حفه، والموزج معرب من الفارسية، جمعه موازج. (أقرب الموارد)
(٦) أبغنى مكانا: التمس لي مكانا.
[ ١٥٧ ]
فإن تكن الحوادث أقصدتني وأخطأهن سهمي حين أرمي
فقد ضيعت حين تبعت سهما سفاها ما سفهت وضل حلمي
ندمت ندامة الكسعي لما شريت رضا بني سهم برغمي
أطعتهم بفرقة آل لأي فألقوا للسباع دمي ولحمي
[وفي رواية أخرى]:
ولما انهزم الناس١ في صدر النهار نادى الزبير: أنا الزبير هلموا إلي أيها الناس ومعه مولى له ينادي: أعن حواري رسول الله ﷺ تنهزمون؟ وانصرف الزبير نحو وادي السباع واتبعه فرسانه وتشاغل الناس عنه بالناس فلما رأى الفرسان تتبعه عطف عليهم ففرق بينهم فكروا عليه فلما عرفوه قالوا: الزبير! فدعوه فلما نفر فيهم علباء بن الهيثم ومر القعقاع في نفر بطلحة وهو يقول: إلي عباد الله الصبر الصبر! قال له: يا أبا محمد إنك لجريح وإنك عما تريد لعليل فادخل الأبيات فقال: يا غلام أدخلني وابغني مكانا فدخل البصرة ومعه غلام ورجلان فاقتتل الناس بعده فأقبل الناس في هزيمتهم تلك وهم يريدون البصرة فلما رأوا الجمل أطافت به مضر عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا وعادوا إلى أمر جديد ووقفت ربيعة البصرة منهم ميمنة ومنهم ميسرة وقالت عائشة: خل يا كعب عن البعير وتقدم بكتاب الله ﷿ فادعهم إليه ودفعت إليه مصحفا وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح فاستقبلهم كعب بالمصحف وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقداما فلما دعاهم كعب رشقوه رشقا واحدا فقتلوه ورموا عائشة في هودجها فجعلت تنادي: يا بني البقية البقية - ويعلو صوتها كثرة - الله الله اذكروا الله ﷿ والحساب فيابون إلا
_________________
(١) حديث سيف، عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥١٢.
[ ١٥٨ ]
إقداما فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: أيها الناس إلعنوا قتلة عثمان وأشياعهم واقبلت تدعو.
وضج أهل البصرة بالدعاء وسمع علي بن ابي طالب الدعاء فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعهم فأقبل يدعو ويقول: اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم وأرسلت إلى عبد الرحمن ابن عتاب وعبد الرحمن بن الحارث: اثبتا مكانكما وذمرت الناس حين رأت أن القوم لا يريدون غيرهما ولا يكفون عن الناس فازدلفت مضر البصرة فقصفت مضر الكوفة حتى زوحم علي فنخس علي قفا محمد وقال: احمل فنكل فأهوى علي إلى الراية ليأخذها منه فحمل فترك الراية في يده وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا والمجنبات١ على حالها لا تصنع شيئا٢ ومع علي أقوام غير مضر فمنهم زيد بن صوحان فقال له رجل من قومه: تنح إلى قومك ما لك ولهذا الموقف ألست تعلم أن مضر بحيالك وأن الجمل بين يديك وأن الموت دونه؟ فقال: الموت خير من الحياة الموت ما أريد فأصيب وأخوه سيحان وارتث صعصعة واشتدت الحرب فلما رأى ذلك علي بعث إلى اليمن وإلى ربيعة: أن اجتمعوا على من يليكم فقام رجل من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب الله ﷿ قالوا: وكيف يدعونا إلى كتاب الله من لا يقيم حدود الله سبحانه ومن قتل داعي الله كعب بن سور! فرمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه وقام مسلم بن عبد الله العجلي مقامه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم.
_________________
(١) ابن الأثير: "والمجبنتان على حالهما".
(٢) ط ٤ – ٥١٤.
[ ١٥٩ ]
[و] كان القتال الأول يستحر إلى انتصاف النهار١ واصيب فيه طلحة ﵁ وذهب فيه الزبير فلما أووا إلى عائشة وأبى أهل الكوفة إلا القتال ولم يريدوا إلا عائشة ذمرتهم٢ عائشة فاقتتلوا حتى تنادوا فتحاجزوا فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا وذلك يوم الخميس في جمادى الآخرة فاقتتلوا صدر النهار مع طلحة والزبير وفي وسطه مع عائشة وتزاحف الناس فهزمت يمن البصرة يمن الكوفة وربيعة البصرة ربيعة الكوفة ونهد علي بمضر الكوفة إلى مضر البصرة وقال: إن الموت ليس منه فوت يدرك الهارب ولا يترك المقيم.
