ابْن أَحْمد بن عبد الْملك بن عمر بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن شَهِيد
وَهُوَ أعظم هَذَا الْبَيْت شهرة فِي البلاغة وَقَالَ ابْن بسام فِي وَصفه شيخ الحضرة وفتاها ونادرة الْفلك الدوار وأعجوبة اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاء على نظمه ونثره وأدبه وَكَذَلِكَ ابْن حَيَّان وصاحبا المسهب والسقط وَقَالَ عَنهُ ابْن حَيَّان كَانَ يبلغ الْمَعْنى وَلَا يُطِيل سفر الْكَلَام وَلم يُوجد لَهُ بعد مَوته كتب يستعان بهَا على مَا جرت بِهِ عَادَة البلغاء والأدباء وَكَانَ قَدِيرًا على فنون الْهزْل إِلَّا أَنه غلبت عَلَيْهِ البطالة فَلم يحفل فِي ايثارها بضيع دين أَو مُرُوءَة وَكَانَ منهمكًا فِي الْجُود حَتَّى شَارف الإملاق عِنْد مَوته
وَله رِسَالَة إِلَى عبد الْعَزِيز بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور أبي عَامر يمت
[ ١ / ٧٨ ]
فِيهَا تبربيته فِي قُصُور بني أبي عَامر وَأَن عَمه المظفر بن الْمَنْصُور أعطَاهُ ألف دِينَار وَهُوَ صَغِير وَأَن حظية الْمَنْصُور أَعطَتْهُ ألفا عَنْهَا وَثَلَاثَة آلَاف عَن سَيِّدهَا وَانْصَرف عَن قصرهم بالغنى وَأَن أَبَاهُ احتوى على ذَلِك فَبلغ الْمَنْصُور فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَأقسم على أَبِيه أَلا يمنعهُ مِنْهَا فِيمَا شاءه
وَله فِي جَوَاب رِسَالَة
فتنفضت تنفض الْعقَاب وهزتني أريحية كأريحية الشَّبَاب وَجعل يوهمني أَنِّي مَلَأت الأَرْض بجسمي وأومأت إِلَى الجوزاء بكفي أَن تأملى والى العواء أَن أقبلى وَقلت المجرة فِي عَيْني أَن تكون لي منديلًا وَصغر الزبْرِقَان عِنْدِي أَن أتخذه إكليلًا فَقلت هَكَذَا تكون الألوك وبمثل هَذَا تنفح الْمُلُوك
وَمن قصيدة يمدح بهَا ابْن النَّاصِر الْمَذْكُور ورعيت من وَجه السَّمَاء خميلة خضراء لَاحَ الْبَدْر من غدرانها
وَكَأن نثر النَّجْم ضان عِنْدهَا وكأنما الجوزاء راعي ضانها
وَله رِسَالَة يُخَاطب بهَا أَبَا بكر بن حزم سَمَّاهَا بالتوابع والزوابع وبناها على مخاطبات الْجِنّ قَالَ فِي أَولهَا
كَانَ لي فِي أول صبوتي هوى اشْتَدَّ بِهِ كلفي ثمَّ لَحِقَنِي فِي أثْنَاء ذَلِك ملل وَتَوَلَّى بِهِ عني الْحمام فَجَزِعت وَأخذت فِي رثائه فِي الحائر وَقد أبهمت على أبوابه وانفردت فَقلت تولى الْحمام بِظَبْيٍ الْخُدُور وفاز الردى بالغزال الغرير
[ ١ / ٧٩ ]
إِلَى أَن انْتَهَيْت إِلَى الِاعْتِذَار من الْملَل الَّذِي كَانَ فَقلت وَكنت مللتك لَا عَن قلى وَال عَن فَسَاد ثوى فِي ضميري
وأفحمت فَإِذا بِفَارِس على بَاب الْمجْلس على فرس أدهم قد اتكأ على رمحه وَصَاح بِي أعجزًا يَا فَتى الأندلس قلت لَا وَأَبِيك وَلَكِن للْكَلَام أحيان وَهَذَا شَأْن الْإِنْسَان فَقَالَ قل كَمثل ملال الْفَتى للنعيم إِذا دَامَ فِيهِ وَحَال السرُور
