كَانَ أَخُوهُ عبد اله بن طروب قد وشحه أَبوهُ للولاية بعده وَكَانَ نصر الخصى يعضده ويخدم أمه طروب الحظية عِنْد عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط إِلَّا
[ ١ / ٥١ ]
أَن عبد الله كَانَ مستهترًا منهمكًا فِي اللَّذَّات فَكَانَ أولو الْعقل يميلون إِلَى أَخِيه مُحَمَّد فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُمَا وَكَانَ ذَلِك بِاللَّيْلِ اتّفق رُءُوس الخدم أَن يعدلُوا بِالْولَايَةِ عَن عبد الله إِلَى مُحَمَّد فَمر أحدهم إِلَى منزله وَجَاء بِهِ على بغلة فِي زِيّ صبية كَأَنَّهُ بنته تزور قصر جدها فَلَمَّا مر على دَار أَخِيه عبد الله وَسمع ضجة المنادمين وَلَيْسَ عِنْده خبر من موت أَبِيه أنْشد فهنيئًا لَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَالَّذِي نَحن فِيهِ أَيْضا هنانا
وَلما دخل الْقصر بعد تمنع من البواب وَتمّ لَهُ الْأَمر تَلقاهُ بحزم وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أحد من جلة أَقَاربه
قَالَ صَاحب الجذوة كَانَ مُحَمَّد محبًا للعلوم مؤثرًا لأهل الحَدِيث عَارِفًا حسن السِّيرَة وَلما دخل الأندلس أَبُو عبد الرَّحْمَن بَقِي بن مخلد بِكِتَاب أبي بكر بن أبي شيبَة وَقُرِئَ عَلَيْهِ أنكر جمَاعَة من أهل الرَّأْي مَا فِيهِ من الْخلاف واستشنعوه وبسطوا الْعَامَّة عَلَيْهِ وَمنعُوا من قِرَاءَته إِلَى أَن اتَّصل ذَلِك بالأمير مُحَمَّد فاستحضروه وإياهم واستحضر الْكتاب كُله وَجعل يتصفحه جُزْءا جُزْءا إِلَى أَن أَتَى على آخِره وَقد ظنُّوا أَنه مواقفهم على الْإِنْكَار عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لخازن الْكتب هَذَا كتاب لَا تَسْتَغْنِي خزانتنا عَنهُ فَانْظُر فِي نسخه لنا ثمَّ قَالَ لبقي بن مخلد انشر علمك وارو مَا عنْدك من الحَدِيث واجلس للنَّاس حَتَّى ينتفعوا بك فنهاهم أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ
وَكَانَ مُحَمَّد قد فوض أُمُور دولته لهاشم بن عبد الْعَزِيز أعظم وزرائه
[ ١ / ٥٢ ]
واشتمل عَلَيْهِ اشتمالًا كثيرا وَكَانَ هَاشم تياهًا معجبًا حقودًا لجوجًا فأفسد الدولة وَكَانَ يقدمهُ على العساكر فَخرج مرّة إِلَى غرب الأندلس ليقمع مَا هُنَالك من الثَّوَاب فأساء السِّيرَة فِي الْحَرَكَة وَالنُّزُول والمعاملة مَعَ الْجند فأسلموه وَأخذ أَسِيرًا ثمَّ افتدى بأموال عَظِيمَة وأنهضه مرّة مَعَ ابْنه الْمُنْذر إِلَى ثغر سرقسطة فأساء الْأَدَب مَعَه حَتَّى أحقده وأتلف محبته لما صَارَت السلطنة إِلَيْهِ وثارت الثوار فِي الأندلس بِسَبَبِهِ وَمَا مَاتَ مُحَمَّد حَتَّى خرقت الهيبة وَزَالَ ستر الْحُرْمَة واستقبل ابْنه الْمُنْذر ثمَّ عبد الله نيران الْفِتْنَة فأصلتهما مُدَّة حياتهما إِلَى أَن خمدت بالناصر عبد الرَّحْمَن وَكَانَت وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد فِي آخر صفر سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