ورَسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- في تِلْكَ السِّنِينَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ العَرِبِ في كُلِّ مَوْسِمٍ، ويُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفٍ لا يَسْأَلُهُم مَعَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَمنَعُوهُ ويُؤُووُه، يَقُولُ: لا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُم عَلَى شَيءٍ، مَنْ رَضِي الذي أَدْعُو إليه قَبِلَهُ، ومَنْ كَرِهَهُ لم أُكْرِهْهُ، وإنَّما أُرِيدُ أَنْ تحْرُزُوني مِمَّا يُرَادُ بِي مِنَ القَتْلِ، فَتَحْرِزُونيِ حتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي ﷿ حتَّى يَقْضِي الله ﵎ لي ولمَنْ صَحِبَنِي بِمَا شَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحدٌ مِنْهُم، ولا أَتَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ القَبَائِلِ إلَّا قَالُوا. قَوْمُ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بهِ، أَفَترَى رَجُلا يُصْلِحُنَا وقد أَفْسَدَ قَوْمَهُ، وذَلِكَ لِمَا ادَّخَر الله ﷿ به للأَنْصارِ مِنَ البَركَةِ.
وماتَ أَبو طَالِبٍ فازْدَادَ البَلَاءُ على رَسُولِ الله - ﷺ - شِدَّةً، فَعَمَد إلى ثَقِيفٍ بالطَّائِفِ يَرْجُو أنْ يُؤُووهُ ويَنْصُرُوه، فَوَجدَ ثَلَاثةَ نَفَرٍ مِنْهُم سَادَةُ ثَقِيفٍ، وَهُم إخوةٌ: عَبْدُ يالَيْلِ بنُ عَمْرو، وحَبِيبُ بنُ عَمْرو، ومَسْعُودُ بنُ عَمْرو، فَعَرضَ عَلَيْهِم نَفْسَهُ، وشَكَا إليهِم البَلَاءَ، ومَا انْتَهَى قَوْمُهُ منهُ، فقالَ أَحَدُهُم: أَنا أَسْرُقُ ثِيَابَ الكَعْبَةِ إنْ كانَ الله ﵎ بَعَثكَ بِشَيءٍ قَطُّ، وقالَ الآخَرُ: واللهِ لا أُكَلِّمُكَ بعدَ مجْلِسِكَ هذا كَلِمَةً أَبدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ الله لأَنْتَ أَعْظَمُ شَرفًا وحَقَّا مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ، ولَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ على الله ﷿ لأَنْتَ شرُّ مِنْ أنْ أُكَلِّمَكَ، وقالَ الآخَرُ: أَعَجَز الله أنْ يُرْسِلَ غَيركَ، وأَفْشَوا ذَلِكَ في ثَقِيفٍ الذي قَالَ لَهُم، واجْتَمَعُوا يَسْتَهْزِؤُنَ بِرَسُولِ الله - ﷺ - وقَعَدُوا لَهُ صَفَّينِ عَلَى طَرِيقِه، فأَخَذُوا بأَيْدِيهِم الحِجَارَةَ، فَجَعَل لا يَرْفَعُ رِجْلَهُ، ولا يَضَعَها إلَّا رَضَخُوهُمَا بالحِجَارَةِ، وَهُم في ذَلِكَ يَسْخَرُونَ به.
[ ١ / ٧٢ ]
أَخْبَرنا أَبو عُثْمَانَ سَعِيدُ بنُ أبي بَكْرٍ مُحمَّدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الحَسَنِ المُقْرِئ، أخبرنا [شيخي] (١)، حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمَّدٍ الشَّرْقِيُّ، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ يَحْيى الذُّهْلِيُّ، حدَّثنا عفَّانُ، حدَّثنا حَمَّادٌ، أَخبرنا أَبو جَمْرَةَ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁ قالَ: أَقَامَ النبيُّ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سنةً يُوحَى إليهِ، وبالمدينةِ عَشْرَ سِنينَ، ومَاتَ وَهُو ابنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ (٢).
قالَ الذُّهْلِيُّ: وحدَّثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁ قالَ: أُنْزِلَ عَلَى النبيِّ - ﷺ - وَهُو ابنُ ثَلَاثٍ وأَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ عَشرًا، وبالمدِينَةِ عَشرًا، وقُبِضَ وَهُو ابنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ (٣).
