حول كيفية تجهيز سفن القرصنة (١) في الجزائر
وتوزيع الغنائم، وحول التنظيم العسكري والديوان
لقد نتجت فكرة تجهيز سفن القرصنة في الجزائر عن الرغبة في الانتقام.
وكان لا بد أن تتسم مثل هذه الاستعدادات بالعنف والضراوة ضد الإسبانيين الذين تشكو منهم هذه الشعوب أكثر من أية أمة أجنبية أخرى. وفيما بعد سوف تستعمل هذه السفن في تصفية النزاعات الدينية.
كان الجزائريون يجهزون سفنا صغيرة تشبه سفن الإسبانيين، وكانوا يراقبون السواحل ويقومون بنوع من التجارة، وفي نفس الوقت يحتجزون السفن الأسبانية ويقودونها إلى مدينة الجزائر. ولا تدوم هذه الجولات البحرية، في العادة أكثر من خمسة أو ستة أيام. وعلى الرغم من أن قواد هذه السفن يجهلون فن الملاحة، كما سبق أن ذكرنا ; فإنهم يعرفون أن الساحل الإسباني في الشمال والساحل الإفريقي في الجنوب، وكانت قمم الجبال هي بوصلتهم التي تقودهم في سيرهم وتساعدهم على بلوغ الهدف.
_________________
(١) هي الصفة التي كان الغربيون يطلقونها على الجهاد البحري الذي كان يقوم به سكان شمال إفريقيا ضد القراصنة من الأوروبيين وغيرهم.
[ ٧٩ ]
ونطرا للنظام البحري الذي وضعته الإيالة، وتشجيعا للطامحين على امتهان هذه الحرفة، كان هؤلاء البحارة يستطيعون الارتقاء حتى إلى درجة أميرال ويشاركون في المجالس التي تنظر في أمور السلم أو الحرب مع هذه الأمة أو تلك. وليس للداي، في هذا المجلس، أكثر من حقه في التصويت.
وكيل الحرج هي التسمية التي تطلق على من يتولى وزارة الحبرية. وتنحصر اختصاصاته في الجزائر، في كونه محاسبا للعتاد الحربي في الإيالة، ومراقبا لأشغال الترسانة.
وعندما تجلب الغنائم إلى مدينة الجزائر، تباع للسكان وتوزع قيمتها حينا على ذوي الحقوق. وتأخذ الخزينة العامة الخمس كنصيب لها ووفقا لما تنص عليه شريعتنا، على أن هذا الخمس لم يكن تاما أبجا لأن الأشياء الثمينة كانت تؤخذ قبل الاطلاع على الغنائم. وفي كثير من الأحيان تعلم الحكومة بذلك ولكنها تغض الطرف حتى لا تفشل هؤلاء البؤساء الذين يعرضون أنفسهم للموت إما تعصبا للدين وإما رغبة في الحصول على الغنيمة.
وكانت حكومة الأتراك تعلم كل العلم أنها إذ تشجع السكان في إنجاز مشاريعهم هذه، وتدفعهم في طريق الثروة، إنما تعمل على إثراء نفسها.
وعلى الرغم من أن العائدات كانت ضئيلة عندما تأسست الإيالة، فإنها كانت تدرك بأنها إنما تعمل للمستقبل، وإنها سوف تتمكن فيما بعد من أن تجني، بطريقة شرعية، ثمار صناعتها وسياستها مثل رسوم الجمارك وغيرها.
وعندما تأسست الإيالة كانت الميليشيا تتكون من الأتراك وأبنائهم من النساء العربيات، لأنهم كانوا يتزوجون من الأهالي.
[ ٨٠ ]
ويتسم الآتراك بالقناعة والشرف والكرم. وبمجرد ما يحصل أحدهم على بغض المال يسافر إلى تركيا مسقط رأسه (٢)، فيأخذ معه ألبسة فاخرة ليظهر في مظهر الرخاء والترف أمام بني وطنه وليعجبهم، إذ ربما هو ابن لأحد العمال أو المزارعين. وعندما يعود إلى الجزائر حيث عائلته، يصطحب معه جماعة من سكان بلاده يقدمهم إلى الدفتر، وتحت ضمانة يقبلون في صفوف الميليشيا ثم يتولى بنفسه تدريبهم على الجندية وتعليمهم واجباتهم الجديدة. ويخبرهم بأن في استطاعتهم الارتقاء، يوما، إلى أعلى مرتبة، وفي إمكانهم، على غراره وبعد أتعاب الحرب، أن يتمتعوا براحة طيبة، ويعيشوا في هناء ورخاء في أوساط المجتمع، وأن يتزوجوا بدورهم من الأهالي.
