لقد اختار الله - ﷿ - نبيه محمدا - ﷺ - واصطفاه وفضله على سائر الخلق، فاصطفى له أصحابا هم خيار الخلق بعده - ﷺ -، فكان شرف الصحبة موهبة إلهية لمن اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه - ﷺ -، وجعل الله تعالى من لوازم هذه الموهبة: العدالة، والصدق والأمانة، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "إن الله نظر في قلوب العباد،
_________________
(١) مسلم حديث (٢١٠).
(٢) من الآية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٣) من الآية (١٩) من سورة التوبة.
(٤) من الآية (١٠) من سورة الحديد ..
(٥) البخاري حديث (٣٠٠٧) ومسلم حديث (٢٤٩٤).
[ ٣٦ ]
فوجد قلب محمد - ﷺ - خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - ﷺ -، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيّء" (١)، فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن العدالة ثابتة لجميع أصحاب رسول الله - ﷺ -، وذلك أصل مستصحب في عدالتهم لثناء الله عليهم في كتابه العزيز ومدحه إياهم قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، وقد أخبر برضاه تعالى عنهم فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٥)، وقد شهد لكثير منهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، إما صراحة كالعشرة المبشرين بالجنة، أو ضِمنًا كقول رسول الله - ﷺ - في قصة حاطب - ﵁ -: «وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (٦)، وقد أخبر النبي - ﷺ - أنهم خير القرون من أمته وأفضلها،
_________________
(١) المسند حديث (٣٦٠٠) وهو من الموقوف الذي له حكم الرفع، ومما لا يقال بالرأي.
(٢) الآية (١٠٠) من سورة التوبة.
(٣) من الآية (١١٠) من سورة آل عمران ..
(٤) الآية (٢٩) من سورة الفتح.
(٥) الآية (١٨) من سورة الفتح.
(٦) البخاري حديث (٣٠٠٧).
[ ٣٧ ]
فقال - ﷺ -: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)، فالأول فيه الصحابة - ﵃ -: وهم الأخيار على الإطلاق، والثاني فيه الآخذون عن الصحابة: وهم التابعون ﵏، والثالث فيه الآخذون عن التابعين: وهم أتباع التابعين ﵏، فاقتضى أن الأول أفضل على الإطلاق، والثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل مما بعده إلى يوم القيامة. قال عمران: فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا (٢)، وتمام الحديث يوضح أنه لن يأتي بعدهم أفضل منهم، قال - ﷺ -: «ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٣)، وقد أخبر رسول الله - ﷺ - أن نفقة الواحد من الصحابة في سبيل الله مهما قلّت لا يوازيها في الأجر نفقة من بعدهم مهما كثرت، قال - ﷺ -: «إن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٤)، فالويل لمن طعن في فضل وعدالة أصحاب رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنهم أجمعين، والحكم بعدالتهم ليس معناه عند أهل السنة والجماعة عصمتهم من الخطأ، واستحالة أن يقع أحدهم في خطأ أو معصية، فقد وقعت من بعضهم المعصية، وشهد له النبي - ﷺ - بعد توبته بالجنة، منهم ماعز بن مالك - ﵁ -، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة، ولم يخالف فيه إلا مبتدع ضال، أو حاقد على دين الإسلام، جملة وتفصيلا، فالمستصحَب عند أهل السنة والجماعة ما كان عليه الصحابة في عهد رسول الله - ﷺ -، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ليس أحد من الناس نعلمه إلا أن يكون قليلا يمحض الطاعة، والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية، وترك المروءة حتى لا يخلطهما بشيء من الطاعة والمروءة، فإذا كان الأغلب على الرجل، والأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره المعصية، وخلاف المروءة، ردت
_________________
(١) البخاري حديث (٣٠٠٧).
(٢) البخاري حديث (٣٦٥٠).
(٣) البخاري حديث (٣٦٥٠).
(٤) مسلم حديث (٢٥٤٠).
[ ٣٨ ]
شهادته (١)، فالإنسان لا يمكنه أن ينجو من خطيئة وزلل، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٢)، دليل على اعتبار الأغلب، لأنه تعالى اعتبر الثقل والخفة، وإذا كنا اليوم نقبل من أهل الإسلام، من كان غالب حاله الصلاح، فكيف بمن ناصروا رسول الله، وشهد لهم الكتاب والسنة بجملة في الخير والعمل الصالح، الذي لم يدركه أحد بعدهم، فهم خيار الأمة المحمدية، إنهم أولى بذلك دون ريب، فلا ينازع فيه إلا مبتدع فارق أهل الحق والهدى، فنحن أهل السنة نثبت عدالة الصحابة بشدة، لأنهم الأمناء على ما أخذوا عن رسول الله - ﷺ - من علم الكتاب والسنة، سواء نصّ القرآن، أو نصوص السنة، وما نقلوا من تفسير لهما، يقول ابن مسعود - ﵁ -: "والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه" (٣)، ولو قبلنا ما زعم القادحون في الصحابة لهدمنا الإسلام من أصله، ولم يكن هناك إسلام إلا في عهد رسول الله - ﷺ -، فقط وليس لما بعده حظ منه، لأنه لم ينتشر إلا من طريق أصحابه - ﵃ -، نقل السيوطي ﵀ عن إمام الحرمين ﵀، أنه قال: والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم: أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره - ﷺ -، ولما استرسلت على سائر الأعصار (٤).