واخْتَلَفُوا فيهِ عَلَى ابنِ عبَّاسٍ، فَمِنْهُم مَنْ قالَ: أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشرَةَ سنةً، سَبْعَ سِنِينَ يَرَى الضَّوْءَ ويَسْمَع الصَّوْتَ، وثَمَانِ سِنِينَ يُوحَى إليه، وأَقَامَ بالمدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، ومِنْهُم مَنْ قالَ: تُوفيِّ وَهُو ابنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ.
أَخْبَرَنا زَاهِرُ بنُ أَحْمَدَ فِيمَا كَتَبَ إلينَا، أَخْبرنا إبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ الله الزَّبِيْبيُّ، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حدَّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ، حدَّثني أَبي في كِتَابِ السِّيَرِ، قالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ، واسْتَخْفَى مِنْ قَوْمهِ حتَّى حَضَر المَوْسِمَ، فأَتَى العبَّاسَ فقالَ: أَيْ عَمِّ، مَا أَرَى عِنْدَكَ ولا عِنْدَ بَنِي أَبِيكَ مَنَعةً، وقدْ مَنَعَنِي
_________________
(١) كذا جاء في الأصل، ولعله: (الجوزقى) وهو محمَّد بن عبد الله الحافظ، وهو شيخ المصنف أيضا، ويروي كثيرا عن عبد الله بن محمَّد الشرقى، والله أعلم.
(٢) رواه مسلم (٢٣٥١)، والطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ٢٢٠ بإسنادهما إلى حماد بن سلمة به.
(٣) رواه مسند أحمد ١/ ٢٢٨ عن يحيى القطان به.
[ ١ / ٧٣ ]
هَؤُلاَءِ القَوْمَ جَوْفَ مَكَّةَ فاحْمِلْنِي إلى السُّوقِ بِعُكَاظٍ غَدَا، فَعَرِّفْنِي مَنَازِلَ قَبَائِلِ العَرَبِ لَعَلِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِم نَفْسِي، فَفَعَلَ العبَّاسُ ذَلِكَ، وقَدِمَ بهِ السُّوقَ فأَرْشَدَهُ مَنَازِلَ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فقالَ: يا ابنْ أَخِي، احْتَلْ لِنَفْسِكَ، وانْطَلَق رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فأَتَى مَنَازِلَ أَهْلِ اليَمَنِ، فَلَقِيَ أَبْضَعَةَ بنَ مَعْدِي كَرِبَ بنِ وَلِيعَةَ الكِنْدِيَّ أَحَدُ بَنِي عَمْرو بنِ مُعَاوِيةَ فَعَرضَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ، وقالَ: أَدْعُوكَ إلى الله ﷿ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، فقالَ لَهُ أَبْضَعَةُ: بدأَتَ بِىِ لِتَفْتِنَنِي عَنْ دِينِي وأُنَابِذُ النَّاسَ على سَوَاءٍ، لَسْتُ أُطِيق ذَلِكَ، ولي أُمَراءَ بأَرْضِي لا أَمْتَنِعُ إلَّا بدأَتُ بِهِم، فالْتَمِسْ سِوَايَ، فَتَركَهُ.
وعَمَد إلى مَنَازِلِ رَبِيعَةَ فَلَقِيَ أُنَاسًا مِنْ قَيْسٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبةَ فِيهِم الحُطَمُ، فقالَ: مَنِ الحَيِّ؟ فقَالُوا: بَكْرُ بنُ وَائِلٍ، قالَ: وكَيْفَ العَدَدُ؟ قَالُوا: مِثْلُ الحَصَى، قالَ: فَكَيْفَ المَنَعَةُ؟ قالُوا: مَعَنا قَوْمٌ لا يُمْنَعُ مَعَهُم شَيءٌ، قالَ: مَنْ هُم؟ قَالُوا: الفُرْسُ، قالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: إنَّهُ لم يأْتِ عَلَيْكُم إلَّا قَلِيلٌ حتَّى تَنْكِحُوا نِسَاءَهُم، وتَسْتَعبِدُوا أَبْنَاءَهُم، وتَنْزِلُوا مَسَاكِنَهُم، أنْ تُسَبِّحُوا الله ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وتحمِدُوه ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وتُكَبُرِّوهُ أَرْبَعًا وثَلَاثِينَ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَم، قالَ: فانْصَرفَ عَنْهُم.
فأَتَى بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعةَ، فقَالَ لَهُم: مَنِ الحَيِّ؟ فَعَرضَ عَلَيْهِم نَفْسَهُ، وشَكَا إليهِم تَكْذِيبَ قَوْمِه إيَّاهُ، وقالَ: امْنَعُونيِ حتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي ﷿، ولَا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُم عَلَى شيءٍ يَكْرَهُهُ، قَالُوا: مَرْحَبًا بكَ، نمنَعُكَ ونُؤْوِيكَ حتَّى تُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ، فَبَيْنَا هُم كَذَلِكَ إذ أَتَاهُم رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُشَير يُقَالُ لَهُ بَيْحَرَةُ بنُ فِرَاسِ بنِ عَبْدِ الله بنِ فِرَاسٍ، فقَالَ: مَن هَذا الرَّجُلُ بينَ أَرْحَلِكُم لا
[ ١ / ٧٤ ]
أَعْرِفُهُ؟ قَالُوا: هَذا مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الله القُرَشِيُّ، شكَا إلينا أَنَّ قَوْمَهُ لا يَذِرُونَهُ يُبَلِّغُ رِسَالَاتِ الله ﷿، فأَتَانَا لِنَمْنَعَهُ، قَالَ لَهُم بَيْحَرَةُ: بِئْسَ مَا صَنَعْتُم، والله مَا أَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَعَلَ هذا بِهذا السُّوقِ شَرًّا مِمَّا فَعَلْتُم، عَمَدْتمُ إلى دَحِيقِ قَوْمٍ فأَجَرْتُموهُ، لَترْمَيِنكَّم العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، لَعَمْرِي لَقَوْمِهِ أَعْلَمُ بهِ، لَو وَجَدُوا عِنْدَهُ خَيرًا ما أَخْرَجُوهُ، ولَكَانُوا هُم أَسْعَدَ النَّاسِ بهِ، فأَخْرِجُوه كَمَا أَخْرَجَهُ قَوْمُهُ، قَالُوا: يا مُحمَّدُ، أعْمِدْ لِطِيَّتِكَ، وأَصْلِحْ قَوْمَكَ فلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكَ.
فعَمَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلى الطَّائِفِ فانْتَهَى إلى بَنِي عَمْرو بنِ عُمَيرٍ، وَهُم في حَلَقَةٍ مِنْ ثَقِيفِ قُرَيْشٍ، وَهُم مِنْ أَشرافِ أَهْلِ الطَّائِفِ يَوْمِئذٍ، فَعَرضَ عَلَيْهِم نَفْسَهُ، وشَكَا إليهِم تَكْذِيبَ قَوْمهِ إيَّاهُ، والذي يَلْقَى هُو وأَصْحَابهُ في الله ﷿، فقالَ: امْنَعُونيِ حتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاَتِ الله ﵎، ولا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُم عَلَى شَىِءٍ يَكْرَهَهُ فإنيِّ رَسُولُ الله، فَسَكَتَ القَوْمُ، وتَكَلَّمَ حَبِيبُ بنُ عَمْرو، وقالَ: حَبِيبُ بنُ عَمْرو يَسرِقُ حِجَابَ الكَعْبةِ إنْ كانَ الله ﷿ أَرْسَلَكَ بِشَيءٍ قَطُّ، فقالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أَمَا إنِّي لَقَد أُذَكِّرُكَ هَذا، وقالَ كِنَانَةُ بنُ عَبْدِ يَالَيلَ بنِ عَمْرو: أَما وَجَد الله ﷿ رَسُولًا يُرْسِلُهُ غَيرُكَ، وَهُو يَشْهَدُ أنَّكَ كَذَّابٌ، وقالَ مَسْعُودُ بنُ عَمْرو: والله لا أُكَلِّمُكَ بعدَ مجْلِسِكَ هَذا أَبدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَعْظَمُ في أَنْفُسِنَا وأَشرفُ مِنْ أنْ نُكَلِّمَكَ، ولَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ على الله ﷿ لأَنْتَ أَشرُّ في أَنْفُسِنَا مِنْ أَنْ نُكَلِّمَكَ، أُخْرُجْ مِنْ أَرْضِنَا، واجْتَمَعْتْ إليه ثَقِيفٌ مَعَهُم الحِجَارَةُ لِيَقْتُلُوه، فقَالَ لَهُم مَسْعُودٌ: لا تَقْتُلُوه فإنَّا نَخَافُ التِّبَاعَةَ
[ ١ / ٧٥ ]