ومن النادر أن تجد سارقا أو قاتلا من بين هؤلاء الجنود. وقد كانوا شديدي الحرص على احترام عادات البلاد ليحببوا أنفسهم إلى سكان الإيالة.
ومن كانت لهم بعض المساوئ، كانوا يعملون على إصلاحها أو يخفونها بدقة للأسباب التي ذكرنها ولأن مستقبلهم موقوف على حسن سيرتهم.
وبعد المشاركة في إحدى الحملات، يستطيع الجندي التركي أن ينخرط في صفوف البحرية تدفعه إلى ذلك مصلحته الشخصية وتساعده تربيته والصدف في بعض الأحيان. وتشتمل هذه المهنة على إمكانيات كبيرة للهلاك ولاكتساب الثروات. فبعض البحارة يموتون أو يستعبدون، وبعضهم يحصلون على الثروة والرتب. وفي الفصل الخاص بالفن العسكري سأذكر الدرجات التي يمكن لهم أن يبلغواها.
_________________
(١) لم تكن تركيا هي مسقط رأس جميع الانكشاريين، وإنما استعمل حمدان ذلك تجاوزا فقط.
[ ٨١ ]
وفي وقت من الأوقات، رأى الداي نفسه مضطرا إلى بناء مسكن يقيم فيه خارج القصبة، وتشييد حصون لحماية المدينة، وثكنات للجيش. وحتمت عليه مثل هذه المصاريف ألا يمنح الجندي الواحد سوى أجر مقداره ١٨ فرنكا عن كل شهرين وأربع خبزات يوميا، وللاقتصاد، كان هذا الخبز يحتوي على ثلثين من القمح وثلث من الشعير.
ويعطى للجندي، عند انخراطه في السلك العسكري، بذلة عادية وبندقية وطقان وقليل من البارود وقطعة من الرصاص يذيبها ويقولبها بنفسه، وبما أن الغنائم كانت معتبرة في ذلك الحين، فإن هذه المؤن كافية بالنسبة للجندي الذي يستعد للمشاركة في حملة من الحملات.
أما الأجناد المتزوجون، فإنهم يتنازلون عن الخبز عندما يرون أن خزينة الإيالة مثقلة بالديون، ولما تجمع الحكومة، فيما بعد، مبالغ كافية تمنح لكل واحد منهم، اعترافا له بالجميل، صاعا قمحا (٣) أي ما يعادل حوالي مئة رطل في فرنسا.
يسكن الجنود أو الميليشيا التركية، في الثكنات تحت إشراف قوادهم، كل غرفة تحمل رقما، ويسير كل كتيبة ثلاثة قواد، اسم الأول بولكباشي والثاني أوضاباشي والثالث باش بولداش. وعندما يتغيب أحدهم يستخلفه الآخر ويتولى تطبيق الانضباط. وكلما نظمت حملة أو وقع تغيير حامية تحتم على بولكباشي أن يقود الكتيبة صحبة نائبه. ولهذين القائدين فقط حق ركوب الخيل حتى ولو كانت المسافة قصيرة، كما أنهما يستطيعان اصطحاب الشواش. ولهؤلاء الجنود الأتراك قوانين عسكرية لا يتجاوزونها أبدا،
_________________
(١) هذا غير صحيح لأن الصاع يزن حوالي قنطار وثلاثين كيلوغراما.
[ ٨٢ ]
ولا يحظى أحدهم بشيء، ولا يتقدم في الرتبة إلا بعد مرور الوقت الذي يحدده القانون. ولكي يصبح الجندي قائدا يجب أن يقضي على الأقل، عامين أو ثلاث سنوات في الخدمة العسكرية ويجب أن يمر بجميع الدرجات.
والقواد برتبة بولكباشي هم الذين يكونون الديوان، وعددهم في هذه الهيأة ستون، يجتمعون صبح كل يوم في محل مخصص لمداولاتهم لاطلاع على الأعمال الإدارية أي لمراقبة الحكومة بمقتضى السلطات المخولة لهم بصفتهم هيأة عليا تتكون من قواد الجيش.
ولا يحصل الداي أو الباشا على مرتبته إلا منهم وبحضورهم، وحتى عندما يبعث الباب العالي بالقفطان والقرمان (٤) فإنهم هم الذين يقومون بعملية الانتخاب ويعينون العاهل لمبعوث الباب الذي يحمل تعيين من تم تعيينه بعد. وعند كل بيرم (٥) تنظم الاحتفالات كالآتي: يعقد الاجتماع في قاعة وينتصب الداي الحاكم وسط المجتمعين ثم تقترح إعادة انتخابه، وبمجرد ما يتم ذلك تسلم له الإجازة، وإذا ما وجد اختلاف في الآراء يعين آخر في مكانه ولا يمكن أن يصبح الإنسان عضوا في الديوان إلا إذا توفرت فيه الشروط التي ينص عليها القانون، يجب أن يبرهن عن خبرة ومقدرة، وأن يكون عمل في الجيوش البرية والبحرية، ولذلك فإن جميع أعضاء الديوان تقريبا يكونون متقدمين في السن ومتزوجين من الأهالي. ويسمى رئيس
_________________
(١) كلمة فارسية تعني عهد السلطان للولات. ويتضمن الفرمان عادة الأوامر والتوجيهات.
(٢) عيد الفطر.
[ ٨٣ ]
الديوان آغا العسكر، ويحمل سيفا ونوعا من القراب يضع فيه قوانين الإيالة. ولا يحق للآغا أبدا أن يتخلى عن هذا القراب. كما أنه يركب حصانا مدبجا
ويتولى، صباح كل يوم، رئاسة الديوان الديوان كما ذكرنا ذلك. ولا تدفع أجور الجنود إلا بمحضر هذا الرئيس. لأن خزينة الدولة، في الجزائر، لا تفتح إلا بحضور الخوجه أو موثق الدولة وبحضور لجنة خاصة يكون لكل عضو فيها مفتاح وكلما استدعى جاء لتقييد المدخولات والمخروجات. وإن الداي نفسه لا يستطيع التصرف في خزينة الأمة. وإنما يأتي كالجندي البسيط ليتقاضى مرتبة أو مخصصات الملك.
ومن اختصاصات رئيس الديوان تطبيق العدالة، في منزله، على الأتراك الذين يخلون بقواعد الانضباط أو يتعدون على القوانين، كما أنه يقوم بنفس المهمة بالنسبة للكراغلة الذين هم أبناء الأتراك أو من سلالتهم.
وفي القضايا الخاصة بالعادات والقووانين العسكرية، يتوجه رؤساء المحاكم الجنائية والتأديبية إلى القاضي لمعرفة رأيه ولتطبيق القوانين. وإذا كانت هناك عقوبة، فإن رئيس الديوان هو الذي يأمر بتنفيدها في مقر الديوان حتى نعطى لقرار القاضي صبغة رسمية.
لا يمكن أن يدخل الأتراك أو من كان من نسلهم إلى أي سجن آخر غير سجن الديوان.
وفي حالات مختلفة، يلجأ القاضي نفسه إلى الديوان لتنفيذ الأحكام لأن العسكريين لا يحاكمون أبدا بواسطة القوانين المدنية وإنما بواسطة القوانين العسكرية.
لا تدوم مهمة رئيس الديوان سوى شهرين، ويتولى الرئاسة كل عضو
[ ٨٤ ]
بالتناوب وحسب الأقدمية، وإذا وجد خلاف يكون الفصل بأغلبية الأصوات. وعندما تؤول الرئاسة إلى أحد أعضاء الديوان، يضاعف مرتبه. والديوان هو الذي يقرر في كل ما له علاقة بسياسة الإيالة الخارجية أو الداخلية. وإذا حدث أي اضطراب في الداخل كتمرد قبيلة أو انقطاع طريق، فإن أعضاء الديوان يحققون في أمره ثم يعطون رأيهم فيما يخص الوسائل التي يجب استعمالها لإعادة الأمن.
وكما هو الشأن في فرنسا، فإن القانون لا يعترف بالعهر. وإنما ترجع إباحته إلى عادات البلاد وأمن المجتمع، والديوان، دون القاضي، هو الذي ينظر في جميع الخلافات التي تحدث في هذا الميدان.
وبما أن أبناء الأتراك ومن كان من نسلهم قد قبلوا، في وقت من الأوقات لعضوية الديوان، فإنني سأوضح فيما بعد الأسباب التي أدت إلى حرمانهم من التمتع بهذه العضوية.
[ ٨٥ ]