أصل المفاضلة مأخوذ من كلام الله - ﷿ -، وكلام رسول الله - ﷺ -، فقد أثنى الله على عباده وجعل منهم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس هذا خاصا بأمة محمد - ﷺ - فقد بعث في كل أمة رسولا، وكان منهم الصديقون والشهداء والصالحون، لكنه تعالى جعل خير الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله - ﷺ - وجعل أصحابه خير الأصحاب، وجعل خير الأمة من عاش في القرون الثلاثة، على الترتيب، قال - ﷺ -: «خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين
_________________
(١) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير حديث (٨٣٤٣) ..
(٢) البخاري حديث (٣٦٧٣) أخرجه مسلم حديث (٢٥٤٠).
(٣) طبقات الحنابلة (١/ ١٨٠).
[ ٣٥ ]
يلونهم ثم الذين يلونهم» (١)، وجعل أمته - ﷺ - خير الأمم قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢)، ولم تقف المفاضلة عند هذا الحد، بل خص بعض الجماعات بمناقب، وبعض الأفراد بصفات، فالأعمال الصالحة لها مسالك وأبواب، ولأوقاتها فضائل تميزها عن غيرها، قال - ﷿ -: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، شتان بين الأمرين قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤)، وعلى هذا منهج السنة أيضا، فقد فاضلت السنة بين الصحابة - ﵃ - مع أنه قد يجتمع للواحد منهم أكثر من فضيلة، فالمبشرون بالجنة هم خير الصحابة - ﵃ -، وأهل بيعة العقبة الأولى والثانية تميزوا بفضلها عن غيرهم من الصحابة، وتميز أهل بدر عن غيرهم، لذلك قال رسول الله - ﷺ - في قصة حاطب: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٥)، وبيعة الرضوان لأصحابها ميزة عمن لم يشهدها، وغير هذا كثير، وعلى هذا المنهج حصل فضل الصحابة على سائر الأمة، وفضل بعضهم على بعض جماعة وفرادى.