﵇
من كتاب الملل والنحل للشهرستاني قال: وللنصارى في تجسد الكلمة مذاهب. فمنهم من قال: أشرقت على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال: انطبعت فيه انطباع النقش في الشمعة، ومنهم من قال تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن بالماء.
واتفقت النصارى على أن المسيح قتلته اليهود وصلبوه، ويقولون أن المسيح بعد أن قُتل وصلب ومات، عاش فرأى شخصه شمعون الصفا، وكلمه وأوصى إليه، ثم فارق الدنيا وصعد إلى السماء. قال: وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبارهم ثلاث فرق، الملكانية والنسطورية، واليعقوبية.
أما الملكانية فهم أصحاب ملكا الذي ظهر ببلاد الروم، واستولى عليها، فصار غالب الروم ملكانية، وهم يصرحون بالتثليث وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " " المائدة: ٧٣ " وصرحت الملكانية
[ ١ / ٨٩ ]
أن المسيح ناسوت كلي، وهو قديم أزلي من قديم أزلي، وقد ولدت مريم إلهًا أزليًا، والقتل والصلب وقعا على الناسوت واللاهوت معًا، وأطلقوا لفظ الأبوة والبنوة على الله تعالى وعلى المسيح حقيقة، وذلك لما وجدوا في الإنجيل: إنك أنت الابن الوحيد، ولما رووا عن المسيح أنه قال حين كان يصلب: أذهب إلى أبي وأبيكم.
وحرموا أريوس لما قال: القديم هو الله تعالى والمسيح مخلوق، واجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة بالقسطنطينية، بمحضر من قسطنطين ملكهم، وكانوا ثلاثمائة ثلاثة عشر رجلًا، واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادًا ودعوة وذلك قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، الذي بيده اتفقت العوالم، وكل شيء الذي من أجلنا وأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وولد من مريم البتول، وصلب ودفن ثم قام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية، وبقيام أبداننا، وبالجياة الدائمة أبد الآبدين.
هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات، ووضعوا شرائع النصارى واسم الشريعة عندهم الهيمانوت.
وأما النسطورية فهم أصحاب نسطورس، وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا، خالفت النسطورية الملكانية في اتحاد الكلمة، فلم يقولوا بالامتزاج، بل إن الكلمة أشرقت على جسد المسيح كإشراق الشمس في كوة، أو على بلور، وقالت النسطورية أيضًا: إن القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته، لا من جهة لاهوته، خلافًا للملكانية.
وأما اليعقوبية وهم أصحاب يعقوب البردغادي وكان راهبًا بالقسطنطينية، فقالوا إن الكلمة انقلبت لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح.
قال ابن حزم: واليعقوبية يقولون: إن المسيح هو الله قتل وصلب ومات، وإن العالم بقي ثلاث أيام بلا مدبر، وعنهم أخبر القرآن العزيز بقوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " " المائدة: ٧٢، " ومن كتاب ابن سعيد المغربي قال: البطارقة للنصارى بمنزلة الأئمة أصحاب المذاهب للمسلمين، والمطارنة مثل القضاة، والأساقفة مثل المفتين، والقسيسون بمنزلة القراء، والجاثليق بمنزلة الإمام الذي يؤم في الصلاة، والشمامسة بمنزلة المؤذنين وقومة المساجد، وأما صلوات النصارى فإنها سبع، عند الفجر والضحى والظهر والعصر والمغرب والعشاء ونصف الليل، يقرؤون فيها بالزبور المنزل على داود تبعًا لليهود في ذلك، والسجود في صلاتهم غير محدود، قد يسجدون في الركعة الواحدة خمسين سجدة، ولا يتوضؤون للصلاة، وينكرون الوضوء على المسلمين واليهود، ويقولون الأصل طهارة القلب.
ومما نقلناه من كتاب نهاية الإدراك في دراية الأفلاك للخرقي في الهيئة، أن للنصارى أعيادًا وصيامات، فمنها صومهم الكبير، وهو صوم تسعة وأربعين يومًا، أولها يوم الاثنين وهو أقرب اثنين إلى الاجتماع الكائن فيما بين اليوم الثاني من شباط، إلى اليوم الثامن من آذار، فأي اثنين كان أقرب إليه، إما قبل الاجتماع وإما بعده، فهو رأس صومهم، وفطرهم أبدًا يكون يوم الأحد الخمسين من هذا الصوم، وسبب تخصيصهم هذا الوقت بالصوم، أنهم يعتقدون أن البعث والقيامة في مثل يوم الفصح، وهو اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره بزعمهم.