[و] اقتتلت المجنبتان٣ حين تزاحفتا قتالا شديدا يشبه ما فيه القلبان واقتتل أهل اليمن فقتل على راية أمير المؤمنين من أهل الكوفة عشرة كلما أخذها رجل قتل خمسة من همذان وخمسة من سائر اليمن فلما رأى ذلك يزيد ابن قيس أخذها فثبتت في يده وهو يقول:
قد عشت يا نفس وقد غنيت دهرا فقطك اليوم ما بقيت
أطلب طول العمر ما حييت
وإنما تمثلها وهو قول الشاعر قبله. وقال نمران بن أبي نمران الهمداني:
جردت سيفي في رجال الأزد أضرب في كهولهم والمرد
كل طويل الساعدين نهد
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤- ٥١٤.
(٢) زمر: حض.
(٣) أي قلب جيش على وقلب جيش عائشة، ط ٤ – ٥١٥.
[ ١٦٠ ]
وأقبلت ربيعة فقتل على راية الميسرة من أهل الكوفة زيد وصرع صعصعة ثم سيحان ثم عبد الله بن رقبة بن المغيرة ثم أبو عبيدة بن راشد ابن سلمى وهو يقول: اللهم أنت هديتنا من الضلالة واستنقذتنا من الجهالة وابتليتنا بالفتنة فكنا في شبهة وعلى ريبة حتى قتل ثم الحصين بن معبد ابن النعمان فأعطاها ابنه معبدا وجعل يقول: يا معبد قرب لها بوها تحدب فثبتت في يده.
[و] لما رأت الكماة من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر تنادوا في عسكر عائشة وعسكر علي: يا أيها الناس طرفوا إذا فرغ الصبر ونزع النصر فجعلوا يتوجؤون١ الاطراف: الأيدي والارجل فما رئيت وقعة قط قبلها ولا بعدها ولا يسمع بها أكثر يدا مقطوعة ورجلا مقطوعة منها ولا يدرى من صاحبها وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب يومئذ قبل قتله وكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب شيء من أطرافه استقتل إلى أن يقتل.
[و] اشتد٢ الأمر حتى أرزت ميمنة الكوفة إلى القلب حتى لزقت به ولزقت ميسرة البصرة بقلبهم ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلى جنبهم وفعل مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة فقالت عائشة ﵂ لمن عن يسارها: من القوم قال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد قالت: يا آل غسان حافظوا اليوم جلادكم الذي كنا نسمع به وتمثلت:
_________________
(١) يتوجؤون الأطراف: يضربونهم في أيديهم وأرجلهم، ط ٤ – ٥١٦.
(٢) عن الصعب بن عطية بن بلال، عن أبيه، ط ٤ – ٥١٦.
[ ١٦١ ]
وجالد من غسان اهل حفاظها وهنب وأوس جالدت وشبيب
وقالت لمن عن يمينها: من القوم؟ قالوا: بكر بن وائل قالت: لكم يقول القائل:
وجاءوا الينا في الحديد كأنهم من العزة القعساء بكر بن وائل
إنما بازائكم عبد القيس فاقتتلوا أشد القتال من قتالهم قبل ذلك وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية قالت: بخ بخ سيوف أبطحية وسيوف قرشية فجالدوا جلادا يتفادى منه ثم أطافت بها بنو ضبة فقالت: ويها جمرة الجمرات! حتى إذا رقوا خالطهم بنو عدي وكثروا حولها فقالت: من أنتم؟ قالوا: بنو عدي خالطنا إخواننا فقالت: ما زال رأس الجمل معتدلا حتى قتلت بنو ضبة حولي فأقاموا رأس الجمل ثم ضربوا ضربا ليس بالتعذير ولا يعدلون بالتطريف حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين جميعا راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يصرع وأرزت مجنتا علي فصارتا في القلب وفعل ذلك أهل البصرة وكره القوم بعضهم بعضا وتلاقوا جميعا بقلبيهم وأخذ بن يثربي برأس الجمل وهو يرتجز وادعى قتل علباء بن الهيثم وزيد بن صوحان وهند بن عمرو فقال:
أنا لمن ينكرني ابن يثربي قاتل علباء وهند الجملي
وابن لصوحان على دين علي
فناداه عمار: لقد لعمري لذت١ بحريز وما إليك سبيل فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلي فترك الزمام في يد رجل من بني عدي حتى
_________________
(١) ابن الأثير: "عذت".
