قَالَ أَبُو الْعَرَبِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الأَسْلَمِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ حَجَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَنَا مَعَهُ فَجَاءَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَيْلا وَهُوَ فِي خَوفه فَدخل منزلي فَقَالَ هَل تخَالف عَلَى صَاحِبِكَ فَقُلْتُ لَا بَلْ آمَنُ
حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحسن الْمَعْرُوف بِأبي كَعْب فَقَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ وَاسِطٍ قَالَ دَعَانِي خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِير على مَكَّة فَقَالَ يَا ابْن وَاسِط
[ ٢٣٢ ]
انْطَلِقْ بِهَذَا الرَّجُلِ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَيْهِ قَالَ خَرَجَ إِلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وأفصحهم لِسَانا وَفْرَةٌ وَطَيّ شَحْمَة أُذُنُيْهِ لَمْ أَرَ فِي مِثْلِ هَيْئَتِهِ وَتَشْمِيرِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا قَالَ فَأَخَذْتُهُ وَوَثَّقْتُهُ فِي الْحَدِيدِ قَالَ وَانْطَلَقْتُ بِهِ حَتَّى نزلت مَاء لبني أَسد فَقَالَ يَا ابْن وَاسِطٍ بِهَذَا الْمَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِي فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُطْلِقَ عَنِّي هَذَا الْحَدِيدَ فَعَلْتَ فَأَخَذْتُهُ فَأَطْلَقْتُ عَنْهُ حَدِيدَهُ فَانْطَلَقَ فَقَالَ لَكَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فَانْطَلَقَ فَجَعَلْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَقُولُ اللَّهُمَّ لَا يَرْجِعُ إِلَيَّ وَيْحَكِ يَا نَفْسُ تَذْهَبِينَ بِخَيْرِ النَّاسِ إِلَى أشر النَّاسِ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ إِلا قَلِيلا حَتَّى عَادَ فَتَرَكْتُهُ مُطْلَقًا مِنْ حَدِيدِهِ حَتَّى دَنَوْنَا قَرِيبًا مِنْ وَاسِطٍ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْخَضْرَاءِ قَالَ يَا ابْن وَاسِطٍ مَا هَذِهِ الْخَضْرَاءُ قَالَ قُلْتُ قُبَّةُ الْحجَّاج فَاسْتَرْجع وَقَالَ مَا أَظُنُّ الْمَوْتَ إِلا قَدْ أَتَى قُلْتُ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ قَالَ فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى الْحَجَّاجِ وَقَدْ أَوْثَقْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحَدِيدِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ اسْتَوَى جَالِسًا وَكَانَ مُتَّكِئًا وَقَالَ أَيُّهَا عَدُوَّ اللَّهِ خَرَجْتَ عَلَيْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَشْعَثِ قَالَ سَعِيدٌ مَا فَعَلْتُ وَلَكِنْ أَتَيْتُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا فَأُخِذْتُ وَأَنَا مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ قَالَ الْحَجَّاجُ مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ الشَّقِيُّ بْنُ كُسَيْرٍ قَالَ سَعِيدٌ أُمِّي أَعْلَمُ بِاسْمِي قَالَ الْحَجَّاجُ شَقِيتَ وَشَقِيَتْ أُمُّكَ قَالَ سَعِيدٌ الْغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ قَالَ الْحَجَّاجُ لأُورِدَنَّكَ حِيَاضَ الْمَوْتِ قَالَ سَعِيدٌ أَصَابَتْ أُمِّي اسْمِي حَقًّا قَالَ الْحَجَّاجُ لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَارًا تَلَظَّى قَالَ سَعِيدٌ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَهًا لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ الْحَجَّاجُ يَا سَعِيدُ مَا عِلْمُكَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ نَبِيٌّ خَتَمَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ وَصَدَقَ بِهِ الْوَحِيُّ إِمَامُ الْهُدَى وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ
[ ٢٣٣ ]
الْحَجَّاجُ يَا سَعِيدُ مَا قَوْلُكَ فِي الْخُلَفَاءِ قَالَ سَعِيدٌ إِنَّمَا اسْتَحْفَظْت أَمْرَ بَنِي وَخَيْرُهُمْ أَرْضَاهُمْ لِخَالِقِهِ قَالَ الْحَجَّاجُ يَا سَعِيدُ أَيُّ رَجُلٍ أَنَا قَالَ سَعِيدٌ يَا حَجَّاجُ يَوْمَ الْقِيَامَة يختبر أَيُّ رَجُلٍ أَنْتَ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﵎ ثُمَّ سُئِلْتَ عَنْ عَمَلِكَ قَالَ الْحَجَّاجُ فَأَيُّ رَجُلٍ أَنْتَ قَالَ سَعِيدٌ فَأَنَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ أَطَّلِعَ عَلَى غيبه قَالَ الْحجَّاج يَا سعيد مَالك لَمْ تَضْحَكْ قَطُّ قَالَ وَكَيْفَ يَضْحَكُ رَجُلٌ مَخْلُوقٌ مِنْ طِينٍ وَالطِّينُ تَأْكُلُهُ النَّارُ وَلا يَدْرِي إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَى جَنَّةٍ أَوْ إِلَى نَارٍ فَإِنْ كَانَ مَصِيرُهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَدْ فَازَ وَإِنْ كَانَ مَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسَبُ قَالَ الْحَجَّاجُ يَا سَعِيدُ أَمَا رَأَيْتَ لَهْوًا قَطُّ قَالَ سَعِيدٌ مَا أَعْلَمُهُ فَدَعَا الْحَجَّاجُ بِالْعُودِ وَالنَّايِ فَضَرَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بهما فَلَمَّا سمع الناي بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ يَا حَجَّاجُ وَاللَّهِ لَا شَبِعَ بَطْنِي أَبَدًا مَا بَقِيتُ وَلا أَزَالُ هَكَذَا لِمَا رَأَيْتُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا أَمَّا هَذِهِ النَّافِخَةُ فَذَكَّرَتْنِي قَوْلَ اللَّهِ ﷿ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض﴾ ﴿وكل أَتَوْهُ داخرين﴾ وَأَمَّا هَذِهِ الأَوْتَارُ فَقُطِعَتْ مِنْ نَفْسٍ ثُمَّ هِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُ مَعَكَ وَأَمَّا هَذِهِ الْخَشَبَةُ فَنَبَاتُ أَرْضٍ قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ ذَكَّرْتَنِي يَا حَجَّاجُ بُكَاءً طَوِيلا قَالَ الْحَجَّاجُ يَا سَعِيدُ مَا قَوْلُكَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَفِي الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ قَالَ سَعِيدٌ لَوْ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ وَفِيهَا أَهْلُهَا وَالنَّارَ وَفِيهَا أَهْلُهَا لَعَلِمْتُ يَا حَجَّاجُ فَمَا سُؤَالُكَ عَنْ عِلْمِ الْغَيْبِ يَا حَجَّاجُ وَقْد حُجِبَ عَنْكَ وَقَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ قَالَ الْحَجَّاجُ الْوَيْلُ لَكَ مِنِّي يَا سعيد قَالَ
[ ٢٣٤ ]
سَعِيدٌ الْوَيْلُ لِمَنْ أُبْعِدَ عَنِ الْجَنَّةِ وَأُدْخِلَ النَّارَ قَالَ الْحَجَّاجُ إِنِّي قَاتِلُكَ قَالَ سَعِيدٌ إِذًا أُخَاصِمُكَ قَالَ الْحَجَّاجُ أَخْصِمُكَ قَالَ سَعِيدٌ هَيْهَاتَ يَا حَجَّاجُ الْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ إِلَى غَيْرِكَ قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ (١) وَكَتَبَ أَجَلِي وَمُنْقَطَعَ أَمْرِي قَالَ فَأَمَرَ بِهِ لِلْقَتْلِ فَقَالَ سَعِيدٌ أَسْتَوْدِعُكَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ يَا حَجَّاجُ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله استودعك هَذِهِ الشَّهَادَةَ حَتَّى أَلْقَاكَ فَأُخَاصِمُكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَأَمَرَ بِهِ الْحَجَّاجُ إِلَى الْقَتْلِ فَجَعَلَ يَضْحَكُ قَالُوا أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ قَدْ ضَحِكَ قَالَ رُدُّوهُ مَا أَضْحَكَكَ يَا سَعِيدُ قَالَ يَا حَجَّاجُ ضَحِكْتُ مِنَ الْعَجَبِ قَالَ وَمَا ذَلِكَ الْعَجَبُ قَالَ عَجِبْتُ مِنْ تَجَرُّئِكَ عَلَى اللَّهِ وَحِلْمِهِ عَنْكَ فَإِنْ تَكُنْ عَافِيَةٌ فَمِنَ اللَّهِ وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ تَمَامَ الْعَافِيَةِ وَأَمَّا أَنْتَ يَا حَجَّاجُ فَلا بَرَاءَةَ لَكَ وَلا عُذْرَ لَوْ طَالَتْ حَيَاتِي لَكَانَ مَصِيرِي يَوْمًا إِلَى الْفَنَاءِ فَاذْكُرْ يَا حَجَّاجُ يَوْمَ الأَبَدِ وَالدَّهْرَ الْفَانِي الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ سَالِمًا قَالَ فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْتَلَ قَالَ سَعِيدٌ ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ قَالَ الْحَجَّاجُ حَوِّلُوا وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَالَ سَعِيدٌ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ الله وَاسع عليم﴾ قَالَ الْحَجَّاجُ يَا غُلامُ قُمْ إِلَيْهِ فَاضْرِبْ بِهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً ثُمَّ اعْلُ عَلَى صَدْرِهِ لِتَذْبَحَهُ فَلَمَّا وُضِعَ السَّيْفُ عَلَى حَلْقِهِ قَالَ سَعِيدٌ بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ اللَّهِ وَمِلَّةِ رَسُولِهِ
قَالَ وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ
[ ٢٣٥ ]
قَالَ أَخْبرنِي بواب الْحجَّاج قَالَ رَأَيْت رَأس سعيد بن جُبَير بَعْدَمَا وَقع إِلَى الأَرْضِ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
قَالَ وَأَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ بِأَنْطَاكِيَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دكوان وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ أَنَّ الْحَجَّاجَ بَعَثَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَأَصَابَهُ الرَّسُولُ بِمَكَّةَ فَلَمَّا سَارَ بِهِ الرَّسُولُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ رَآهُ الرَّسُولُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الْقَتْلِ فَاذْهَبْ أَيَّ الطَّرِيقِ شِئْتَ فَقَالَ سَعِيدٌ إِنَّهُ سَيَبْلُغُ الْحَجَّاجَ أَنَّكَ أَخَذْتَنِي فَإِنْ خَلَّيْتَ عَنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْتُلَكَ وَلَكِنْ أَذْهَبُ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ مَا اسْمُكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ كَذَبْتَ أَنْتَ شَقِيُّ بْنُ كُسَيْرٍ قَالَ أُمِّي سَمَّتْنِي قَالَ شَقِيتَ وَشَقِيَتْ أُمُّكَ قَالَ الْغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَارًا تَلَظَّى قَالَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ إِلَيْكَ مَا اتَّخَذْتُ إِلَهًا غَيْرَكَ قَالَ مَا تَقول فِي رَسُول الله النَّبِي الْمُصْطَفى ﷺ قَالَ خَيْرُ الْبَاقِينَ وَخَيْرُ الْمَاضِينَ قَالَ مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ قَالَ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَجَمَّعَ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عُمَرَ قَالَ الْفَارُوقُ وَخِيرَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ قَالَ الْمُجَهِّزُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ الْمُشْتَرِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ قَالَ من أَوَّلهمْ
