لقد كان موقف أبي بكر - ﵁ - من ردة العرب إلهاما عظيما من الله تعالى، وهو من حفظه تعالى لدين الإسلام، وكان فتحا عظيما، فقد ارتدت العرب إلا أهل المسجدين وَمَنْ بينهما، وأُناسًا من العرب؛ منهم: عدي بن حاتم - ﵁ -، قدم بإبل الصدقة إلى أبي بكر - ﵁ -، ففي ذلك يقول الحارث بن مالك الطائي:
وَفَيْنَا وفاء لم يَرَ النَّاس مثله وَسَرْبَلَنَا مجدًا عديُّ بن حاتم (٤).
قال زياد بن سبرة اليعمري - ﵁ -: أقبلت مع رسول الله - ﷺ - حتى وقف على ناس من أشجع وجهينة، فمازحهم وضحك معهم، فوجدت في نفسي، فقلت: يا رسول الله، تضاحك أشجع وجهينة؟ فغضب ورفع يديه فضرب بهما منكبي، ثم قال: «أما إنهم خير من بني فزارة، وخير من بني الشريد، وخير من قومك، أولاء استغفروا الله» (٥)، فلما كان الردة لم يبق من أولئك الذين خَيَّر عليهم رسول الله - ﷺ - أحد إلا ارتد، وجعلت أتوقع ردة قومي، فأتيت عمر - ﵁ -، فأخبرته، فقال: لا تخافن،
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٩١) بتصرف.
(٢) تاريخ اليعقوبي (١/ ١٥٥).
(٣) الإبانة الكبرى لابن بطة (٣/ ١٨٣).
(٤) مروج الذهب ١/ ٢٩٠.
(٥) الآحاد والمثاني حديث (٢٧١٣).
[ ٧١ ]
أما سمعته يقول: «أولاء استغفروا الله تعالى» (١)، وهذا يوقفنا على علامة أخرى من علامات نبوته - ﷺ -، فقد حدث ما أشار إليه في ذلك التخيير، وعلامة أخرى رواها الحافظ ابن حجر ﵀: أن النبي - ﷺ - رأى الحنفية (٢) في بيت فاطمة، فأخبر عليا أنها ستصير له، وأنه يولد له منها ولد اسمه محمد، قال الحافظ: وهذا يؤكد أن عليا - ﵁ - قد شارك في حروب الردة (٣)، كيف لا وهو القائل - ﵁ -: "فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث - حروب الردة - حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحًا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدًا" (٤)، ولولا الله ثم وقفة أبي بكر والصحابة - ﵃ - في القضاء على الفتنة لولا ذلك لما قام للإسلام قائمة، ولما جُيِّشت الجيوش لفتح الأمصار شرقا وغربا تستقبل الأذان والعدل والمساواة، إن أبا بكر - ﵁ -، بموقفه من المرتدين ومؤازرة الصحابة - ﵃ - له استعاد هيبة الإسلام، وحمى أركانه، وقد لقي الصحابة في ذلك شدة، ولاسيما في وقعة اليمامة التي قاتل فيها الْمسلمون مسيلمة الكذاب ومن معه، واستشهد فيها من الصحابة أكثر من ستمائة رجل، وكان جملة القتلى من الْمسلمين نحو (٩٦٠) رجلًا، منهم سبعون من الحفاظ (٥)، وقتل من الْمرتدين أكثر من عشرين ألف رجل (٦)، ولسنا في صدد تفصيلات حروب الردة، فذلك القول فيه طويل، وإنما أردنا التذكير بشيء من ذلك.
_________________
(١) أسد الغابة (١/ ٣٨٨).
(٢) أم محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية؛ وهي من سبي بني حنيفة، في حروب الردة، التي كان علي بن أبي طالب - ﵁ - من المشاركين فيها.
(٣) تلخيص الحبير ٤/ ٥٠.
(٤) نهج البلاغة ٦١ ..
(٥) فتح الباري ٨/ ٦٦٨.
(٦) تاريخ الطبري ٢/ ٢٨٣.
[ ٧٢ ]
وقد عرف الناس ضلال من ارتد، فأخذ بعضهم يعير بعضا بذلك الضلال، قال عليّ بن هوذة بن عليّ الحنفي - من بني حنيفة - بعد قتل مسيلمة الكذاب، وسمع الناس يعيّرون بني حنيفة بالردّة فقال يذكر من ارتدّ من العرب غير بني حنيفة:
رمتنا القبائل بالمنكرات وما نحن إلاّ كمن قد جحد
ولسنا بأكفر من عامر ولا غطفان ولا من أسد
ولا من سليم وألفافها ولا من تميم وأهل الجند
ولا ذي الخمار ولا قومه ولا أشعث العرب لولا النّكد
ولا من عرانين من وائل بسوق النّجير (١) وسوق النّقد (٢)
وكنّا أناسا على غرّة نرى الغيّ من أمرنا كالرّشد
ندين كما دان كذّابنا فيا ليت والده لم يلد! (٣).