[ ١٦٢ ]
كان بين أصحاب عائشة وأصحاب علي فزحم الناس عمارا حتى أقبل إليه فاتقاه عمار بدرقته فضربه فانتشب سيفه فيها فعالجه فلم يخرج فخرج عمار إليه لا يملك من نفسه شيئا فأسف عمار لرجليه فقطعهما فوقع على أسته وحمله أصحابه فارتث بعد فأتى به علي فأمر بضرب عنقه ولما أصيب ابن يثربي ترك ذلك العدوي الزمام ثم خرج فنادى: من يبارز؟ فخنس عمار وبرز إليه إليه ربيعة العقيلي - والعدوي يدعى عمرة بن بجرة أشد الناس صوتا - وهو [أي ربيعة] يقول:
يا امنا أعق أم نعلم والأم تغدو ولدا وترحم
ألا ترين كم شجاع يكلم وتختلى منه يد ومعصم
ثم اضطربا فأثخن كل واحد منهما صاحبه فماتا
وقال عطية بن بلال: ولحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث من بني ضبة فقام مقام العدوي فما رأينا رجلا قط أشد منه وجعل يقول:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ننعى ابن عفان بأطراف الأسل
الموت أحلى عندنا من العسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل١
[و] جعل٢ أبو الجرباء يومئذ يرتجز ويقول:
أسامع أنت مطيع لعلي من قبل أن تذوق حد المشرفي
وخاذل في الحق أزواج النبي أعرف قوما لست فيه بعني
_________________
(١) يجل: أي حسب.
(٢) عن الصعب بن عطية، عن أبية، ط ٤ – ٥٢٥.
[ ١٦٣ ]
[وقد] كانت١ ام المؤمنين في حلقة من أهل النجدات والبصائر من أفناء مضر فكان لا يأخذ أحد بالزمام إلا كان يحمل الراية واللواء لا يحسن تركها وكان لا يأخذه إلا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب لها: أنا فلان ابن فلان فوالله إن كانوا ليقاتلون عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت وما رامه احد من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد ولما اختلط الناس بالقلب جاء عدي بن حاتم فحمل عليه ففقئت عينه ونكل فجاء الأشتر فحامله عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وإنه لأقطع منزوف فاعتنقه ثم جلد به الارض عن دابته فاضطرب تحته فأفلت وهو جريض.
[و] بما أنه كان لا يجيء٢ رجل فيأخذ بالزمام حتى يقول: أنا فلان بن فلان يا أم المؤمنين فجاء عبد الله بن الزبير فقالت حين لم يتكلم: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله أنا ابن أختك قالت: واثكل أسماء! - تعني أختها - وانتهى إلى الجمل الأشتر وعدي بن حاتم فخرج عبد الله بن حكيم بن حزام إلى الأشتر فمشى إليه الأشتر فاختلفا ضربتين فقتله الأشتر ومشى إليه عبد الله بن الزبير فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا وضرب عبد الله الأشتر ضربة خفيفة واعتنق كل واحد منهما صاحبه وخرا إلى الارض يعتركان فقال عبد الله بن الزبير: "اقتلوني ومالكا"٣.
وكان مالك يقول: ما أحب أن يكون قال: "والأشتر" وإن لي حمر النعم وشد ناس من أصحاب علي وأصحاب عائشة فافترقا وتنقذ كل واحد من الفريقين صاحبه.
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٢٥.
(٢) عن هشام بن عروة، عن أبيه، ط ٤ – ٥٢٥.
(٣) فذهبت هذه الكلمة مثلا.
[ ١٦٤ ]
وجاء محمد بن طلحة١ فأخذ بزمام الجمل فقال: يا أمتاه مريني بامرك قالت: آمرك أن تكون كخير بني آدم إن تركت قال: فحمل فجعل لا يحمل عليه أحدا إلا حمل عليه ويقول: "حم لا ينصرون" واجتمع عليه نفر فكلهم ادعى قتله: المكعبر الأسدي والمكعبر الضبي ومعاوية بن شداد العبسي وعفان بن الأشقر النصري فأنفذه بعضهم بالرمح ففي ذلك يقول قاتله منهم:
وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم
يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم
على غير شيء غير ان ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يندم
قال القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلبه: يومئذ هل لك في العود؟ فلم يجبه فقال: يا أشتر بعضنا أعلم بقتال بعض منك فحمل القعقاع وإن الزمام مع زفر بن الحارث وكان آخر من أعقب في الزمام فلا والله ما بقي من بني عامر يومئذ شيخ إلا أصيب قدام الجمل فقتل فيمن قتل يومئذ ربيعة جد إسحاق بن مسلم وزفر يرتجز ويقول:
يا أمنا يا عيش لن تراعي كل بنيك بطل شجاع
ليس بوهام ولا براعي
_________________
(١) عن الصعب بن عطية، عن أبيه، ط ٤ – ٥٢٦.
