أوله الأربعاء رؤي الهلال ليلته عاليًا جدًا كثير النور غاب بعد الشفق وذلك ليلة الخامس عشر من كانون الأول وفي الجزء الأول من برج الجدي وأوله وثانيه وما بعده جاء برد شديد جدًا جمدت فيه المياه وأحاط الثلج بالجبال التي بغربي دمشق وشماليها.
ويوم الأربعاء أوله سجنوا والي الولاة أرغون مملوك عز الدين أزدمر بالقلعة طلبوه على خيل البريد فلما وصل قبض عليه.
ويوم الجمعة ثالثه صُلي صلاة الغائب بالجامع على الشيخ (١) علي بن بدر توفي بالرملة.
ويومئذ حكم الحنبلي بصحة تفويض نظر النورية ببعلبك من قاضي القضاة إلى كاتب السر واتصل بي يوم الأحد وحكمت باستمراره وعدم انعزاله بموت المفوض وانعزاله بعد اتصال كتاب الوقف بي وصيغته "فإن مات عن غير تفويض ولا استناد كان لحاكم المسلمين في ذلك الوقت" فهو اليوم لحاكم المسلمين شرعًا لا شرطًا لأن التفويض انقطع قديمًا إذ الواقف لم يجعل التفويض إلا لابن أبي عصرون فقط فكل التفاويض التي بأيدي بني غانم وقبلهم من بني عصرون غير لازمة بل هي وكالة محضة، وحينئذ فالنظر إلى القاضي بحكم أنه لا ناظر خاصٌ للوقف فإذا فوض النظر لغيره لا ينعزل بانعزاله ولا موته كما هو معروف للمذهب.
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ٣/ ٥٩٨.
[ ١ / ١٥١ ]
وليلة الاثنين سادسه بعد المغرب توفي الشيخ يوسف (١) بن صالح بن سنان الحلواني بالقرب من المسجد العمري عند رأس حكر السماق بسكنه هناك وصلي عليه من الغد عند المسجد المذكور ودفن خلف مسجد الذبان بمقبرة الباب الصغير وكان من أهل القرآن خيرًا دينًا بمعنى أنه لا تفوته صلاة الصبح مع الإمام الكبير في الجامع الأموي وبلغ من العمر (٩٣) سنة وأشهر، وهو والد صاحبنا شمس الدين محمد، وخلف ولدًا آخر حلوانيًا وبنتًا وزوجةٌ أمهم.
وليلة الخميس تاسعه بعد مضي النصف وقع مطرٌ كثيرٌ جدًا واستمر إلى الغد إلا أوقاتًا يسيرة، وكذلك يوم الخميس وليلة السبت ويومه، وفيه أيضأ ثلج ووقع أيضًا يوم الأحد كثيرًا جدًا، ولم يقع مطر بدمشق وما حولها في هذا العام أكثر منه وكان أهل الحاضرة محتاجين إليه وتعكرت المياه في هذه الأيام.
وليلة الجمعة عاشره وهو الرابع والعشرين من كانون ليلة ميلاد عيسى ﵇ فيما يزعمون ولكن النصارى جعلوا عيدهم لذلك ليلة الأحد ثاني عشره وهي ليلة مولد نبينا - ﷺ -.
وليلة الاثنين ثالث عشره خسف القمر وكان مبدأ خسوفه قبيل الثلث الأخير من الليل وانجلى قبل السلام، وانخسف جميعه إلا يسيرًا.
وفي العشر الأول منه توفي القاضي عماد الدين (٢) إسماعيل بن أحمد بن علي الباريني قاضي القدس بها وقد جاوز الثمانين وكان قدم من حلب إلى دمشق طالبًا للعلم وهو كبير فتولى نيابة الدماغية وتلميذ الشيخ ولي الدين المنفلوطي واشتغل على الحسباني وهو مثله أو أسن منه وكان متوسطًا في العلم وصحب الشيخ خليل المقدسي وكان قيم الدماغية يتنزل
_________________
(١) * * * *
(٢) تاريخ ابن قاضي شهبة ٣/ ٥٩٤ إنباء الغمر ٣/ ٢٩٩ الدرر الكامنة ١/ ٣٦٥ (٩١٩) الذيل على دول الإسلام ٣٨٥ شذرات الذهب ٨/ ٦٠٢.
