ونكاد نفيد من هذه الظنون حول كتاب «المعارف» - من أن ابن قتيبة فيه ناقل عن ابن حبيب (٢٤٥ هـ) وأبى حنيفة الدينَوَريّ (٢٨٢ هـ) - أن الكتاب ألفه ابن قتيبة بأخرة، وابن قتيبة وهو يؤرخ للخلفاء انتهى إلى ولاية المعتمد على الله محمد بن جعفر (٢٥٦ هـ) ووقف عندها ولم يزد. ولو أن المعتمد كان قصير الأجل.
وأدركته منيته وابن قتيبة حىّ، لسجل هذا ابن قتيبة، وأفدنا من هذا- لو كان وقع- شيئا جديدا يحدد انتهاء ابن قتيبة منه على وجه التقريب.
ولو أن ابن قتيبة أهدى هذا الكتاب، كما أهدى أدب الكاتب لأبى الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، لأفدنا منه: متى بدأ ابن قتيبة به.
ولكنا نرى «الموفق» يشخص ابن قتيبة إلى بغداد سنة ست وستين ومائتين، فيقرأ عليه هذا الكتاب- أعنى المعارف- ثم يجيزه بعشرة آلاف دينار «٢» .
وأنت تعرف أن الموفق باللَّه طلحة بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم لم يل الخلافة اسما، ولكنه وليها عملا، فلقد عاش إلى جانب أخيه المعتمد على الله، منذ ولى الخلافة سنة ٢٥٦ هـ، يدير هو شئون الخلافة ويسوس الأمور عن أخيه، الّذي لم يكن له من الأمر شيء.
[ ٨٩ ]
إذن فأبن قتيبة، حين قصد «الموفق» مستجيبا لدعوته، كان قد فرغ من الكتاب، وكان الكتاب قد أخذ مكانه في سوق التأليف، شاع اسمه وعرف قدره.
وأغلب الظن أن ظهوره وشيوع اسمه لم يكن قبل هذا التاريخ بكثير. فما نظن «الموفق» أبطأ كثيرا، وما نظنه فاته أن يدعو إليه ابن قتيبة بعد ظهور الكتاب بأمد طويل.
[ ٩٠ ]
ونكاد نجزم أن هذا العام- نعنى عام ٢٦٦ هـ- كان العام الّذي نفض ابن قتيبة يده من الكتاب، وأخذ يقرؤه على الناس ويقرؤه الناس عليه. فالمعروف عن الموفق أنه كان أديبا عالما بالأنساب، والمعروف عنه أنه كان الخليفة الفعلى على حين كان المعتمد الخليفة الاسمى، والمعروف أن الخلفاء كانوا أسبق الناس إلى تلقى هذه الكتب الجديدة وتلقى أصحابها.
نخلص من هذا إلى أن ابن قتيبة لم يكن قد وضع كتابه، أو لم يكن بدأ ينتهى منه، عند ما تولى المعتمد الخلافة سنة ٢٥٦ هـ. وأن ذلك امتد به أعواما بعد ولاية المعتمد، وأنه انتهى من كتابه عام ست وستين ومائتين، وما كاد يفرغ منه حتى دعاه إليه «الموفق» ينتفع بما فيه.
غير أنّا أخيرا نجد شيئا يلفتنا في كتاب «المحبر»، وهو أن ابن حبيب حين أرّخ للخلفاء انتهى إلى المعتضد. و«المعتضد» ولى سنة تسع وسبعين ومائتين.
ونجد في نهاية هذا: «قال أبو سعيد السكرى: أخبرنى محمد بن سعيد بذلك كله» .
والسكرى الّذي روى الكتاب عن ابن حبيب مات سنة ٢٧٥ هـ.
وإنا نثير هذه لأنّا نجد مثلها في كتاب «المعارف»، فعلى حين يذكر ابن قتيبة في مقدمته أنه سينتهي إلى المستعين باللَّه، حيث يقول: «ثم الخلفاء، من لدن معاوية بن أبى سفيان إلى أحمد بن محمد بن المعتصم المستعين باللَّه» «١» . نجد في الكتاب بعد ذلك- عند ذكر الخلفاء- ذكر الثلاثة بعد المستعين باللَّه، وهم: المعتز باللَّه، ومحمد المهتدي، والمعتمد على الله.