ومن أعيادهم الشعانين الكبير وهو يوم الأحد الثاني والأربعون من الصوم، وتفسير الشعانين التسبيح، لأن المسيح دخل يوم الشعنينة المذكورة إلى القدس، راكب أتان يتبعها جحش، فاستقبله الرجال والنساء والصبيان وبأيديهم ورق الزيتون، وقرؤوا بين يديه التوراة إلى أن دخل بيت المقدس، واختفى عن اليهود يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، وغسل في يوم الأربعاء أيدي صحابه الحواريين وأرجلهم، ومسحها في ثيابه، وكذلك يفعله القسيسون بأصحابهم في هذا اليوم، ثم أفصح في يوم الخميس بالخبز والخمر، وصار إلى منزل واحد من أصحابه، ثم خرج المسيح ليلة الجمعة إلى الجبل، فسعى به يهوذا وكان أحد تلامذته إلى كبراء اليهود، وأخذ منهم ثلاثين درهمًا رشوة، ودلهم عليه، فألقى الله شبه المسيح على المذكور، فأخذوه وضربوه ووضعوا على رأسه إكليلًا من الشوك، وأنالوه كل مكره وعذبوه بقية تلك الليلة، أعني ليلة الجمعة إلى أن أصبحوا فصلبوه بزعمهم أنه المسيح، على ثلاث ساعات من يوم الجمعة، على قول متى ومرقوس ولوقا، وأما يوحنا فإنه زعم أنه صلب على مضي ست ساعات من النهار المذكور، ويسمى جمعة الصلوب وصلب معه لصان على جبل يقال له الجمجمة واسمه بالعبرانية كاكله وماتوا على ما زعموا في الساعة التاسعة، ثم استوهب يوسف النجار، وهو ابن عم مريم المسيح من قائد اليهود هيروذس، واسمه فيلاطوس، وكان ليوسف المذكور منزلة ومكانة عنده فوهبه إياه فدفنه يوسف في قبر كان أعده لنفسه، وزعمت النصارى أنه مكث في القبر ليلة السبت ونهار السبت وليلة الأحد ثم قام صبيحة يوم الأحد الذي يفطرون فيه، ويسمون النصارى ليلة السبت بشارة الموتى بقدوم المسيح.
ولهم الأحد الجديد وهو أول أحد بعد الفطر، ويجعلونه مبدأ للأعمال وتاريخًا للشروط والقبالات.
ولهم عيد السلاقا ويكون يوم الخمسين، بعد الفطر بأربعين يومًا، وفيه تسلق المسيح مصعدًا إِلى السماء، من طور سيناء.
ولهم عيد الفنطي قسطي وهو يوم الأحد بعد السلاقا بعشرة أيام. واسمه مشتق من الخمسين بلسانهم، وفيه تجلى المسيح لتلامذته وهم السليحيون، ثم تفرقت ألسنتهم وتوجهت كل فرقة إلى موضع لغتها.
ولهم الدنح وهو سادس كانون الثاني، وهو اليوم الذي غمس فيه يحيى بن زكريا الميسح في نهر الأردن.
[ ١ / ٨٣ ]
ولهم عيد الصليب وهو مشهور.
ولهم الميلاد ويصومون قبله أربعين يومًا، أولها سادس عشر تشرين الآخر وكان الميلاد في ليلة الرابع والعشرين من كانون الأول: وفي الليلة المذكورة ولدت مريم المسيح في قرية بالقرب من القدس تسمى بيت لحم.
وأما الإنجيل فهو كتاب يتضمن أخبار المسيح ﵇، من ولادته إلى وقت خروجه من هذا العالم، كتبه أربعة نفر من أصحابه، وهم متى كتبه بفلسطين بالعبرانية، ومرقوس كتبه ببلاد الروم باللغة الرومية، ولوقا كتبه بالاسكندرية باللغة اليونانية، ويوحناّ كتبه بالإسكندرية باللغة اليونانية أيضًا.
ولهم صوم السليحيين وهو ستة وأربعون يومًا، أولها يوم الاثنين تالي الفنطي قسطي، بعد الفطر الكبير بخمسين يومًا، ولهم فيه خلاف.
ولهم صوم نينوى ثلاثة أيام، أولها يوم الاثنين الذي قبل الصوم الكبير باثنين وعشرين يومًا.
ولهم صوم العذارى وهو ثلاثة أيام أولها يوم الاثنين، يتلو الدنح، وفطره يوم الخميس.