[ ٢٣٦ ]
إِسْلامًا وَأَقْدَمِهِمْ هِجْرَةً وَأَعْظَمِهِمْ فَضْلا زَوَّجَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبَّ بَنَاتِهِ إِلَيْهِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي مُعَاوِيَةَ قَالَ كَاتِبُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ إِنْ يَكُنْ مُحْسِنًا فَأَتَمَّ اللَّهُ إِحْسَانَهُ وَإِنْ يَكُنْ مُسِيئًا فَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ قَالَ مَا تَقُولُ فِي الْخُلَفَاءِ مُنْذُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا قَالَ سَيُجْزَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمَسْرُورٌ ومبثور لَسْتُ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ قَالَ مَا تَقُولُ فِيَّ قَالَ أَنْتَ وَنَفْسُكَ أَعْلَمُ قَالَ بُثَّ فِي علمك قَالَ إِذا أسؤك وَلا أَسُرُّكَ قَالَ فَبُثَّ قَالَ قَدْ ظَهَرَ مِنْكَ جَوْرٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَجُرْأَةٌ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ قَالَ ذُمَّهُمْ أَوِ امْدَحْهُمْ قَالَ إِنَّمَا اسْتَحْفَظْتُ أَمْرَ نَفْسِي قَالَ فَأَيُّ رَجُلٍ أَنا قَالَ يَوْم الْقِيَامَة تختبر قَالَ فَأَيُّهُمْ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ أَرْضَاهُمْ لِخَالِقِهِ قَالَ وَأَيُّهُمْ أَرْضَاهُمْ لِخَالِقِهِ قَالَ أَتْبَعُهُمْ لأَمْرِهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِطَاعَتِهِ قَالَ وَاللَّهِ لأُقَطِّعَنَّكَ أَعْضَاءً قَالَ إِذًا تُفْسِدُ عَلَيَّ دُنْيَايَ وَأُفْسِدُ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ وَالْقِصَاصُ أَمَامَكَ قَالَ كَيْفَ تَرَى مَا نَجْمَعُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأَمْوَالِ قَالَ لَمْ أَرَ مِنْهَا شَيْئا قَالَ فَأمر بالأموال فنشرت بَين يَدَيْهِ قَالَ إِنْ حَمَلْتَها حَتَّى تَشْتَرِيَ لِصَاحِبِكَ الأَمَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذَا صَالِحٌ وَإِلا فَقَدْ أَوْقَرْتَ ظَهْرَكَ وَاشْتَدَّ حسابه قَالَ كَيفَ ترَاهُ لَا يَنْفَعُ إِلا طَيِّبٌ قَالَ أَوَلَيْسَ هُوَ بِطَيِّبٍ قَالَ بِرَأْيِكَ جَمَعْتَهُ قَالَ أَتُحِبُّ أَنَّهُ لَكَ قَالَ لَا أُحِبُّ إِلا مَا يُحِبُّ اللَّهُ قَالَ الْوَيْلُ لَكَ قَالَ الْوَيْلُ لِمَنْ زُحْزِحَ عَنِ الْجَنَّةِ وَأُدْخِلَ النَّارَ قَالَ كَيْفَ تَرَى مَا نَعُدُّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ وَالطُّبُولِ فَضُرِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَقْبَلَ سَعِيدٌ يَبْكِي وَقَالَ تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلا أَشَدَّ خِلافًا مِنْكَ ضُرِبَتْ بَيْنَ يَدَيْكَ الْمَعَازِفُ وَالطُّبُولُ فَأَقْبَلْتَ تَبْكِي قَالَ يَا حَجَّاجُ وَكَيْفَ لَا نَبْكِي مِنْ شَيْءٍ لَهُ نَظائِرُ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَة مِنْهَا
[ ٢٣٧ ]
نَفْخَةُ الصَّعْقَةِ قَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاقْتُلُوهُ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا حَجَّاجُ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَسْتَحْفِظُكَهُمَا حَتَّى أَلْقَاكَ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ تَبَسَّمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقَالَ رُدُّوهُ فَلَمَّا رَدُّوهُ قَالَ مِمَّ ضَحِكْتَ قَالَ تَعَجَّبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَحِلْمِ اللَّهِ عَنْكَ قَالَ اسْحَبُوهُ فَلَمَّا سَحَبُوهُ قَالَ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ قَالَ اصْرِفُوا وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَالَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عليم﴾ قَالَ كُبُّوهُ لِوَجْهِه عَدُوَّ اللَّهِ مَا أَنْزَعَهُ لآيِ الْقُرْآنِ فَقَالَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ اللَّهُمَّ قَاصِمَ الْجَبَابِرَةِ اقْصِمِ الْحَجَّاجَ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا حَتَّى وَقَعَ فِي جَوْفِهِ الدُّودُ وَأَصَابَهُ الكزاز
وَأَخْبرنِي بْنُ مُغِيثٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ قَالَ قُتِلَ سعيد بن جُبَير ابْنُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مَوْلًى لِبَنِي أَسَدٍ وَرَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِيهَا قِرَاءَةَ زَيْدٍ وَلَيْلَةً يَقْرَأُ فِيها بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ نَافِع عَن