فَأثْبت إِجَازَته وَقلت بِأبي أَنْت من أَنْت قَالَ أَنا زُهَيْر بن نمير من أَشْجَع الْجِنّ فَقلت وَمَا الَّذِي حداك إِلَى التَّصَوُّر لي قَالَ هوى ورغبة فِي اصطفائك قلت أَهلا بك أَيهَا الْوَجْه الوضاح صادفت قلبا اليك مقلوبا وَهوى فِي اصطفائك قلت أَهلا بك أَيهَا الْوَجْه الوضاح صادفت قلبا اليك مقلوبا نَحْوك مَجْنُونا وتحادثنا حينا ثمَّ قَالَ مَتى شِئْت استحضاري فَأَنْشد هَذِه الأبيات وآلى زُهَيْر الْحبّ يَا عز أَنه مَتى ذكرتك الذاكرات أَتَاهَا
إِذا جرت الأفواه يَوْمًا بذكرها تخيل لي أَنِّي أقبل فاها
فأغشى ديار الذَّاكِرِينَ وَإِن نأت أجارع من دارى هوى لهواها
وأوثب الأدهم جِدَار الْحَائِط وَغَابَ عني وَكنت مَتى أرتج عَليّ أنْشد الأبيات فيتمثل لي فأسير إِلَى مَا أَرغب
[ ١ / ٨٠ ]
وَمِمَّا ضمن هَذِه الرسَالَة من محَاسِن الشّعْر قَوْله ومرقبة لَا يدْرك الطّرف رَأسهَا تزل بهَا ريح الصِّبَا فتحدر
تكلفتها وَاللَّيْل قد ماج بحره وَقد جعلت أمواجه تتكسر
وَمن تَحت حضني من ظبا الْهِنْد أَبيض وَفِي الْكَفّ من عسالة الْخط أسمر
هما صَاحِبَايَ من لدن كنت يافعًا مقيلان من جد الْفَتى حِين يعثر
فَذا جدول فِي الغمد تسقى بِهِ المنى وَإِذا غُصْن فِي الْكَفّ يجنى فيثمر
وَقَوله أَفِي كل حِين مصرع لعَظيم أصَاب المنايا حادثي وقديمي
وَكَيف اهتدائي فِي الخطوب إِذا دجت وَقد فقدت عَيْنَايَ ضوء نُجُوم
وَقَوله وَكَأن النُّجُوم فِي اللَّيْل جَيش دخلُوا للكمين فِي جَوف غَابَ
وَكَأن الصَّباح قانص طير قبضت كَفه بِرَجُل غراب
وَقَوله ولرب حَان قد أدرت بديره خمر الصِّبَا مزجت بصفو خموره
فِي فتية جعلُوا الزقاق تكاءهم متصاغرين تخشعًا لكبيره
وترنم الناقوس عِنْد صلَاتهم ففتحت من عَيْني لرجع هديره
[ ١ / ٨١ ]
وَقَوله أصبيح شيم أم برق بدا أم سنا المحبوب أورى زندا
هَب من نعسته منفتلًا مسبلًا للكم مرخ للردا
يمسح النعسة من عَيْني رشًا صائد فِي كل يَوْم أسدا
قلت هَب لي يَا حَبِيبِي قبْلَة تشف من عمك تبريح الصدا
فانثنى يَهْتَز من مَنْكِبه قَائِلا لَا ثمَّ أَعْطَانِي اليدا
كلما كلمني قبلته فَهُوَ إِمَّا قَالَ قولا رددا
كَاد أَن يرجع من لثمي لَهُ وارتشافي الثغر مِنْهُ أدردا
قَالَ لي يلْعَب خذلي طائرًا فتراني الدَّهْر أَمْشِي فِي الكدا
شربت أعطافه خمر الصِّبَا وثناه الْحسن حَتَّى عربدا
وَإِذا بت بِهِ فِي رَوْضَة أغيدًا يقرو نباتًا أغيدا
قَامَ فِي اللَّيْل بجيد أتلع ينفض اللمة من دمع الندى
أححت من غصتي فِي نهدها ثمَّ عضت حر خدي عمدا
فَأَنا الْمَجْرُوح من عضتها لَا شفاني الله مِنْهَا أبدا
وَمن محاسنة قَوْله وَفد فغرت فاها دجى كل زهرَة إِلَى كل ضرع للغمامة حافل
وَمَرَّتْ جيوش الزن رهوا كَأَنَّهَا عَسَاكِر زنج مذهبات المناصل
[ ١ / ٨٢ ]
.. وخلفت الخضراء فِي غر زهرها كلجة بَحر كللت باليعالل
تخال بهَا زهر الْكَوَاكِب نرجسًا على شط نهر للمجرة سَائل
