ومثل العناية بالقرآن كان أصحاب رسول الله - ﵃ -، يلتقطون كلامه - ﷺ - في كل صغيرة وكبيرة، كما قيل لسلمان - ﵁ -: "قد علمكم نبيكم - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة: فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" (٢).
لقد اعتنى الصحابة - ﵃ - بالسماع من رسول الله - ﷺ -، ومنهم من انقطع عن الكسب ولازم رسول الله حتى أكثر الرواية عنه - ﷺ - وتقدم ذكر المكثرين: وهم سبعة - ﵃ -، تكلم رسول الله - ﷺ - بادئ ذي بدء بكلام رب العالمين، الذي نزل به الروح الأمين جبريل - ﵇ - ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٣)، فكلام رسول الله - ﷺ - أصدق الكلام وأبينه بعد كلام رب العزة والجلال، وإذا كان رسول الله - ﷺ - معروفا عند قريش قبل البعثة بالصادق الأمين، فقد قال عنه ربنا جل وعلا في القرآن: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤)، وقال تعالى آمرًا بأخذ ما يأمر به - ﷺ -، والانتهاء عما نهى عنه - ﷺ -: قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥)، وذلك لكمال صدقه - ﷺ - ونصحه للأمة، وحذر تعالى من مخالفة
_________________
(١) أخرجه أحمد المسند حديث (٢٣٥٢٩).
(٢) مسلم حديث (٢٣٥٢٩).
(٣) من الآية (٨٧) من سورة النساء.
(٤) الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم.
(٥) من الآية (٧) من سورة الحشر.
[ ٤٧ ]
ذلك فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وبين سبحانه أن مخالفة أمره - ﷺ - ونهيه ليست من صفات المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، وقال - ﷺ - عن كلامه: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم، فإن لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم» (٣)، فأصبح التشريع الإسلامي كتابا وسنة: ما قال الله في كتابه العزيز، وما قال رسوله الصادق الأمين، فالحرام ما حرم الله ورسوله، والحلال ما أحل الله ورسوله، أضاف رسول الله - ﷺ -، ما سنه الخلفاء الراشدون، وهم صفوة الخلق بعد رسول الله - ﷺ -: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - ﵃ -، والمراد ما اجتهد فيه كل واحد منهم مما لا نص فيه فإنه شرع يلزم الأمة المحمدية العمل به، قال - ﷺ -: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة» (٤).
بناء على هذا فإن التشريع الإسلامي كتابا وسنة من لدن حكيم حميد: هو الله - ﷿ - وحده لا شريك له، فما كان من حلال وحرام فهو بأمره تعالى، سواء ورد النص به في القرآن أو السنة النبوية، أو فيهما معا، وعلم الكتاب والسنة توارثه عن رسول الله - ﷺ - العلماء من أصحابه، وعنهم من بعدهم، قال رسول الله - ﷺ -: «يرث
_________________
(١) من الآية (٧) من سورة النور.
(٢) الآية (٣٦) من سورة الأحزاب ..
(٣) أبو داود حديث (٤٦٠٤).
(٤) أحمد المسند حديث (١٧١٨٤).
[ ٤٨ ]
هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالي» (١)، فقد ورث الصحابة من رسول الله - ﷺ - علم الكتاب والسنة، وهم خلفه - ﷺ - واجتهد الخلفاء الراشدون - ﵃ - فيما حدث في زمنهم من قضايا لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة، فكانوا خير الناس، وكان زمنهم خير الأزمان، إذ حفظوا للأمة المحمدية كل شيء عن رسول الله - ﷺ - فقامت دولة الخلافة الراشدة على أزكى ما يكون من العدل والمساواة، وسياسة الأمة بذلك في شئون الدنيا والآخرة، حتى لكأنك ترى رسول الله - ﷺ - وتسمع صوته، لكثرة ما يلتزم كل واحد منهم - ﵃ - بأداء ما سمع من رسول الله بكل صدق وأمانة وإخلاص، وكان يستوثق بعضهم بعضا فيما سمع حتى يروي الحديث الواحد العشرات منهم - ﵃ -، وجاء بعد الصحابة التابعون ﵏.
ولم يكن حرص الصحابة - ﵃ - على السماع من رسول الله - ﷺ - قاصرا على النص القرآني الكريم، بل كانوا يرقبون ألفاظه وحركاته وسكناته، ليعلموا المراد من ذلك، الذكور منهم والإناث على حد سواء، فما أكثر ما تجد في السنة قول الصحابي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كذا وكذا، كقول النعمان بن بشير: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الحلال بين والحرام بين » (٢)، ولم يكتفوا بالسماع فما أكثر ما تجد في السنة قول الصحابي: سألت رسول الله - ﷺ - عن كذا وكذا، كقول عائشة ﵂: "سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة" (٣)، ولم يكف ذلك بل كانوا يرصدون أفعاله، فما أكثر ما تجد الصحابي يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل كذا وكذا، وكقول عائشة ﵂: "كنت قاعدة أغزل، والنبي - ﷺ - يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا، فبُهت،
_________________
(١) أخرجه البيهقي، السنن الكبير (٢١٤٣٩).