[ ١٦٥ ]
وقام القعقاع يرتجز ويقول:
إذا وردنا آجنا جهرناه ولا يطاق ورد ما منعناه
تمثلها تمثلا.
[و] كان آخر من قاتل١ ذلك اليوم زفر بن الحارث فزحف إليه القعقاع فلم يبق حول الجمل عامري مكتهل إلا أصيب يتسرعون إلى الموت وقال القعقاع: يا بجير بن دلجة صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أم المؤمنين فقال: يال ضبة يا عمرو بن دلجة ادع بي إليك فدعا به فقال: أنا آمن حتى ارجع؟ قال: نعم قال: فاجتث ساق البعير فرمى بنفسه على شقه وجرجر البعير وقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه ثم أطافا به وتفار من وراء ذلك من الناس.
لما أمسى الناس٢ وتقدم علي وأحيط بالجمل ومن حوله وعقره بجير بن دلجة وقال: انكم آمنون كف بعض الناس عن بعض - وقال علي في ذلك حين أمسى وانخنس عنهم القتال:
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٢٧.
(٢) عن الصعب بن عطية، عن أبيه.
[ ١٦٦ ]
إليك أشكو عجري وبجري ومعشرا عشوا علي بصري
قتلت منهم مضرا بمضري شفيت نفسي وقتلت معشري
قال طلحة يومئذ١: اللهم اعط عثمان مني حتى يرضى فجاء سهم غرب وهو واقف فخل ركبته بالسرج وثبت حتى امتلأ موزجه٢ دما فلما ثقل قال لمولاه: أردفني وابغني مكانا لا أعرف فيه فلم أر كاليوم شيخا أضيع دما [مني] ٣. فركب مولاه وأمسكه وجعل يقول: قد لحقنا القوم حتى انتهى به إلى دار من دور البصرة خربة وأنزله في فيئها فمات في تلك الخربة ودفن ﵁ في بني سعد.
كانت ربيعة٤ مع علي يوم الجمل ثلث اهل الكوفة ونصف الناس يوم الوقعة وكانت تعبيتهم مضر ومضر وربيعة وربيعة واليمن واليمن فقال بنو صوحان: يا أمير المؤمنين ائذن لنا نقف عن مضر ففعل فأتى زيد فقيل له: ما يوقفك حيال الجمل وبحيال مضر؟ الموت معك وبإزائك فاعتزل الينا فقال: الموت نريد فأصيبوا يومئذ وأفلت صعصعة من بينهم.
_________________
(١) عن اسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، ط ٤ – ٥٢٧.
(٢) الموزج: الخف، كلمة فارسية معربة.
(٣) من ابن الأثير.
(٤) عن البختري العبدي، عن أبيه.
[ ١٦٧ ]
قال الصعب بن عطية١: كان رجل منا يدعى الحارث فقال يومئذ: يال مضر علام يقتل بعضكم بعضا؟ تبادرون لا ندري إلا أنا إلى قضاء وما تكفون في ذلك.
كان القتال٢ يومئذ في صدر النهار مع طلحة والزبير فانهزم الناس وعائشة توقع الصلح فلم يفجأها إلا الناس فأحاطت بها مضر ووقف الناس للقتال فكان القتال نصف النهار مع عائشة وعلي ٣ كعب بن سور أخذ مصحف عائشة وعلي فبدر بين الصفين يناشدهم الله ﷿ في دمائهم وأعطى درعه فرمى بها تحته وأتي بترسه فتنكبه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه ﵁ ولم يمهلوهم أن شدوا عليهم والتحم القتال فكان أول مقتول بين يدي عائشة من أهل الكوفة.
قال والد مخلد بن كثير٤: ارسلنا مسلم بن عبد الله يدعو بني أبينا فرشقوه - كما صنع القلب بكعب - رشقا واحدا فقتلوه فكان أول من قتل بين يدي امير المؤمنين وعائشة ﵄ فقالت أم مسلم ترثيه:
_________________
(١) ط ٤ - ٥٢٨.