وَمن بدائعه قَوْله فِي صفة برغوث
أسود زنجي وَأَهلي وَحشِي لَيْسَ بوان وَلَا زميل كَأَنَّهُ جُزْء لَا يتَجَزَّأ من ليل وشونيزة وثبتها غريزة أَو نقطة مداد أَو سويداء قلب فَوَائِد شربه عب ومشيه وثب يكمن نَهَاره ويسري ليله يدْرك بطعن مؤلم ويستحل دم كل مُسلم مساور للأساورة يجر ذيله على الْجَبَابِرَة يتكفر بأرفع الثِّيَاب ويهتك ستر كل حجاب وَلَا يحفل ببواب يرد مناهل الْعَيْش العذبة ويصل إِلَى الأحراج الرّطبَة لَا يمْنَع مِنْهُ أَمِير وَلَا ينفع فِيهِ غيرَة غيور شَره مبثوث وَعَهده منكوث وَهَكَذَا كل برغوث
وَقَوله وقفنا على جمر من الْمَوْت وَقْفَة صلى لظاه دأب قومِي ودابها
إِذا الشَّمْس رامت فِيهِ أكل لحومنا جرى جشعًا فَوق الْجِيَاد لُعَابهَا
وَقَوله وَقَالَت النَّفس لما أَن خلوت بهَا أَشْكُو إِلَيْهَا الْهوى خلوا من النعم
حتام أَنْت على الضراء مُضْطَجع معرس فِي ديار الظُّلم وَالظُّلم
وَقَوله ومنتن الرّيح إِن نَاجَيْته أبدا كَأَنَّمَا مَاتَ فِي خيشومه فار
[ ١ / ٨٣ ]
وَقَوله فِي أبي عَامر بن المظفر جمعت بِطَاعَة حبك الأضداد وتألف الأفصاح والأعياد
كتب الْقَضَاء بِأَن جدك صاعد وَالصُّبْح رق والظلام مداد
وَقَوله كَأَن هامته وَالرمْح يحملهَا غراب بَين على بَان النقا نعقا
وَقَوله أَبى دمعنا يجْرِي مَخَافَة شامت فنظمه فَوق المحاجر ناظم
وراق الْهوى منا عيُونا كَرِيمَة تبسمن حَتَّى مَا تروق المباسم
وقاسى فِي مَرضه شدَّة فَقَالَ عِنْد مَوته خليلي من ذاق الْمنية مرّة فقد ذقتها خمسين قولة صَادِق
وَكَانَ مَوته من فالج أَقَامَ بِهِ مُدَّة ورام أَن يقتل نَفسه لشدَّة الآلام وَقَالَ فِي تِلْكَ الْعلَّة تَأَمَّلت مَا أفنيت من طول مدتي فَلم أره إِلَّا كلمحة نَاظر
وحصلت مَا أدْركْت من طول لذتي فَلم أَلفه إِلَّا كصفقة خاسر
وَمَا أَنا إِلَّا أهل مَا قدمت يَدي إِذا خلفوني بَين أهل الْمَقَابِر
سقى الله فتيانًا كَأَن وُجُوههم وُجُوه مصابيح النُّجُوم الزواهر
يوقولن قد أودى أَبُو عَامر الْعلَا أقلوا فَقدما مَاتَ آبَاء عَامر
هُوَ الْمَوْت لم يحرس بأسجاع خَاطب بليغ وَلم يعْطف بِأَنْفَاسِ شَاعِر
[ ١ / ٨٤ ]
وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة آخر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَلم يشْهد على قبر أحد مَا شهد على قَبره من الْبكاء والعويل وَأنْشد عَلَيْهِ من المراثي جملَة موفورة وَمِمَّنْ رثاه أَبُو حَفْص بن برد الْأَصْغَر
وَقَالَ الحجاري كَانَ ألزم للكأس من الأطيار بالاغصان واولع بهَا من خيال الأَصْل بالهجران واستوزره المستظهر ثمَّ اصطفاه هِشَام المعتد ورثاه لما خلع بقصيدة مِنْهَا أحللتني بمحلة الجوزاء وَرويت عنْدك من دم الْأَعْدَاء
وحملتني كالصقر فَوق معاشر تحتي كَأَنَّهُمْ بَنَات المَاء
وَذكره الثعالبي فِي الْيَتِيمَة وَأنْشد لَهُ الشقندي مَا تقدم فِي رسَالَته والحجاري فِي الحديقة