والأَضْغَانَ، ولكنْ أَجْلِسُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ عَلَى طَرِيقِه فارْمُوا قَدَميْهِ وسَاقَيْهِ، واتَّقُوا مَقَاتِلَهُ، وصِيحُوا بهِ وازْجُرُوهُ أنْ يَعُودَ إلينَا، فَفَعلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - لا يَرْفَعُ وَاحِدَةً مِنْ قَدَميْهِ يمْشِى مُنْطَلِقًا إلَّا رَمَوا قَدَمَيْهِ وسَاقَيْهِ حتَّى جَلَسَ، فإذا جَلَسَ صَاحُوا بهِ، وأَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ فأَقَامُوهُ ثُمَّ رَمَوْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بهِ حتَّى خَرَجَ مِنْ بَين سَمَاطِيهِم، ثُمَّ أَمَرُوا صِبْيَانَهُم وإمَاءُهُم فأَتْبَعُوهُ بالحِجَارَةِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنَ الطَّائِفِ.
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِم مُوجَعَا خَائِفًا يَسِيلُ قَدَمَيْهِ وسَاقَيْهِ دَمًا، حتَّى انْتَهى إلى بَعْضِ حِيطَانِ الطَّائِفِ، فإذا فيهِ عُتْبَةُ بنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وأَخُوهُ شَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، ومَعَهُمَا عَبْدَهُما عَدَّاسٌ، وَهُمَا يَقْطِفَانِ كَرْمًا لَهُم، فَلَمَّا أَبْصَرَهُمَا عَرَفَ عَدَاوَتَهُمَا لله ولِرَسُولهِ فَقَصُرَ عَنْهُمَا وجَلَسَ في أَصْلِ حَبْلَةٍ يَغْسِلُ عَنْ قَدَمَيْهِ وسَاقَيْهِ الدِّمَاءَ، وأَعْجَبَهُمَا الذي فَعَلَتْ ثَقِيفٌ مِنَ الأَذَى، واسْتَحْيَا أنْ لاَ يُطْعِمَاهُ مِنَ العِنَبِ، فأَمَرا غُلَامَهُمَا عَدَّاسًا يأْتِيهِ مِنْ عِنَبِهَا بِعِنَبٍ، فَوَضَعهُ لهُ وجَلَسَ إليهِ، وجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يأكُلُ مِن العِنَبِ، ويَقُولُ: يا عَدَّاسُ، مِنْ أَيَّةِ أَرْضٍ أنتَ؟ قالَ لَهُ: أَنا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَيْنَوَى، فقالَ لهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: مِنْ أَهْلِ مَدِينة المرءِ الصَّالِحِ يُونُسُ ﵇، قَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: ومَن المَرْءُ الصَّالِحُ؟ قالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: هُو يُونُسُ بنُ مَتَّى، قالَ لَهُ عَدَّاسٌ: هَذا عَرَفْتَ يُونُسَ، مَا يُدْرِيكَ مَا مَتَّى؟ فَوَالله لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ أَرْضِي ومَا بِهَا عَشَرةٌ يَعْلَمُونَ مَا اسْمُ أَبِي يُونُسَ، قالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: أَنا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ، ويُونُسُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ، قالَ لَهُ عَدَّاسٌ: فإنْ كُنْتَ صَالِحًا فأَخْبرنيِ عنهُ وحَدِّثْنِي مِنْ حَدِيثهِ بِمَا أَعْرِفُ، فَفَعلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وحدِّثهُ حَدِيثَ يُونُسَ، فَعَرفَهُ عَدَّاسٌ
[ ١ / ٧٦ ]