[ ٢٣٨ ]
حَبِيبٍ عَنْ غَزْوَانَ الْبَجَلِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ عَوْنٍ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ لَمَّا ذُكِرَ عِنْدَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَرْسَل إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ أَجْلِ أَهْلِ الشَّامِ من خَاصَّة أَصْحَابه يُسمى المتلمس ابْن الْأَحْوَص الثَّقَفِيّ وَمَعَهُ عشرُون رجلا من ثِقَات أَصْحَابه فَأتوا الْبيعَة فَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَهُ إِذَا هَمَّ بِرَاهِبٍ فِي صومعته فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ الرَّاهِبُ صِفُوهُ لِي فَوَصَفُوهُ فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ فانْطَلَقُوا فَوَجَدُوهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَفَ لَهُمُ الرَّاهِبُ سَاجِدًا يَبْكِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَدَنَوْا مِنْهُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَأَتَمَّ صَلاتَهُ ثُمَّ رَدَّ ﵈ فَقَالُوا إِنَّا رُسُلُ الْحَجَّاجِ إِلَيْكَ فَأَجِبْهُ قَالَ وَلا بُدَّ مِنَ الإِجَابَةِ قَالُوا لَا بُدَّ فَحَمِدَ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ ثُمَّ قَامَ فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَيْرِ الرَّاهِبِ فَقَالَ الرَّاهِبُ يَا مَعْشَرَ الْفُرْسَانِ أَصَبْتُمْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا نَعَمْ يَا رَاهِبُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فَقَالَ لَهُمُ الرَّاهِبُ اصْعَدُوا الدَّيْرَ فَإِن اللبؤة والأسد يأويان حَوْلَ الدَّيْرِ فَأَبَى سَعِيدٌ مِنْ دُخُولِ الدَّيْرِ قَالُوا مَا نرَاك يَا سعيد إِلَّا أَن تُرِيدُ الْهَرَبَ مِنَّا فَقَالَ لَا وَلَكِنْ لَا أَدْخُلُ مَنْزِلَ مُشْرِكٍ أَبَدًا قَالُوا فَإِنَّا لَا نَدَعُكَ فَإِنَّ السِّبَاعَ تَقْتُلُكَ قَالَ سَعِيدٌ لَا ضَيْرَ عَلَيْكُمْ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَصْرِفُهَا عَنِّي ويجعلها حرسا حَولي يحرسوني مِنْ كُلِّ سُوءٍ قَالُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنْتَ قَالَ لَا وَلَكِنِّي عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ خاطئ مذنب قَالَ الراهب فليعطي مَا أَثِق بِهِ قَالَ سعيد إِنِّي أعطي عَلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ لَا أَبْرَحُ مِنْ مَكَانِي حَتَّى أُصْبِحَ إِنْ شَاءَ الله
[ ٢٣٩ ]
فَرَضِيَ بِذَلِكَ الرَّاهِبُ وَقَالَ لَهُمُ اصْعَدُوا وَأَوْتِرُوا الْقِسِيَّ لِتَمْنَعُوا السِّبَاعَ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ فَإِنَّهُ كَرِهَ الدُّخُولَ عَلَيَّ لِمَكَانِكُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّيْرَ وَأَوْتَرُوا الْقِسِيَّ إِذَا هُمْ بِلَبْوَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ حَتَّى دَنَتْ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَتَحَاكَّتْ بِهِ وَتَمَسَّحَتْ وَرَبَضَتْ قَرِيبًا مِنْهُ وَأَقْبَلَ الأَسَدُ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَبَضَ قَرِيبًا مِنْهُ فَلَمَّا رَأَى الرَّاهِبُ ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ شَرَائِعِ دِينِهِ وَعَنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ففسر لَهُ ذَلِك فَأسلم الراهب وَحَسُنَ إِسْلامُهُ وَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيُقَبِّلُونَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي وَطِئَهُ مِنَ الأَرْضِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ يَا سَعِيدُ قَدْ حَلَفْنَا بِالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ إِنْ نَحْنُ عَايَنَّاكَ لَا نَدْخُلُ إِلَى الْحَجَّاجِ إِلا بِشَخْصِكَ فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ فَقَالَ لَهُمُ امْضُوا لأَمْرِكُمْ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَمْرِ الْخَالِقِ وَلا رَادَّ لِقَضَائِهِ قَالَ فَسَارُوا بِهِ حَتَّى بَلَغُوا وَاسِطَ فَقَالَ سَعِيدٌ يَا مْعَشَرَ الإِخْوَةِ قَدْ تَحَرَّمْتُ بِكُمْ وَصُحْبَتِكُمْ وَلَسْتُ أَشُكُّ فِي أَنَّ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ وَأَنَّ مُدَّتِي قَدِ انْقَضَتْ فَدَعُونِي اللَّيْلَةَ آخُذُ أُهْبَةَ الْمَوْتِ وَأَسْتَعِدُّ لِمُنْكَرَ وَنَكِيرَ وَأَذْكُرُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَمَا يحثى عَليّ من التُّرَاب فَإِذَا أَصْبَحْتُمْ فَالْمِيعَادُ بَيْنِي وَبَيْنِكُمُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَا نُرِيدُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعْطِيكُمْ مَا أَعْطَى الرَّاهِبَ وَيْحَكُمْ أَمَا لَكُمْ عِبْرَةٌ بِالأَسَدِ كَيْفَ تَحَاكَّتْ بِهِ وَكَيْفَ حَرَسَتْهُ إِلَى الصَّبَاحِ وَقَالَ بَعضهم هُوَ عَليّ أَنا أدفعه إِلَيْك إنْشَاء اللَّهُ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى سَعِيدٍ قَدْ دَمِعَتْ عَيْنَاهُ وَشَعِثَ رَأْسَهُ وَاغْبَرَّ لَوْنُهُ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ لَقُوهُ وَصَحِبُوهُ وَقَالُوا بِجَمَاعَتِهِمْ يَا خَيْرَ أَهْلِ الأَرْضِ لَيْتَ إِنَّا لَمْ نَتَّبِعْكَ وَلَمْ نَسْرَحْ إِلَيْكَ الْوَيْلَ لَنَا وَيْلا طَوِيلا كَيْفَ ابْتُلِينَا بِكَ فَاعْذُرْنَا عِنْدَ خَالِقِكَ عِنْدَ الْحَشْرِ الأَكْبَرِ فَإِنَّهُ الْقَاضِي الأَكْبَرُ وَالْعدْل الَّذِي