(٢) عن ابن صعصعة المزني- أو عن صعصعة- عن عمرو بن جأوان، عن جرير بن أشرس.
(٣) يوجد نقص في الأصل.
(٤) عن سيف عن مخلد بن كثير عن أبيه، ط٤- ٥٢٩.
[ ١٦٨ ]
لا هم إن مسلما أتاهم
مستسلما للموت إذ دعاهم
إلى كتاب الله لا يخشاهم فرملوه من دم إذ جاهم
وأمهم قائمة تراهم يأتمرن الغي لا تنهاهم
لما انهزمت١ مجنبتا الكوفة عشية الجمل صاروا إلى القلب - وكان ابن يثربي قاضي البصرة قبل كعب بن سور فشهدهم هو وأخوه يوم الجمل وهما عبد الله وعمرو فكان واقفا أمام الجمل على فرس - فقال علي: من رجل يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو المرادي فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربي ثم حمل سيحان بن صوحان فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربي ثم حمل علباء بن الهيثم فاعترضه ابن يثربي فقتله ثم حمل صعصعة فضربه فقتل ثلاثة أجهز عليهم في المعركة: علباء وهند وسيحان وارتث٢ صعصعة وزيد فمات أحدهما وبقي الآخر.
أخذ الخطام٣ يوم الجمل سبعون رجلا من قريش كلهم يقتل وهو آخذ بالخطام وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير فاختلفا ضربتين ضربة الأشتر فأمه٤ وواثبه عبد الله فاعتنقه فخر به وجعل يقول: "اقتلوني
_________________
(١) عن سيف، عن الصعب بن حكيم بن شريك، عن أبيه عن جده.
(٢) ارتث: حمل جريحا.
(٣) عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، ط ٤ – ٥٣٠.
(٤) أمه: جرحه جرحا بليغا في رأسه.
[ ١٦٩ ]
ومالكا - وكان الناس لا يعرفونه بمالك ولو قال:" والأشتر" وكانت له الف نفس ما نجا منها شيء - وما زال يضطرب في يدي عبد الله حتى أفلت وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد وجرح يومئذ مروان وعبد الله ابن الزبير.
ارتجز يومئذ ابن يثربي١.
أنا لمن أنكرني ابن يثربي قاتل علباء وهند الجملي
وابن لصوحان على دين علي
وقال: من يبارز؟ فبرز له رجل فقتله ثم برز له آخر فقتله وارتجز وقال:
أقتلهم وقد أرى عليا ولو أشأ أوجرته عمريا
فبرز له عمار بن ياسر وإنه لأضعف من بارزه وإن الناس ليسترجعون حين قام عمار وانا أقول لعمار من ضعفه: هذا والله لاحق بأصحابه وكان قضيفا٢ حمش الساقين٣ وعليه سيف حمائله تشف عنه قريب من إبطه،
_________________
(١) عن داود بن أبي هند، عن شيخ من بني ظبة.
(٢) القضيف: الدقيق العظم، القليل اللحم.
(٣) حمش الساقين: دقيقهما.
[ ١٧٠ ]
فيضربه ابن يثربي بسيفه فنشب في حجفته١ وضربه عمار وأوهطه٢ ورمى أصحاب علي ابن يثربي بالحجارة حتى أثخنوه وارتثوه٣.
لما قال الضبي يوم الجمل٤:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ننعى ابن عفان بأطراف الأسل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
قال عمير بن أبي الحارث:
كيف نرد شيخكم وقد قحل٥ نحن ضربنا صدره حتى انجفل٦
[وقد] عقر الجمل٧ [كما مر معنا] رجل من بني ضبه يقال له: ابن دلجة - عمرو أو بجير - وقال في ذلك الحارث بن قيس - وكان من أصحاب عائشة:
نحن ضربنا ساقه فانجدلا من ضربة بالنفر كانت فيصلا
لو لم نكون للرسول ثقلا وحرمة لاقتسمونا عجلا
وقد نحل ذلك المثنى بن مخرمة من أصحاب علي.
_________________
(١) الجحفة: الترس.
(٢) أوهطة: أضعفه وأثخنه ضربا.
(٣) أي حملوه من المعركة جريحا.
(٤) عن سيف، عن حماد البرجمي، عن خارجة بن الصلت.
(٥) قحل: مات وجف جلده (اللسان) .
(٦) انجفل: سقط.
(٧) عن الصعب بن حكيم، عن أبيه عن جده، ط ٤ – ٥٣١.
[ ١٧١ ]