وقامَ فَسَجَد لَهُ وقَبَّل قَدَمَيْه، وقالَ: أَشْهَدُ أنَّكَ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُه، وأنَّكَ قد حدَّثْتَنِي حَدِيثًا لا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ، فأَبْصَرا غُلَامَهُمَا وَهُو يَسْجُدُ لهُ فقالَ أَحَدُهُما للآخرِ: أَمَّا غُلَامُكَ هذا فقدْ فَسَد، فَدَعَواهُ فأَتَاهُمَا فقالَا له: ويَلْكَ ما صَنَعْتَ يا عَدَّاسُ، لِمَ سَجَدْتَ لِهَذا الصَّابِئ؟ قالَ: لا تَقُولُوا لهُ مثلَ هَذا، فإنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فقالَا له: وَيْلَكَ يا عَدَّاسُ لَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ نَصْرَانِيَتِكَ، فإنمَّا يَتَّبِعُهُ السُّفَهَاءُ، قالَ عَدَّاسٌ: وَهُو يَشْهَدُ إنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ، وإنَّه قد حدَّثني مِنْ حَدِيثِ نَبِيّ اللهِ يُونُسَ بنِ مَتَّى، بَعَثَهُ اللهِ إلينا بِمَا عَرَفْتُ مِمَّا أَنْزَلَ اللهِ في الكِتَابِ، ولَوْلا عُبُودَيّتِي للحَقْتُ بهِ، فأَخَذَاهُ فأَوْثَقَاهُ وضَرَباهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، وقالَا: لَئِنْ عُدْتَ لِهَذا الكَلَامَ أَبَدًا لَنَقْتُلَنَّكَ، وصَاحَا بِنَبِيِّ اللهِ فأَخْرَجَاهُ وقالَا لَهُ: لَوْلا [تَخَدُّمَكَ] (١) بِطَعَامِنَا لَدَعَوْنَا لَكَ الذينَ فَرَرتَ مِنْهُم، فقد رأَيْنا الذي صنَعُوا بكَ، فَخَرجَ مِنْ عِنْدِهِم فَقَدِمَ مكَّةَ (٢).
أَخْبَرنا مُحمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ نُوحٍ، أَخْبَرنا مُحمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ إبْرَاهِيمَ، حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرو، حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ حُمَيْدٍ، حدَّثنا يَحْيى بنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁: إنَّ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا في الحِجْرِ ثُمَّ تَعَاقَدُوا بالَّلَاتِ والعُزَّى ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ونَائِلَةَ ويَسَافٍ أنْ لَوُ قَدْ رأَوا مُحمَّدًا لَقَدْ قُمْنَا إليهِ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلْنَاهُ قبلَ أنْ نُفَارِقَهُ، فأَقْبَلَت ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ فَبَكَتْ حتَّى دَخَلَتْ على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الملأُ مِنْ قَوْمِكَ قدْ تَعَاهَدُوا لَو قَدْ رأَوْكَ فَقَامُوا إليكَ فَقَتَلُوكَ، فَلَيْسَ مِنْهُم رَجُلٌ وَاحِدٌ إلَّا قَدْ
_________________
(١) كذا في الأصل، ولم أجد لها معنى.
(٢) أشار الخطابي في غريب الحديث ١/ ٤٥٩ إلى هذا الحديث فقال: يرويه محمَّد بن عبد الأعلى الصنعاني عن معتمر بن سليمان عن أبيه.
[ ١ / ٧٧ ]
عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دِيَّتِكَ، فقالَ: يا بُنَيَّةِ ائْتِنِي بِوَضوءٍ، فَتَوضَّأ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِم المَسْجِدَ، فَلَمَّا رأَوْهُ قَالُوا: هَا هُو ذَا، وأَخْفَضُوا أَبْصَارَهُم، وسَقَطَتْ أَذْقَانُهُم في صُدُورِهِم، فَلَمْ يَرْفَعُوا إليهِ بَصَرًا، ولم يَقُم مِنْهُم إليهِ رَجُلٌ، فأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حتَّى قَامَ على رُؤُوسِهِم وأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ قالَ: شَاهَتِ الوُجُوهُ، ثُمَّ حَصَبَهُم بِهَا، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُم مِنْ ذَلِكَ الحَصَا حَصَاةً إلَّا قُتِلَ يومَ بَدْرٍ كَافِرًا (١).