[ ٢٤٠ ]
لَا يَجُورُ قَالَ سَعِيدٌ مَا أَعْذَرَنِي لَكُمْ وَأَرْضَانِي بِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْبُكَاءِ وَالْمُحَادَثَةِ وَالْكَلامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالُوا بِاللَّهِ يَا سَعِيدُ أَلا زَوَّدْتَنَا مِنْ كَلامِكَ فَإِنَّا لَا نَلْقَى مِثْلَكَ أَبَدًا فَفَعَلَ ذَلِكَ سَعِيدٌ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَمِدْرَعَتَهُ وَكِسَاءَهُ وَحَنَّطَ نَفْسَهُ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَمُودُ الصُّبْحِ جَاءَهُمْ سَعِيدٌ فَقَرَعَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَقَالُوا صَاحِبُنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَنَزَلُوا فَبَكَوْا مَعَهُ طَوِيلا ثُمَّ قَامَ الْمُتَلَمِّسُ الثَّقِفِيُّ وَآخَرُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلا على الْحجَّاج فَقَالَ أتيتماني بِسَعِيد ابْن جُبَيْرٍ قَالا نَعَمْ وَعَايَنَّا مِنْهُ الْعَجَبَ فَأَصْرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُمَا وَقَالَ أَدْخِلاهُ عَلَيَّ فَخَرَجَ الْمُتَلَمِّسُ فَقَالَ أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ يَا سَعِيدُ وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ قَالَ فَدَخَلُوا بِهِ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ مَا اسْمُكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير قَالَ بَلْ أَنْتَ شَقِيُّ بْنُ كُسَيْرٍ قَالَ لأُبْدِلَنَّكَ نَارًا تَلَظَّى قَالَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ إِلَيْكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَهًا قَالَ فَمَا قَوْلُكَ فِي مُحَمَّدٍ قَالَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَإِمَامُ الْهُدَى قَالَ مَا تَقُولُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَفِي الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ قَالَ لَوْ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَهْلَهَا عَرَفْتُ مَنْ فِيهَا قَالَ مَا تَقُولُ فِي الْخُلَفَاءِ قَالَ لَسْتُ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ قَالَ فَأَيُّهُمْ أَعْجَبُ إِلَيْكَ قَالَ أَرْضَاهُمْ لِلْخَالِقِ قَالَ فَأَيُّهُمْ أَرْضَى لِلْخَالِقِ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ قَالَ أَبَيْتُ أَنْ تَصْدُقَنِي قَالَ بَلْ لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَكْذِبَ قَالَ هَلْ رَأَيْتَ يَا سَعِيدُ مَا جَمَعْنَا لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا قَالَ فَأَمَرَ بِاللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ فَنَثَرَ بَيْنَ يَدَيْ سَعِيدٍ فَقَالَ سَعِيدٌ إِنْ كُنْتَ جَمَعْتَ هَذَا لتفتدي بِهِ من قرع يَوْم الْقِيَامَة فَصَالح وَإِلَّا فقرعة وَاحِدَةٌ تُذْهِلُ كُلَّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَلا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَمَعْتَ لِلدُّنْيَا إِلا مَا زَكَا وَطَابَ ثُمَّ أَمَرَ بِالْعُودِ وَالنَّايِ فَلَمَّا ضرب الْعود وَنُفِخَ فِي النَّايِ بَكَى سَعِيدٌ فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ هُوَ اللَّهْوُ قَالَ بَلْ هُوَ الْحُزْنُ أما النفخة فقد ذَكرتني يَوْم عَظِيم
[ ٢٤١ ]
﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ وَأَمَّا الْعُودُ فَشَجَرَةٌ قُطِعَتْ بِغَيْر حق وَأما هَذِه الأَوْتَارُ فَأَمْعَاءُ شَاةٍ تُبْعَثُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْحَجَّاجُ الْوَيْلُ لَكَ يَا سَعِيدُ قَالَ سَعِيدٌ الْوَيْلُ لِمَنْ زُحْزِحَ عَنِ الْجَنَّةِ وَأُدْخِلَ النَّارِ قَالَ الْحَجَّاجُ أَتُرِيدُ أَنْ أَعْفُوَ عَنْكَ قَالَ إِنْ كَانَ الْعَفْوُ فَمِنَ اللَّهِ وَأَمَّا أَنْتَ فَلا بَرَاءَةَ لَكَ وَلا عُذْرَ قَالَ اقْتُلُوهُ قَالَ سَعِيدٌ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ قَالَ شُدُّوا بِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ قَالَ سَعِيدٌ ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ قَالَ أَكِبُّوهُ لِوَجْهِهِ قَالَ سَعِيدٌ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ قَالَ فَأَمَر بِنِطْعٍ فَبُسِطَ وَقَالَ اذْبَحُوهُ قَالَ سَعِيدٌ إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا حَجَّاجُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَخُذْهَا مِنِّي تَلْقَانِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَذُبِحَ عَلَى النِّطْعِ وَدَعَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵀ مَنْ قَبْلِ أَنْ يُذْبَحَ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي فَلَمْ يَقْتُلْ بعده أحدا وَبَلغنِي أَنه عَاشَ سِتَّة عشر لَيْلَة وَوَقعت الْأكلَة فِي بَطْنه فَدَعَا بالطبيب لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ دَعَا بِلَحْمٍ منتن فَعُلِّقَ فِي خَيْطٍ أَسْوَدَ فَسَرَّحَهُ فِي حَلْقِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ سَاعَةً ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ وَقَدْ لَزِقَ بِهِ الدُّودُ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ وَبَلَغَنَا انه كَانَ يُنَادي فِي بَقِيَّة حَيَاته مَالِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كُلَّمَا أَرَدْتُ النَّوْمَ أَخَذَ بِرِجْلَيَّ وَبَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ دَعَا عَلَيْهِ بِالزَّمْهَرِيرِ قَالَ فَكَانُوا يَجْعَلُونَ حَوْلَهُ الْكَوَانِينَ قَدْ مُلِئَتْ جَمْرًا مَعَ مَا كَانَ قَدْ دَثَّرُوهُ فَمَا زَالَ فِي عَذَابِهِ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْحسن فَأَتَاهُ فَاعْتَذر إِلَيْهِ
[ ٢٤٢ ]
وشكى مَا نَزَلَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ قَدْ نَهَيْتُكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَا تَتَعَرَّضْ لِلصَّالِحِينَ وَلا تَكُنْ مِنْهُمْ إِلا بِسَبِيلِ خَيْرٍ فَأَبَيْتَ ولججت ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا قد انْتَهَى بِكَ الْكِتَابُ أَجَلُهُ ثُمَّ مَاتَ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ دَاوُدَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ قَالَ الْحَجَّاجُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لأُعَذِّبَنَّكَ عَذَابًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ وَالله لقد عبدت الله عبَادَة لأَنْتَ فِي عَيْنَيَّ أَصْغَرُ مِنَ الذُّبَابِ وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا أُوذِيَ نَبِيٌّ وَلا صِدِّيقٌ فِي اللَّهِ إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ أَلَمًا يَجِدُهُ
وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلًى لِبَنِي وَالِبَةَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ أَسْوَدَ وَكَانَ كَاتِبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ثُمَّ كَتَبَ لأَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَخَرَجَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَلَمَّا انْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ مِنْ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ هَرَبَ سَعِيدٌ إِلَى مَكَّةَ فَأَخَذَهُ خَالِدُ بْنُ عبد الله الْقَسْرِيِّ وَكَانَ وَالِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى مَكَّةَ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ قَالَ فَحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الصَّهْبَاءِ قَالَ قَالَ الْحَجَّاجُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ اخْتَرْ أَيَّ قتلة شِئْت قَالَ بل أَنْت اختر لِنَفْسِكَ فَإِنَّ الْقِصَاصَ أَمَامَكَ وَقَالَ لَهُ أَلَمْ أَقْدُمِ الْكُوفَةَ وَبِهَا الْعَرَبُ فَجَعَلْتُكَ إِمَامًا قَالَ بَلَى قَالَ أَلَمْ أُوَلِّكَ الْقَضَاءَ فَضَجَّ النَّاسُ وَقَالُوا لَا يَصْلُحُ الْقَضَاءُ إِلا لِعَرَبِيٍّ فَاسْتَقْضَيْتُ
[ ٢٤٣ ]
أَبَا بُرْدَةَ وَأَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونك قَالَ بلَى قَالَ أَو مَا جعلتك فِي سماري قَالَ بلَى قَالَ أَو مَا أَعطيتك من المَال كَذَا وَكَذَا تفرقه فِي ذَوِي الْحَاجَةِ لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا أَخْرَجَكَ قَالَ بَيْعَةٌ كَانَتْ لابْنِ الأَشْعَثِ فِي عُنُقِي قَالَ فَغَضِبَ الْحَجَّاجُ وَقَالَ بَيْعَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَبْلُ فِي عُنُقِكَ وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ وَقَتَلَهُ الْحجَّاج وَهُوَ ابْن تسع وَأَرْبَعِينَ سَنَةً (١) قَالَ سَعِيدٌ لِلْقَتَّالِ سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ لَا تَقْتُلْنِي حَتَّى أَتَكَلَّمَ بِكَلِمَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ تَكَلَّمْ بِمَا شِئْتَ فَقَالَ سَعِيدٌ اللَّهُمَّ مَا عَادَانِي إِلا فِيكَ وَلا أَبْغَضَنِي إِلا مِنْ أَجْلِكَ اللَّهُمَّ لَا تُحِلَّ لَهُ دَمِي وَلا تُمْهِلْهُ بَعْدِي فَقُدِّمَ فَذُبِحَ فَمَا قُتِلَ حَتَّى ضَرَبَ الْحَجَّاجَ الزَّمْهَرِيرُ فِي بَطْنِهِ فَصَاحُوا خَلُّوا سَبِيلَ الرَّجُلِ فَخَرَجَ النَّاسُ فَأَصَابُوهُ قَتِيلا فَأَخْبَرُوا