(٢) أخرجه البخاري حديث (٥٢).
(٣) أخرجه البخاري حديث (٧٥١).
[ ٤٩ ]
فنظر إليِّ رسول الله - ﷺ - فقال: «ما بالك يا عائشة؟ بُهت؟ !» قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كبير؟ قلت: يقول:
ومبرءًا من كل غُبَّرِ حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
قالت: فقام النبي - ﷺ - وقبل بين عينيَّ" وقال: «جزاك الله يا عائشة خيرا، ما سُررتِ مني كسروري بك» (١)، هذه أم المؤمنين حبيبة رسول الله - ﷺ - تقول ما تقول عن حبيبها، ويأبا الزنادقة إلا القدح في طهرها، لعن الله من قدح به، ومن صدقه، ومن أذاعه ونشره، وكقول عبد الله بن عمر ﵄: «رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعل التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها» (٢)، أو يقول: كنت عند رسول الله فجاء رجل فقال كذا وكذا، كقول عدي بن حاتم - ﵁ -: «كنت عند رسول الله فجاءه رجلان، أحدهما يشكوا العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل. . .» (٣)، وأسلوب آخر هو رصد ما يفعله بعض الصحابة بحضور رسول الله - ﷺ -، فيُقر الفاعل على فعله، أو ينهاه عما فعل، ولم يكن ذلك في حال بل في أحوال كثيرة، وأبواب من العلم لا تحصى، بل كان من حرصهم أن من اضطر للغياب عن مجلس رسول الله - ﷺ - كلف بعض من يحضر بالسماع من رسول الله - ﷺ - فإذا عاد سأل صاحبه عن قول رسول الله - ﷺ -، فقد كان عمر - ﵁ - وهو من خواص الصحابة يتناوب النزول إلى رسول الله - ﷺ - هو وجار له، فينزل عمر - ﵁ - يوما، ويأتي جاره - ﵁ - بما استفاده ذلك اليوم، وينزل جاره يوما، فيأتي عمر بما استفاد ذلك اليوم (٤)، وهذا أنس بن مالك وهو خادم رسول الله - ﷺ - يقول: «والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله - ﷺ -، ولكن كان يحدث بعضنا بعضا، ولا يتهم
_________________
(١) مختصر خلافيات البيهقي ٤/ ٢٨٤.
(٢) أخرجه البخاري حديث (١٦٦).
(٣) أخرجه البخاري حديث (١٤١٣).
(٤) انظر: البخاري حديث (٢٤٦٨).
[ ٥٠ ]
بعضنا بعضا» (١)، ومنهم من لازم رسول الله وانقطع للأخذ عنه قال أبو هريرة - ﵁ -: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله - ﷺ - بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون" (٣)، وأخذ صغار الصحابة عن كبارهم، فكانوا جميعا في الخير كتلة واحدة يأمن بعضهم بعضا، أصفى الناس قلوبا وأصدقهم ألسنة، وأقومهم بالحق، وأقمعهم للباطل، حقا والله هم العدول الأمناء، وقد شهد لهم جميعا بذلك، ولمن بعدهم من التابعين وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان، شهد لهم رسول الله - ﷺ - فقال: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالي» (٤)، فورث الصحابة من رسول الله - ﷺ - علم الكتاب والسنة، وهم خلفه - ﷺ - فتسلسل الصدق المطلق، والوثوق الكامل بتلك المراتب الأربع، وعلى هذا المنهج قامت دولة الخلافة الراشدة على أزكا ما يكون من العدل والمساواة، وسياسة الأمة بذلك في شئون الدنيا والآخرة، بكل صدق وأمانة وإخلاص، وبرزت خيرية القرون الثلاثة، الأمثل فالأمثل، متضمنة رجال البلاغ في المرتبة الخامسة من التابعين وأتباعهم ﵏.
_________________
(١) أخرجه الحاكم، المستدرك ١٥/ ٩٤ ..
(٢) الآيتان (١٥٩، ١٦٠) من سورة البقرة.
(٣) البخاري حديث (١١٨).
(٤) أخرجه البيهقي، السنن الكبير (٢١٤٣٩) ..
[ ٥١ ]