[ ١ / ١٥٢ ]
بالمدارس وعنده شَلَشٌ وإنكار على القضاة، فلما قدم الشيخ سراج الدين البلقيني إلى دمشق قاضيًا سنة تسع وستين ولاه قضاء بعلبك وتدريس النورية بها ثم انفصل بانفصاله، ثم ولي التدريس منفردًا عن القضاء، ثم خرج من بعلبك بتضييق القاضي تاج الدين السبكي عليه وكان يكرهه، وهو ممن توجه إلى مصر في فتنته مع الجماعة ليشهد عليه فاستقر بالديار المصرية وولاة قاضي القضاة بهاء الدين القضاء بأعمالها وولي قضاء المحلة واستمر هناك أيضًا في أيام القاضي برهان الدين بن جماعة، ثم عزلى وولي مرة قضاء الشحوبك (١) ثم رجع إلى مصر، ولما قدم القاضي بهاء الدين ابن القرشي قاضيًا استصحبه معه وولاه قضاء القدس واستمر مدة أيامه ثم انفصل بانفصاله واستمر، ثم ولي نظر المارستان وغيره فلما ولي قاضي القضاة شهاب الدين في العام الأولى ولاه إياها فاستمر نحو خمسة أشهر ومات.
وكان من حين خرج من دمشق لم أره إلا في رجب سنة ست وتسعين، قدم دمشق وولاه القاضي علاء الدين نظر المارستان بالقدس فاجتمع بي وسألته عن مولده، فقالى: قالوا سنة سبع عشرة وقد تغير وحال عن الحال التي نعهده عليها، وعندى أنه أسن من ذلك فإني منذ عرفته كان في لحيته الشيب وولي قضاء القدس بعده تقي الدين صالح ابن خليل بن سالم وكان بالكرك وقد ولي القدس في وقت.
ويوم الأربعاء نصفه عُقد عَقد قاضي القضاة علي بنت التي كانت زوجة علم دار فأقام معها ثلاثة أشهر ثم طلقها.
ويوم الخميس سادس عشره عقد بدار السعادة بحضور النائب والقضاة مجلس بسبب وقف ابن ببعلبك وكان وقف قديمًا أيام الشيخ تقي الدين السبكي الوقف على ابن المجد وحكمهم ثم ثبت عند القاضي المذكور سنة ثمان وخمسين محضر بإذن القاضي تاج الدين يتضمن أن الواقف لم يزل سفيهًا من حين الوقف إلى أن توفي، ثم في مدة الأزمنة
_________________
(١) الشوبك - قال ياقوت -قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وايله- معجم البلدان ٣/ ٤٢٠ (٧٣٢١).
[ ١ / ١٥٣ ]
اتصل ذلك بنائب الحكم ببعلبك وهو ابن زيد الذي هو اليوم قاضيها وحكم ببطلان الوقف ونفذه مستخلفه ابن فرمون واتصل ذلك بي، ثم في هذا الشهر جاء البعلبكيون يتخاصمون في ذلك فاتصل كتاب الوقف وهو صورة إشهاد على القاضي ابن زيد لأن أصل الكتاب ضاع، وبرفيقنا الغزي اتصل به تنفيذ ابن فرمون وفيه أنه رجع عن تنفيذه لنائبه في محضر السفه، وفيه أن نائبه رجع أيضًا فحكم الغزي باستمرار الوقف فاجتمع الخصوم بالنائب وبالقاضي الحنفي وأثبتوا أمرهم فعقد المجلس يومئذ وغضب النائب على أولئك وأظهر المساعدة لمدعي البطلان، فقال: أنهم يتبعون المكان له فحكم القاضي الحنفي ببطلان الوقف ورفع أيدي من هو بيدهم ولم تكن رفعت قبل ذلك وتسليمه إلى مدعي الملك يأخذونه ميراثًا بعد أن اتصل به تنفيذي المذكور في المجلس وبعده تنفيذ القضاة وغضب الغزي لنقض حكمه فلم يبالوا به.
وفيه قبض على ابن الغزولي التاجر وسجن بالقلعة وقيد وأقام بضعة عشر يومًا ثم شفع فيه أقبغا الصغير فأُطلق.
