فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله والله ما ينجينا من الناس إلا قتله وما يحل لنا قتله فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث فقال: ممن الرجل فقال: ليثي فقال: لست بصاحبي قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي ﷺ في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فلن تضيع فرجع وفارق القوم فأدخلوا عليه رجلا من قريش فقال: يا عثمان إني قاتلك قال: كلا يا فلان لا تقتلني قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله ﷺ استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما حراما. فاستغفر ورجع وفارق أصحابه فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله وقال: يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم فوالله إن سللتموه لا تغمدوه ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة فإن قتلتموه لا يقم إلا بالسيف ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله والله لئن قتلتموه لتتركنها فقالوا: يابن اليهودية وما أنت وهذا فرجع عنهم.
قالوا: وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر فقال له عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حقه١ اخذته منك فنكل ورجع.
قالوا: فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا إنكساره ثار قتيرة وسودان ابن حمران السكونيان والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه وسالت عليه الدماء وجاء سودان بن حمران ليضربه فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة واتقت
_________________
(١) لعلها "لا أحقه" بمعنى لا أذكره، ط ٤ – ٣٩١. والأرجح أن المقصود الا حق الله اخذته منك.
[ ٧٢ ]
السيف بيدها فتعمدها ونفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت فغمز أوراكها وقال: إنها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه - وقد كان عثمان أعتق من كف منهم - فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله ووثب قتيرة على الغلام فقتله وانتهبوا ما في البيت وأخرجوا من فيه ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء وأخذ رجل ملائة نائلة - والرجل يدعى كلثوم بن تجيب - فتنحت نائلة فقال: ويح أمك من عجيزة ما أتمك! وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل وتنادى القوم: أبصر رجل من صاحبه وتنادوا في الدار: ادركوا بين المال لا تسبقوا إليه وسمع أصحاب بيت المال اصواتهم وليس فيه إلا غرارتان فقالوا: النجاء فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس فيه فالتانئ١ يسترجع ويبكي والطارئ يفرح وندم القوم وكان الزبير قد خرج من المدينة فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحم الله عثمان وانتصر له وقيل: إن القوم نادمون فقال: دبروا دبروا ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ الآية٢ وأتى الخبر طلحة فقال: رحم الله عثمان! وانتصر له وللإسلام وقيل له: إن القوم نادمون فقال: تبا لهم وقرأ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣ وأتى علي فقيل: قتل عثمان فقال:
_________________
(١) التأني: المقيم. ط ٤ – ٣٩٢.
(٢) سورة سبأ، الآية: ٥٤.
(٣) سورة يس، الآية:٥٠.
[ ٧٣ ]
رحم الله عثمان وخلف علينا بخير! وقيل ندم القوم فقرأ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ﴾ الآية١ وطلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال: لا أشهد قتله فلما جاءه قتله قال: فررنا إلى المدينة تدنينا وقرأ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٢ اللهم أندمهم ثم خذهم.
وعن المغيرة بن شعبة٣ أنه قال: قلت لعلي: إن هذا الرجل مقتول وإنه إن قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك فاخرج فكن بمكان كذا وكذا فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس فأبى وحصر عثمان اثنين وعشرين يوما ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير فيهم عبد الله بن الزبير ومروان فقالوا: ائذن لنا فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه فأحرج على رجل يستقتل ويقاتل٤.
وخرج الناس كلهم ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده فقال: إن أباك الآن لفي أمر عظيم فأقسمت عليك لما خرجت! وأمر عثمان أبا كرب - رجلا من همذان - وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال وليس فيه إلا غرارتان من ورق٥ فلما أطفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ١٦.
(٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٤.
(٣) عن المجلد، عن الشعبي عن المغيره: ط ٤ – ٣٩٢.
(٤) ابن الأثير "أو يقاتل".
(٥) الورق: الفضة.
[ ٧٤ ]
ومروان وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان فلما دخل على عثمان هربا ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته فقال: أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولها فأرسلها ودخلوا عليه فمنهم من يجؤه بنصل سيفه وآخر يلكزه وجاءه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترفوته فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله وكان كبيرا وغشي عليه ودخل آخرون فلما رأوه مغشيا عليه جروا برجله فصاحت نائلة وبناته وجاء التجيبي مخترطا سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره وقتل عثمان ﵁ قبل غروب الشمس ونادى مناد: ما يحل دمه ويحرج ماله فانتهبوا كل شيء ثم تبادروا بيت المال فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا وقالوا: الهرب الهرب هذا ما طلب القوم.
[ ٧٥ ]