واجتمع إلى علي، بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة فقالوا: يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد إشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم فقال لهم: يا اخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف اصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا قال: فلا والله لا أرى إلا رأيا ترونه إن شاء الله إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدا إن الناس من هذا الامر إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا.
واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حال وإنما هيجه على ذلك هرب بني أمية وتفرق القوم وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار لترك هذا إلى ما قال علي أمثل.
[ ٩٧ ]
وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره ووالله إن عليا لمستغن برأيه وأمره عنا ولا نراه إلا سيكون على قريش أشد من غيره فذكر ذلك لعلي فقام فحمد الله وأثنى عليه وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم وأنه ليس له من سلطانهم إلا ذلك والأجر من الله ﷿ عليه ونادى: برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه فتذامرت السبئية والأعراب وقالوا: لنا غدا مثلها ولا نستطيع نحتج فيهم بشيء.
[و] خرج علي في اليوم الثالث١ على الناس فقال: يا أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب وقال: يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم فأبت السبئية وأطاعهم الأعراب ودخل على بيته ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب النبي ﷺ فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه فقالوا: عشوا٢ عن ذلك قال: هم والله بعد اليوم اعشى وآبى وقال:
لو أن قومي طاوعتني سراتهم أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا
وقال طلحة: دعني فلآت البصرة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل فقال: حتى أنظر في ذلك وقال الزبير: دعني آتي الكوفة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل فقال: حتى أنظر في ذلك وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه فقال: إن لك حق الطاعة والنصيحة وإن الرأي اليوم تحرز به ما في
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٣٨.
(٢) عشوا: أعرضوا.
[ ٩٨ ]
غد وإن الضياع اليوم تضيع به ما في غد أقرر معاوية على عمله واقرر ابن عامر على عمله وأقرر العمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت قال: حتى أنظر.
فخرج من عنده وعاد إليه من الغد فقال: إني اشرت عليك بالأمس برأي وإن الرأي أن تعاجلهم بالنزوع فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك ثم خرج وتلقاه ابن عباس خارجا وهو داخل فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خرج من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذية وذية وجاءني اليوم بذية وذية فقال: اما امس فقد نصحك وأما اليوم فقد غشك قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي ان تخرج حين قتل الرجل أو قبل ذلك فتأتي مكة فتدخل دارك وتغلق عليك بابك فإن كانت العرب جائلة مضطربة في اثرك لا تجد غيرك فاما اليوم فإن في بني أمية من يستحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر ويشبهون على الناس ويطلبون مثل ما طلب أهل المدينة ولا تقدر على ما يريدون ولا يقدرون عليه ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ذلك اموت لحقوقهم وأترك لها إلا ما يعجلون من الشبهة.
وقال المغيرة: نصحته والله فلما لم يقبل غششته وخرج المغيرة حتى لحق بمكة.
[ ٩٩ ]