الْحَجَّاجَ فَنَادَى دَثِّرُونِي فَمَا انْتَفَعَ بِشَيْءٍ قَالَ مَا أَرَى الدِّثَارَ يَنْفَعُنِي شَيْئًا عَلَيَّ بِالنَّارِ فَأَتَوْهُ بِالْكَوَانِينِ فَجَعَلُوا النَّارَ حَوْلَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى احْتَرَقَتْ ثِيَابُهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَصِيحُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَتَجَرَّدَ وَأَقْبَلَ يَصْطَلِي حَتَّى تَفَطَّرَ جَسَدُهُ وَلَمْ يَنْفَعْهُ شَيْئًا فَلَمَّا عَظُمَ الْبَلاءُ عَلَيْهِ قَالَ ائْتُونِي بِالْحَسَنِ فَأَتَوْهُ بِهِ فَصَاحَ الْحَجَّاجُ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَدْرِكْنِي مَالِي ولسعيد فَقَالَ لَهُ الْحسن مَا لسَعِيد وَمَالك يَا حَجَّاجُ لَوْ تَرَكْتَ سَعِيدًا لَتَرَكَكَ اللَّهُ أَمَا نَهَيْتُكَ يَا حَجَّاجُ أَنْ لَا تَتَعَرَّضَ لأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَلَمَّا نَظَرَ الْحَسَنُ إِلَى مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ ثُمَّ أَقْبَل يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ يَا أَبَا سَعِيدٍ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ أَسْتَغِيثُ بِكَ وَأَنْتَ تَبْكِي عَلَى نَفْسِكَ فَقَالَ الْحَسَنُ أَمَّا أَنْتَ يَا حَجَّاجُ فَقَدْ عُجِّلَ لَكَ مَا صَنَعْتَ وَأَمَّا أَنَا فَلا أَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِي فِي أَمْرِي أَيُؤَخِّرُنِي فِيمَنْ يُؤَخِّرُ ثُمَّ يُعَجِّلُ بِي ثُمَّ خَرَجَ
[ ٢٤٤ ]
عَنْهُ الْحَسَنُ مَغْمُومًا مَكْرُوبًا خَائِفًا وَجِلا عَلَى نَفْسِهِ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ وَقَدْ نَزَلَ بِهِ عَظِيمٌ فَأَقَامَ الْحَجَّاجُ مُعَذَّبًا لَا يَكَادُ يَمُوت وَلَا يحيى خَمْسَة عشر لَيْلَةً وَقَالَ الْحَجَّاجُ رُدُّوا عَلَيَّ الْحَسَنَ فَرَدُّوهُ قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ مِنَ السَّهَرِ وَقَدِ احْتَرَقَتْ ثِيَابُهُ وَتَشَقَّقَ جِلْدُهُ مِنْ حَرِّ النَّارِ وَحَوْلَهُ تِسْعَةُ كَوَانِينَ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفَارِقُ الزَّمْهَرِيرُ جَوْفَهُ قَالَ فَكَلَّمَنِي وَقَدْ ضَعُفَ وَبَحَّ صَوْتُهُ فَأَنْشَأَ وَهُوَ يَقُولُ يَا إِلَهِي إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّكَ لَا تَرْحَمُنِي فَارْحَمْنِي ثُمَّ قَالَ يَا حَسَنُ لَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْأَلَهُ أَنْ يُفَرِّجَ عَنِّي وَلَكِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْأَلَهُ أَنْ يَقْبِضَ رُوحِي وَلا يُطَوِّلَ عَذَابِي فَيَفْعَلَ بِي مَا يَشَاءُ فَبَكَى الْحَسَنُ بُكَاءً شَدِيدًا وَاسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ أَنْ يَسْأَلَهُ فِيهِ فَأَذِنَ اللَّهُ بِقَبْضِ رُوحِهِ فَقُبِضَ وَالْحَسَنُ وَاقِفٌ فَقَالَ الْحَسَنُ لأَهْلِهِ خُذُوا فِي جَهَازِهِ وَقَعَدَ الْحَسَنُ عَلَى بَابِهِ يَنْتَظِرُ جَنَازَتَهُ وَأَبَى الْعَابِدُونَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلا يَحْضُرُوا لَهُ جِنَازَةً لِمَا كَانَ أَنْزَلَ بِهِمْ وَمَا كَانَ فَعَلَ بِالْعَابِدِينَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ الْحَسَنُ يَنْتَظِرُ جِنَازَتَهُ فَلَمْ يَحْضُرْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ غَيْرُهُ فَلَمَّا مَضَوْا بِالْجِنَازَةِ مَضَى مَعَهُمُ الْحَسَنُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَأَقَامَ عِنْدَ جِنَازَتِهِ حَتَّى وَارَاهُ بِالتُّرَابِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى دَارِ الْحَسَنِ وَقَالُوا يَا أَبَا سَعِيدٌ رَجُلٌ رَمَى الْبَيْتَ وَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَقَتَلَ ابْنَ عُمَرَ وَقَتَلَ الْعَابِدِينَ وَآخِرُ مَنْ قَتَلَ رَأْسُ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَكَيْفَ رَضِيتَ أَنْ تَحْضُرَ جِنَازَتَهُ فَيَقُولَ الْمُلُوكُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَجَّاجُ لَيْسَ للَّهِ رضى مَا حَضَرَ الْحَسَنُ جِنَازَتَهُ وَلا صَلَّى عَلَيْهِ فَقَدْ أَهْلَكْتَ الْعَابِدِينَ آخِرَ الدَّهْرِ وَأَحْلَلْتَهُمْ لِمُلُوكِ الأَرْض فَمَا حملك على مَا صنعت فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ إِنِّي أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثلثمِائة رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا كُلُّهُمْ يَأْمُرُونَ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى بَارِّ هَذِهِ الأُمَّةِ وَفَاجِرِهَا فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا دَعَوْنَا اللَّهَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ وَإِنْ كَانَ مسيئا دَعونَا الله لَهُ
[ ٢٤٥ ]
بِالْمَغْفِرَةِ هَكَذَا أَمَرُوا وَلَسْتُ مُجَاوِزًا أَمْرَهُمْ فَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَكَفَى اللَّهُ أَمْرَهُ فَكَانَ فِيمَا ابْتُلِيَ بِهِ الْحَجَّاجُ أَنْ كَفَّ اللَّهُ الأَذَى عَنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَعُبَّادِهَا
