لم يرض رب العزة والجلال لعبده وخليفة رسوله إلا أن تختم حياته بسبب يجعله عند الله من الشهداء الأبرار، وإن كان قد شهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة فقد سمّته اليهود في شيء من الطعام، وأكل معه الحارث بن كَلدَة فعمي، وكان السم لسنة، ومرض أبو بكر - ﵁ - قبل وفاته بخمسة عشر يومًا، فقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب، فقال: قد رآني، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال: إني أفعل ما أشاء، قالت عائشة ﵂: كان أول ما بدأ أبو بكر - ﵁ - أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا فحُم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب - ﵁ - يصلي بالناس (١)، فتكون وفاته في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، من سنة ثلاث عشرة من الهجرة، على رأس ثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوما من مهاجر رسول الله - ﷺ -، وسقط القمر الثاني في حجرة عائشة كما رأت وهو أبوبكر (٢)، ولما توفي - ﵁ - ارتجت المدينة بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض النبي - ﷺ -، فجاء علي بن أبي طالب - ﵁ - باكيا مسرعا، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر - ﵁ -، فقال: "رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله، وأنسه ومستراحه، وموضعا لسره ومشاورته، وأول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غنى في دين الله، وأحوطهم على رسول الله - ﷺ -، وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقبا، وأكثرهم سوابقا، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأقربهم من رسول الله - ﵁ - مجلسا، وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام خيرا، وعن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) مروج الذهب ١/ ٢٩٠ والدرة الثمينة في أخبار المدينة ١/ ١٤٠.
(٢) موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري حديث (٩٧٤) ..
[ ٨٧ ]
خيرا، صدَّقت رسول الله - ﷺ - حين كذبه الناس، فسماك الله في تنزيله صديقا وشهد لك بالتقوى فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١)، واسيتَ رسول الله - ﷺ - حين تخلوا، وقمتَ معه عند المكاره حين عنه قعدوا، وصحبتَه في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، ومواطن الكره، خلفته في أمته بأحسن الخلافة حين ارتد الناس، وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، قويت حين ضعف أصحابك، ونهضت حين وهنوا، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله - ﷺ - إذ هَمّوا، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، مضيت بنور إذ وقفوا، فاتبعوك فهدوا، كنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فوقا، وأقلهم كلاما، وأصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وأكبرهم رأيا، وأشجعهم نفسا، وأشدهم يقينا، وأحسنهم عقلا، وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين يعسوبا أولًا حين نفر عنه الناس، وأخيرا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا لعلمك بما جهلوا، شمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت آثار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا، وللمسلمين غيثا وخصبا، فطرت والله بغنائها، وفزت بجبائها، وذهبت بفضائلها، وأدركت سوابقها، لم تُفَل حجتك، ولم تضعف نصرتك، ولم تختر نفسك، ولم يزغ قلبك، كنت كالجبل، فلا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله - ﷺ -: «أمَنَّ الناس عليه في صحبتك وذات يدك» وكنت ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في أعين المؤمنين، كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد في ذلك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له،
_________________
(١) الآية (٣٣) من سورة الزمر ..
[ ٨٨ ]
شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حق وحتم، وأمرك حكم وحزم، ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، وقوي الإيمان، واعتدل بك الدين، وثبت الإسلام والمسلمون، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا، وفزت بالخير، فجللت عن البكا، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فو الله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله - ﷺ - بمثلك أبدا، كنت للدين عزا وحرزا وكهفا، وللمؤمنين فيئا وحصنا وغيثا، فألحقك الله بميتة نبيك، ولا أحرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون"، فسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا عليه حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت يا ابن عم رسول الله - ﷺ - (١)، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوما (٢).
وأخيرا من مثل أبي بكر - ﵁ - قال الله عنه وعن رسوله - ﷺ -: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣)، فالذي جاء بالصدق هو رسول الله محمد بن عبد الله - ﷺ -، والذي صدق به هو أبو بكر الصديق - ﵁ -، مناصر رسول الله - ﷺ -، منذ الوهلة الأولى، من كرّمه بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤)، قال أبو بكر: قلت: للنبي - ﷺ -: وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (٥)، لله درك يا أبا بكر نلت شهادات عليا لم ينهلها أحد بعدك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وخلفك الفاروق - ﵁ - فلم يفته أمر الفتح الإسلامي، وهو ما سنذكره فيما يلي في عهده - ﵁ -، وهو ما أحزن الفرس اليوم.
_________________
(١) بتصرف انظر: السنة لأبي بكر بن الخلال ١/ ٢٨٤، وانظر: الشريعة للآجري ٤/ ١٧٢٥.
(٢) مروج الذهب ١/ ٢٨٨.
(٣) الآية (٣٣) من سورة الزمر.
(٤) من الآية (٤٠) من سورة التوبة.
(٥) البخاري حديث (٣٦٥٣).
[ ٨٩ ]