[ ٩١ ]
تنتهي الزيادة في «المعارف» إلى المعتمد.
وتنتهي الزيادة في «المحبر» إلى المعتضد، بزيادة خليفة على ما في «المعارف» .
فهذا اتفاق أو شبه اتفاق اجتمع الكتابان عليه. وهو في الأوّل ليس من وضع ابن حبيب، ولكنه في الثانية قد يكون من وضع ابن قتيبة، وقد يكون من وضع غيره.
فإذا كان هذا من وضع ابن قتيبة انتهينا إلى رأى جديد يلقى ضوءا على وضع الكتاب، وهو أن ابن قتيبة وضع كتابه أيام المستعين (٢٤٨ هـ- ٢٥٢ هـ) .
وبقي الكتاب بين يدي ابن قتيبة حتى أدرك به أيام: المعتز، فالمهتدى، فالمعتمد على الله (٢٥٦ هـ) ثم مات ابن قتيبة وترك المعتمد على الله في الحكم، فقد كانت وفاة [؟] المعتمد على الله سنة ٢٧٩ هـ. وكانت وفاة ابن قتيبة سنة ٢٧٦ هـ.
[؟] كان من وضع غيره كان الكتاب مفروغا منه أيام المستعين [؟] (٢٤٨ هـ- ٢٥٢ هـ) ويكون لنا مع الموفق رأى آخر. وهو، وإن لم نعرف ميلاده [؟] على التحديد، فهي على التقريب حوالي سنة ٢٣٢ هـ، لأنه كان أصغر من أخيه المعتمد، الّذي كان ميلاده سنة ٢٢٩ هـ. وهو في تلك الفترة- أي أيام المستعين- كان حدثا، ثم لم يكن ذا جاه، وهو لم يبلغ هذا الجاه إلا أيام أخيه الموفق. وحين بلغه استطاع أن يدعو إليه ابن قتيبة، ويقرأ عليه كتاب «المعارف» .
ولكن لم اختار الموفق هذا الكتاب دون غيره، وهو ليس جديدا، ولابن قتيبة غيره؟
والجواب على هذا يسير: فلقد كان «الموفق» معنيا بالأنساب، والكتاب جانب كبير منه في الأنساب.
[ ٩٢ ]
ثم لم أبطأ الموفق عشر سنين، فقد كان شريكا لأخيه في الحكم منذ ولى- أي سنة ٢٥٦ هـ؟ وعلى هذه لا نملك غير أن نقول- إن كان لا بد أن نقول- إنه قضاها في الحرب ضد الطامعين في أخيه «١» .
كتاب المعارف وكتاب المحبر:
وما نملك «كتاب الشريف» لوكيع، الّذي أشار إليه ابن النديم، كما لا نملك تاريخ أبى حنيفة، الّذي أشار إليه المسعودي، ولكنّا نملك كتاب «المحبر» لابن حبيب، الّذي يقال إن ابن قتيبة نقل منه. ونحب أن نضم إلى هذا شيئا آخر، وهو أن ابن حبيب كان له قبل المحبر كتاب اسمه «المنمق» يكاد يضم أبواب «المحبر» أو أكثرها «٢» .
نقول هذا لنضع بين يديك كتابين في غرض واحد تقريبا، يتفق وغرض ابن قتيبة في كتابه «المعارف» يصح أن يكون النقل منهما معا، أو النقل من أحدهما مع الاستئناس بالآخر.
والآن فلننظر بين نهج ونهج، نهج «المحبر» ونهج «المعارف» .
فالمحبر يحدث عن:
١- المدد التي بين الأنبياء ﵈.
٢- أعمار الأنبياء.
٣- ذكر تاريخ العرب.
٤- مولد النبي ﷺ.
[ ٩٣ ]
٥- تسمية من أقام الحج.
٦- أسماء الخلفاء الراشدين.
٧- أسماء الخلفاء الأمويين.
٨- أسماء الخلفاء العباسيين إلخ.
وهكذا كتاب «المعارف» يحدث عن هذا كله مع تلوين في العناوين ومخالفة في الترتيب.
ولكن قد يقال: هذا تاريخ لم يملكه ابن حبيب وإنما جمعه، وكما جمعه ابن حبيب جمعه ابن قتيبة.
ولكن يقال: ما بال ابن قتيبة لم يخالف «ابن حبيب» فيقصد قصدا آخر، ويسوق مادته مساقا جديدا؟.
