المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على تنصيب إمام غير علي - ﵁ -، ولا كان معاوية - ﵁ - يقول: إنه الإمام دون علي ﵄، ولا قال ذلك طلحة والزبير ﵄، وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء، بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان - ﵁ -، وهو من باب قتال أهل البغي والعدل، وإن أبا مسلم الخولاني وأناسًا معه قالوا لمعاوية: "أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ "، فقال: "لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمته؟، والطالب بدمه، فأتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له". فأتوا عليا فكلموه، فلم يدفعهم إليه (١)، ولم يكن علي - ﵁ - بمنعه تسليم قتلة عثمان حماية لهم، فقد كان هو وأولاده في جانب عثمان، ولكنه لم يسلم القتلة لأنه ولي الأمر، ولم يستقر له ذلك حتى يتسنى له ملاحقة القتلة ومحاكمتهم، وهم الغوغاء من الناس ونزاع القبائل قادتهم من الخوارج، ولهم شوكة في الأمصار، ولا أشك في أن إصرار معاوية على طلبه نشأ عن حمية ونصرة لعثمان، ولا أستبعد استغلال الموقف من آخرين لمآرب أخرى.
ومنشأ الخلاف أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه، فيما اعتقدوا أنه على الحق، ففعلوا ذلك،
_________________
(١) الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ١/ ٧.
[ ١٥٣ ]
ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
القسم الثاني: عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق مع الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
القسم الثالث: اشتبهت عليهم القضية، وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك (١).
وبناءً على ما تقدم يحسن أن نظهر موقف أهل السنة فيما جرى من الأحداث من عهد عثمان إلى مقتل علي ﵄، فإن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد - ﷺ -، وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، إذن فاعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه (٢)، فالأحداث حصل في أمرها اجتهاد من الأخيار، واستغلال من الأشرار، ولذلك قال الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀: "أولئك قوم طهّر الله أيدينا من دمائهم، فيجب أن نطهر ألسنتنا من أعراضهم" (٣).
_________________
(١) الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ١/ ٦، ومسلم بشرح النووي ١٥/ ١٤٩، ١٨/ ١١، والإصابة ٢/ ٥٠١، فتح الباري ١٣/ ٣٤.
(٢) الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ١/ ٨.
(٣) التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية ١/ ٢٣٠.
[ ١٥٤ ]