وإذا كان عهد رسول الله - ﷺ - لم يسلم من محاولات الكيد للإسلام، وإثارة الفتنة ضد ما جاء به رسول الله - ﷺ -، فلا غرو أن يُدلي الأشرار بأفكارهم، وهم أعداء الإسلام وقد تنفسوا الصعداء بانتقال رسول الله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، وقد جرحوا الجسد الإسلامي، وربما آلموه أحيانا كثيرة، وأنَّى لهم القضاء عليه، تدور عليهم الدوائر، وكل عمل أتوه فهو خاسر بائر، فالمرتدون بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، لم يكن الإيمان رسخ في قلوبهم، فكان الشك في صدق رسول الله - ﷺ - لا زال يراودهم، فلما توفي رسول الله - ﷺ -، خرجت الأفعى من حجرها، جاهدة تبث سمومها لتقتل الجسد
_________________
(١) الآية (١٢٨) من سورة الأعراف، وانظر تفسير اللباب لابن عادل ٦/ ١٢١.
(٢) الآية (٩٣) من سورة الأنعام.
(٣) البخاري حديث (٤٣٧٥) ..
(٤) بتصرف انظر: تاريخ خليفة بن خياط ١/ ١٠٣ والإصابة في تمييز الصحابة ٣/ ٤٤٠.
[ ١٣٢ ]
الإسلامي، وقد أدرك ذلك أبو بكر، وأعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار - ﵃ -، قام مالك بن التيهان الأنصاري حتى وقف على قومه، فقال: "يا معشر الأنصار، أنصتوا واسمعوا مقالتي، وتفهموا ما ألقيه إليكم، اعلموا أنه قد شمتت اليهود والنصارى بموت نبينا محمد - ﵇ -، وقد ظهرت حسيكة أهل الردة، وعُظْم المصائب علينا أن مسيلمة الكذاب خرج بأرض اليمامة يرعد ويبرق، وقد تعلمون أنه كان يدعي النبوة في حياة نبينا - ﷺ -، والآن قد بلغني أن طليحة بن خويلد الأسدي أيضا قد ادعى النبوة ببلاد نجد، وأنا والله خائف على قبائل العرب أن ترتد عن دين الإسلام، فإن لم يقم بهذا الأمر رجل من بني هاشم، أو رجل من قريش فهو والله الهلاك والبوار"، وقد همت أكثر القبائل بالردة، بل أعلن بعضها عدم دفع الزكاة: الركن الثالث من أركان الإسلام، واجتمعت بنو حنيفة إلى مسيلمة الكذاب بأرض اليمامة، فقلدوه أمرهم وادعى أنه نبيهم، فارتدت بنو أسد ورأسوا على أنفسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وهو الذي ادعى النبوة في أرض بني أسد، وارتدت فزارة ورأسوا عليهم عيينة بن حصن الفزاري، وارتدت بنو عامر وغطفان، ورأسوا على أنفسهم قرة بن سلمة القشيري، وارتدت بنو سليم ورأسوا على أنفسهم الفجاءة بن عبد ياليل السلمي، وارتدت طائفة من بني تميم ورأسوا عليهم امرأة يقال لها سجاح.
وبلغ ذلك أبا بكر - ﵁ - فاغتم، بادر إلى المسجد فنادى في العرب، فقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إنما أنا رجل منكم أغني ما تغنون، وأحامي كما تحامون، وأنتم شركائي في هذا الأمر"، دارت الشورى بين موافق على القتال ومخالف، ولكن الله سلم وجعل الناس يجتمعون إلى أبي بكر - ﵁ -، من كل ناحية، ويتقربون إليه، وإلى الله تعالى بقتال أهل الردة، فقد برئ الله منهم لرجوعهم عن دين الإسلام، ومنعهم الزكاة، وعزم أبو بكر الصديق خليفة رسول الله - ﷺ - على أن يوجه إليهم بخالد بن الوليد في المهاجرين والأنصار، فكانوا سيفه القاطع، ورمحه النافذ، وسهمه الصائب - ﵃ -.
ضج المسلمون إلى أبي بكر - ﵁ -، وقالوا: "يا خليفة رسول الله - ﷺ -، ألا تسمع إلى ما قد انتشر من ذكر هذا الملعون الكذاب بأرض اليمامة؟ !، فقال أبو بكر - ﵁ -: لا
[ ١٣٣ ]
تعجلوا، فإني أرجو أن يكون الله ﵎ قد أذن بهلاكه، ثم كتب أبو بكر - ﵁ - إلى خالد بن الوليد، وهو يومئذ مقيم في البطاح: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان، خليفة رسول الله - ﵁ - إلى خالد بن الوليد ومن معه من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، أما بعد: يا خالد، فإني قد أمرتك بالجد في أمر الله، والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره، ورجع عن دين الإسلام والهدى، إلى الضلالة والردى، وعهدي إليك يا خالد أن تتقي الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق والتأني".
هذا في شأن مسيلمة الكذاب مدعي النبوة في عهد رسول الله - ﷺ - لم يتم القضاء عليه، نعق الغراب فتبعه كل غراب، إلا من تاب بعد ذلك وأناب، لما قام لهم السيف والكتاب، والسنة وفصل الخطاب، جيَّشَ لهم أبو بكر خليفة رسول الله، من خيرة الأصحاب من أذلهم فقُتل من قُتل، وعاد منهم من عاد إلى الحق والصواب.
بعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، فقتل مسيلمة الكذاب، وقاتل بني حنيفة وأهل الردة وأطاعوه، وكان عامر بن الطفيل الدوسي (١)، من أصحاب الرايات ممن شهد اليمامة مع خالد بن الوليد (٢).
دعا أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، فعقد له عقدا، وضم إليه الجيش، ثم قال: "يا خالد، سر نحو طليحة بن خويلد الأسدي ومن معه من بني أسد وغطفان وفزارة، وانظر إذا وصلت إلى القوم ونزلت بديارهم وسمعت أذانا، فلا تقاتلن أحدا حتى تعذر إليهم وتنذرهم، ثم دسس إلى أمرائهم وأشرافهم فأعطهم من المال على أقدارهم، وانظر إذا وافيتهم، فلا تنزلن بهم نهارا فيروا عسكرك، ويعلموا ما فيه من الناس، ولكن انزل بهم ليلا عند وقت نومهم، ثم ارعوا إبلكم وحركوا أسلحتكم، وهولوا عليهم ما قدرتم، وإن أظفركم الله بطليحة بن خويلد وأصحابه، فسر نحو البطاح من أرض تميم، إلى مالك بن نويرة، وأصحابه ولعلي آتيك من ناحية أخرى إن قدرنا على ذلك، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
_________________
(١) بتصرف، انظر: فتوح الشام ١/ ٥، ١٩٩.
(٢) هذا في نظري خطأ، إنما هو الطفيل بن عمرو، وقد بينت ذلك في كتابي الجوس في من نسب إلى دوس.
[ ١٣٤ ]
فقال خالد: "يا خليفة رسول الله، فإذا أنا وافيت القوم، فإلى ما أدعوهم؟، قال: ادعهم إلى عشر خصال، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والطاعة، والجماعة"، ثم كتب إليهم أبو بكر - ﵁ - (١).
ولقي خالد - ﵁ - القوم ومنهم طليحة وقومه، فانهزم طليحة إلى الشام، ثم أسلم وحسن إسلامه، أحرم بالحج، فرآه عمر، فقال: "إني لا أحبك بعد قتل الرّجلين الصّالحين: عكّاشة بن محصن، وثابت بن أقرم"، وكانا طليقين لخالد، فلقيهم طليحة وسلمة فقتلاهما، فقال طليحة: "هما رجلان أكرمهما اللَّه بيدي ولم يهني بأيديهما" (٢).
فالردة كانت من أعظم ما حدث بعد موت رسول الله - ﷺ - وكان أمرها عظيما، ووقتها عصيبا، فالمرتدون على أحوال:
منهم من كان حديث عهد بإسلام فكان من السهل أن تجتاحه الفتنة، ويُلم به هاجس الشيطان، فوقعت منه الردة.
ومنهم من منع الزكاة ولم يرتد عن الشهادتين وبقية فرائض الإسلام، وتأول قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، فقال: كنا ندفعها لرسول الله - ﷺ -، لأن الله أمره أن يأخذ من أموالنا صدقة يطهرنا بها، ويصلي علينا - يدعو لهم - فصلاته سكن لنا، وليس ذلك لأبي بكر.
ومنهم من ارتد طمعا في السيادة والملك.
وعلى هذا أكثر قبائل العرب إلا من ادعى فيهم النبوة وصدقوه ولو ظاهرا، كقوم سجاح بنت المنذر، وقيل بنت الحارث التميمي (٤): الكاهنة تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة، في قصة شهيرة، وصح أنها أسلمت بعد وحسن إسلامها.
_________________
(١) بتصرف، انظر: كتاب الردة للواقدي ١/ ٤٩، ٥٠، ٦٥، ٧٠، ٧١، ١١٢.
(٢) بتصرف انظر: تاريخ خليفة بن خياط ١/ ١٠٣ والإصابة في تمييز الصحابة ٣/ ٤٤٠.
(٣) الآية (١٠٣) من سورة التوبة.
(٤) وقيل: سجاح بنت الحارث التغلبية، كانت من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة بعد موت الرسول - ﷺ -، فالتف حولها أناس كثير من قومها ومن غيرهم، وغزت بهم القبائل المجاورة، حتى وصلت إلى بني تميم، فاصطلحوا معها، وسارت حتى وصلت اليمامة، والتقت بمسيلمة وصدقته وتزوجها، ولما قتل مسيلمة رجعت إلى بلادها وأقامت في قومها بني تغلب، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البصرة وماتت بها، أشراط الساعة ١/ ٦٦.
[ ١٣٥ ]
فكان الكتاب والسنة لهم بالمرصاد، أنفذ أبو بكر الصديق - ﵁ -: خليفة رسول الله - ﷺ - جيشا لمحاربتهم، مع أنه لم يعلم عنهم الامتناع عما سوى الزكاة من فرائض الإسلام، لكن الإخلال بركن واحد من أركان الإسلام إخلال بالكل، ولذلك قال أبو بكر - ﵁ -: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعه" فقال عمر: "فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق" وفي رواية "عناقا" وهو أصح (١).
فبفضل الله ثم بجهود أبي بكر، والصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان عاد الأمر إلى نصابه، ومع ذلك بقيت لعمر ومن بعده بقية فتن، والله المستعان.