من الإنصاف لابن قتيبة أن تذكر أنه لم يسق الموضوعات سوق ابن حبيب بدءا وانتهاء وطريقة، ولكنه خالف في الكثير، وهو يسوق الحوادث فضم حيث فرّق ابن حبيب، وأوجز حيث أطال ابن حبيب، ثم كان له بعد هذا وذاك نهج في المساق يجمع ما عند ابن حبيب في المحبر، ولكنه يجرى على نسق آخر.
ثم من الإنصاف لابن حبيب أن نذكر أن ابن قتيبة يكاد يكون قد جعل «المحبر» معتمده في الكثير من نقله.
ومن الإنصاف لابن قتيبة أن نذكر أنه في هذا القليل الّذي ترك فيه «المحبر» نقل نقولا ليست في «المحبر» .
ومن الإنصاف لابن قتيبة أن نذكر أنه حدّث في كتابه «المعارف» عن شيوخ له ذكر أسماءهم، يعزو لهم ما يروى عنهم.
[ ٩٤ ]
كتاب المعارف:
وبعد فكتاب المعارف موسوعة لتصف بالتنسيق، مختارة أحسن الاختيار، مبوّبة أجمل التبويب. تذكر الأنساب المتشعبة المتفرعة في إيجاز مستوعب، وتلخص التاريخ تلخيصا من غير إخلال، وتسوق الطرف والملح والنوادر على نهج محبب شائق، لا يفلت منها شيء ذو خطر دون أن تشير إليه وتفصله، مع إشارة إلى بعض المراجع فيها قصد، وكنا نحب أن يكون فيها إسراف. وهذا مما يعاب على ابن قتيبة وغيره من المؤرخين، يذكرون الخبر بسنده، ويحرصون على هذا السند، ولو كان حرصهم على ذكر المراجع مقرونا بهذا الحرص لأدّت أمثال هذه الموسوعات نفعها على وجه أوسع وأعم. ولكن لكل عصر أسلوب، وهكذا كان أسلوب المتقدمين، ومنهم ابن قتيبة.
وقد جمعت هذه الموسوعة- أعنى كتاب المعارف- كل ما يعنى الناس أن يعرفوه عن أسلافهم من أخبار، وما ينقل لهم من حديث. والكتاب لا شك لون من ألوان الثقافات في ذلك العصر، يدلك بما فيه على ما كان يحرص الناس أن يعرفوه.
وهو لا يزال مرجعا ذا بال يعتمد عليه ويرجع إليه، يسعف حين تعوز المطوّلات، ويغنى حين لا يحتاج إلى تفصيل.
وقد جمعه ابن قتيبة للناس فأحسن جمعه، وإن كان فاته- وهو الّذي ألّف في الشعر كتابه الجامع: الشعر والشعراء- أن يذكر أسماء الشعراء مع ما يروى لهم
[ ٩٥ ]
من شعر، فتراه في بعض المواطن يذكر الشعر دون أن ينسبه إلى صاحبه، ومنه الشعر المشهور المعروف، كأن يذكر بيتا لحسّان ويقول: قال آخر: ويذكر لغير حسان أبياتا ولا يعزوها لأصحابها.
ترى هل نتهم ابن قتيبة كما اتهمه غيرنا فنقول: إنه عدا على كتب غيره فالتهمها وكتب ما كتبوا؟.
أو نقول: إنه لم يعنّ نفسه بشيء من الاستقصاء، حين لا يعوز إلا خفيف الاستقصاء.
ولكنا نغتفر له هذه وأمثالها مع زحمة التأليف وكثرة التصنيف، وإن كان ما نعتذر به له يملى غيره، فالعلم الواسع يصحّح بعضه بعضا، ويفسر ظاهره غامضه.
وبعد. ترى ما اسم الكتاب؟.
يكاد يكون إجماعا بين المؤرخين لابن قتيبة والذاكرى كتبه أن اسم الكتاب «المعارف» معرّفا. وعلى هذه النسخ الخطية كلها لا نستثنى منها إلا المخطوطة التي رمزنا إليها بالحرف (هـ) فتذكره دون تعريف فتقول «معارف ابن قتيبة» «١» .