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وحَدثني مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ لما قبر كَانَ على قَبره حراسا يَحْرُسُونَهُ فَلَمَّا أَنْ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ إِذَا هُمْ بِحَرَكَةٍ فِي قَبْرِهِ وَحِسِّ جَرِّ السَّلاسِلِ وَصَلْصَلَتِهَا وَقَائِلٌ يَقُولُ أُعَذَّبُ وَأَنَا أَقَرْأُ الْقُرْآنَ وَلَمَّا أَنْ كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ سَمِعُوا فِي قَبْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي سمعُوا اللَّيْلَة الأولى فَلَمَّا أَصْبحُوا (١) قَالَ إِذَا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ آتِيكُمْ حَتَّى أَسْمَعَ مَا أُسْمِعْتُمْ قَالَ فَأَتَاهُمْ فَإِذَا الْحَرَكَةُ وَالْحِسُّ كَمَا ذكرُوا وكما سمعُوا قبل ذَلِك فَأقبل الظَّالِم وَهُوَ يَقُول ذَلِك يَا عَدُوَّ اللَّهِ بِتَقْصِيرِكَ وَتَفْرِيطِكَ فِي طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ هَذَا مِنَ الْعُتَاةِ أَيْضًا
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ وَقَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِخَطِّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ وَأَنَا أَعْرِفُ خَطَّهُ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا قَتَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سَالَ مِنْ دَمِهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ اسْتَنْكَرَهُ الْحَجَّاجُ وَهَالَهُ لِكَثْرَتِهِ فَدَعَا الْبَيَادُوقَ وَكَانَ مُتَطَبِّبًا فَقَالَ إِنِّي أَنْكَرْتُ كَثْرَةَ دَمِهِ فَمِمَّ ذَلِكَ قَالَ الصِّدْقُ يُنْجِينِي قَالَ نَعَمْ قَالَ قتلته وَنَفسه مجتمعة غير هايب لِمَا فَعَلْتَ بِهِ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ قَتَلْتَ قَتَلْتَهُ وَهُوَ مفترق النَّفس هايب لَك قيقل دَمُهُ لِذَلِكَ وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا يُقَدِّمُ أَحَدًا عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي عِلْمِهِ وَكَانَ بِهِ معجبا
وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الدَّقَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ
[ ٢٤٦ ]
سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ وَيحكم أخليفة أحدكُم فِي أَهله أَمْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ يُرِيدُ بِالْخَلِيفَةِ عَبْدَ الْمَلِكِ بن مَرْوَان وبالرسول مُحَمَّد ﷺ
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ قَالا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الرَّبِيعِ شَكَّ عَلِيٌّ أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ فِي كَلامِهِ وَيْحَكُمْ أَخَلِيفَةُ أَحَدِكُمْ فِي أَهْلِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ رَسُولُهُ فِي حَاجَتِهِ قَالَ قُلْتُ للَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُصَلِّيَ خَلْفَكَ أَبَدًا وَلَئِنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُقَاتِلُونَكَ لأُقَاتِلَنَّكَ قَالَ فَقَاتَلَ يَوْمَ الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ
قَالَ وَحَدَّثَنِي ابْنُ أُسَامَةَ وَعمر عَن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَسَانِيدَ اخْتَصَرْتُهَا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ مُؤْمِنًا بِالطَّاغُوتِ كَافِرًا بِالرَّحْمَنِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِيهِ الشَّيْخُ الْكَافِرُ
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ شَهِدْتُ الْحَجَّاجَ حِينَ أُتِيَ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ لَهُ أَنْتَ الشَّقِيُّ بْنُ كُسَيْرٍ قَالَ لَا بَلْ أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِذًا أَنَا كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي إِنِّي أَعُوذُ مِنْكَ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَرْيَمُ قَالَ وَمَاذَا
[ ٢٤٧ ]
عَاذَتْ بِهِ مَرْيَمُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ قَالَتْ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تقيا﴾ قَالَ اضْرِبُوا عُنُقَهُ قَالَ دَعْنِي أُصَلِّي رَكَعْتَيْنِ قَالَ وَلُّوهُ قِبْلَةَ النَّصَارَى فَقَالَ سَعِيدٌ ﴿فَأَيْنَمَا توَلّوا فثم وَجه الله﴾
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا قَالَ أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ قَالَ قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ
وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُنْقِذٌ حَاجِبُ الْحَجَّاجِ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَكَثَ ثَلاثَ لَيَالٍ لَا يَنَامُ يَقُولُ مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
[ ٢٤٨ ]