ويوم السبت أول كانون الثاني وقع فيه برد شديد.
وليلة الاثنين منه توفي الشيخ المسند الفقيه العالم المفتي المعمر الفقيه شهاب الدين أبو العباس (١) أحمد بن الشيخ عماد الدين أبي بكر بن الشيخ صالح المسند عز الدين أحمد بن الشيخ عماد الدين عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي المعروف بابن العز بمنزله بالصالحية ودفن من الغد بتربة الشيخ الموفق عند والده وأقاربه وكان مولده فيما كتبه بخطه ليلة الخامس والعشرين من صفر سنة سبع وسبعمائة فكمل إحدى وتسعين سنة إلا خمسة أيام، أكثر عن التقي سليمان ويحيى بن سعد وحدث عن العماد الجرايد، وهو آخر من روى عنه وعن القاضي بالسماع وكان له اشتغال في الفقه وأُذن له في الفتوى، وكان شيخًا
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ٣/ ٥٩١ الدرر الكامنة ١/ ١٠٩ (٣٠٢) إنباء الغمر ٢٩٧٣ المقصد الأرشد ١/ ٧٨ شذرات الذهب ٨/ ٦٠١.
[ ١ / ١٥٤ ]
طويلًا عليه أبهة وأُقعد في آخر عمره، ووالده توفي ليلة السبت ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وسبعمئة عن خمس وسبعين سنة، روى عن جده حضورًا وعن ابن عبد الدائم وعبد الله ابن الخشوعي والكرماني وجماعة، قال البرزالي فيه: رجل جيد من بيت الرواية والصلاح، أما جده العز أحمد فقد حدثونا عنه وكان من الصلحاء المتعبدين، زاره مرة نائب السلطنة وروى عن الشيخ الموفق وموسى بن عبد القادر والشهاب ابن راجح والقزويني ونحوهم، توفي بكرة الأحد ثالث المحرم سنة سبع مائة عن سبع وثمانين سنة تقريبًا، وأما العماد عبد الحميد فروى عن يحيى الثقفي وأحمد الموازيني وجماعة وتوفي في سنة ثمان وخمسين وستمئة في ربيع الأول وبعده بشهرين توفي أخوه الفقيه محمد بن عبد الهادي قتله التتار بنابلس روى أيضًا عن يحيى وعن محمد بن حمزة ابن أبي الصفر وغيرها ومات وقد نيف على التسعين.
ومن ذرية عبد الحميد ولده محمد، مات بعده بعشر سنين سنة ثمان وستين وستمائة في رمضان، وهو أيضًا ممن روى عن الشيخ الموفق وموسى، وأولاده عبد الله وعلي وعبد الحميد وعبد الرحمن وهو آخرهم موتًا توفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
ومن أولاد عبد الحميد عبد الهادي والد العماد أحمد المتوفى سنة خمسين وسبعمائة وهو والد الأخوة العلامة شمس الدين محمد المتوفى قبل والده وعبد الرحمن وحسين وأبو بكر وإبراهيم، سمعنا منهم عن ابن البخاري حضورًا، وكلهم حدثونا عن ابن عبد الدائم.
ومن أولاد عبد الله وكان يلقب بالمحب شيخنا محمد.
التقي عبد الله بن الشيخ الصالح عمر شيخنا من أصحاب ابن خليل وابن عبد الدائم، وجده مات قديمًا سنة تسع وتسعين وأخوه الشرف محمد سمع من المؤتمن بن قنبر وجماعة، وكان يداخل الدولة، عُدم في سنة تسع وتسعين بطريق مصر عن ستين سنة تقريبًا.
وليلة الأربعاء تاسع عشريه نقلت الشمس إلى برج الدلو في الساعة التاسعة وذلك ليلة الثاني عشر من كانون الثاني.
[ ١ / ١٥٥ ]
ويوم الاثنين سابع عشريه كلم النائب الحاجب كلامًا فيه غلظة ونسبه إلى حماية الخمور وغير ذلك وشتمه وسبه وكلمه كلامًا قبيحًا فرد عليه بعض ذلك فأمر بمحضر فكتب فيه وذكر فيه قضية ذلك الخان الذي كبسه قاضي القضاة وكان جاء من عند الحاجب من يساعد.
[ ١ / ١٥٦ ]