ثم يكاد إجماعا بين هؤلاء المؤرخين حين يذكرون الكتاب كلمة مفردة لا يزيدون عليها شيئا، لا نستئنى منهم إلا حاجي خليفة حين يقول: المعارف في التاريخ.
[ ٩٦ ]
وعلى هذا الإجماع جميع المخطوطات التي بين أيدينا لا نستثنى منها إلا المخطوطة التي رمزنا إليها بالحرف (و) فتقول: كتاب المعارف في أخبار العرب وأنسابهم «١» .
ولو عدنا إلى كتب ابن قتيبة نستقرئ أسماءها نجد أنها كلها لا تحمل زيادات مفسرة أو شارحة. وهذا ما يجعلنا نميل إلى أن هذه الزيادة أو تلك جاءت من وضع واضع، إما تأثرا برأي من قال إن ابن قتيبة حذا حذو أبى حنيفة في تاريخه، ومن هنا جاءت زيادة حاجي خليفة وإما تأثرا بالأبواب الأولى من الكتاب، فجاءت إضافة تلك الخطية.
ولكنا لا نخلص من هذا حتى نواجه شيئا جديدا، فنجد المخطوطة التي رمزنا إليها بالحرف (ل) تحمل هذا العنوان «كتاب عوارف المعارف» «٢» . ولا نعرف كتابا بهذا الاسم إلا للسّهروردى أبى حفص عمر (٦٣٢ هـ) .
وكأن قارئا للنسخة ذكر اسمه في هذه الصفحة الأخيرة وهو- أحمد بن عمر ابن أبى بكر- وكان ذلك سنة (٧٤٣ هـ) - لفته هذا العنوان، وذكر أنه للسهروردي، ورجع إلى ابن خلكان (٦٨١ هـ) يتلمس ترجمته، فإذا هو يقع على ترجمة لسهروردي آخر، فيورد منها شيئا نقلا عن ابن خلكان، ويختمها بهذه العبارة: «وليس هو صاحب عوارف المعارف وإنما هو غيره» .
فهذا النقل يفيدنا شيئا لا شك، هو ما ذكرناه من تقبّل هذا القارئ اسم الكتاب على غير يقين وتثبت، ولكنه لم يقض فيه برأي، وترك ما نقل للقارئين بعده يصور لهم تردده، ويترك لهم بقية الحكم.
[ ٩٧ ]
والظريف أن هذه الخطية التي حملت هذا العنوان الجديد تختم الكتاب بهذه العبارة: «تم كتاب المعارف بحمد الله إلخ» «١» .
[ ٩٨ ]
ولقد كان الفراغ من كتابة هذه النسخة سنة عشر وسبعمائة. وكانت قراءة هذا القارئ- الّذي هو أحمد بن عمر- سنة (٧٤٣ هـ) كما قدمنا، أي كان بين نسخها وقراءته لها نحو من ثلاثين عاما.
وعبارات التمليك التي على الصفحة الأولى التي بها العنوان هي بين سنتي (٩٩٩ هـ) وسنة (١٠٢٣ هـ) .
ترى هل دسّت الصفحة الأولى على الكتاب، ويكاد خطها بما فيه من مغايرة قليلة يملى شيئا من هذا؟ ولكن تلك الزيادة التي زادها هذا القارئ بخطه، والتي تتصل بعنوان الكتاب، تدفع هذا وتجعل الصفحة الأولى من الكتاب ومن تلك المخطوطة منذ نشأتها.
إذن فالكتاب كان يحمل اسما آخر، وأن هذا الاسم يرجع إلى أوائل القرن الثامن الهجريّ. أي بعد وفاة المؤلف بنحو من أربعمائة سنة.
ولكنّا لا نملك دليلا على أنها سبقت تسمية «السهروردي» وإلا لتغير موقفنا من اسم الكتاب، وكان لهذه التسمية الجديدة وضع آخر.
ونكاد نميل إلى أن هذه التسمية جاءت متأخرة أي بعد «السهروردي» وكانت تسمية «السهروردي» جديدة قد شاعت، وتسمية ابن قتيبة قديمة قد اختفت، وكان بين التسميتين نوع من المشاركة، فغلبت تسمية السهروردي.
وكانت النسخة لا تحمل عنوانا فحملها الكاتب هذا العنوان من عنده، ولم يفطن لما جاء في ختامها من التسمية الصحيحة، وكانت هذه التسمية الجديدة.
[ ٩٩ ]