ترآه الناس ليلة الثلاثاء رابع أيار وصعدت المنارة على العادة فلم يُر مع صفاء الأفق وكان أهل الحساب قالوا أنه يرى خفيف وأن بعده درج وربر ومكثه درجة ونوره ثلثا أصبع، ورؤي بحمص ليلة الثلاثاء.
عرض لقاضي القضاة في مستهله بل في آخر الاثنين ضعف شديد واستمر به أسبوعين.
ويوم الخميس ثانيه وصل توقيع القاضي علاء الدين بن منجا وقرئ من الغد بعد صلاة الجمعة بمحراب الحنابلة وهو مؤرخ بمستهل رجب من حين لبس الخلعة إلى قراءة التوقيع شهر إلا يوم، ووصل معه دوادار الدوادار وهو متوجه إلى حماة لعزل حاجبها تمنبغا الظاهري وتولية الذي أخذ إقطاعه مكانه.
ويوم السبت رابعه وصل الخبر مع رأس نوبة النائب بعزل الحاجب ابن الشيخ على من حجوبية الحجاب وتوليته نيابة غزة وتولية نائب غزة الحجوبية مكانه.
وجاء الخبر أيضًا مع آخر بقطع خبز أمير فرج ابن منجك وكان عين لأمرة الحاج فأبى فقطع خبزه وكان طبلخاناة وعشرة وأضيف إليه أشياء أُخر حتى صار تقدمة فأُعطيت الطبلخاناة لابن أخيه أمير محمد بن إبراهيم ولبس في سادس عشر شعبان وأُعطيت عشرته مملوك عمه أمير عمر وعين لإمرة الحاج تنكزبغا الذي كان نائب بعلبك.
[ ١ / ١٧٢ ]
ويوم السبت المذكور عصروا والي الولاة المسجون وطلب منه مال جزيل وعصروه عصرًا فاحشًا.
ويوم الاثنين سادسه أول النهار جاء النائب من المرج لابسًا خلعة ودقت له البشائر وأشعلت له الشموع كل ذلك لمحبة الناس له وكراهتهم للحاجب وكان إقامته في المرج في هذه السنة أحد عشر يومًا فإنه توجه في ثالث عشرين رجب ثم جاء فأقام بها يومين وكان له من حين وقع بينه وبين الحاجب أربعة أشهر وثمانية أيام فأقام بعد ذلك منقطعًا في بيته وكان متضعفًا مدة ثم سافر فغاب مدة ثم جاء فتوجه إلى المرج إلى أن عزل الحاجب فجاء واستقر وأصبح من الغد يوم الثلاثاء ركب وعاد قاضي القضاة من ضعفه ومعه طولوا المتوجه إلى ابن عثمان.
ويوم الأحد خامسه فتح حمام القصر وكان بطالًا من أيام الحصار نحو سبع سنين، فلما سُكنت تلك الناحية عُمّر ما شعث منه ودخله الناس وهو وقف المنصور قلاوون على المرستان والمنصورية بالقاهرة.
ويوم الجمعة عاشره وصل أمير فرج مشد الدواوين من مصر، وجاء في أمور من أخذ أموال وغير ذلك، ومما جاء معه أن ترد أموال المواريث إلى ديوان السلطان وكان السلطان من حين جاء إلى دمشق أطلقها للنائب.
ويومئذ توجه شهاب الدين ابن الشهيد على خيل البريد إلى مصر مطلوبًا.
وحال ما وصل مشد الدواوين طلب أرغون الذي كان والي الولاة وابن بولاذ المسجونين بالقلعة مقيدين وكلمهم في أن السلطان أمر بأن يستخرج منهما ما التمساه من أموال الناس وقال: أمرني السلطان أن أضربكما إلى أن تموتا، وهذا بمقتضى الكشف عليه مما أخذه أيام ولايته شادًا مما أخذه من الفلاحين أيام كان السلطان بدمشق حين طلب يشتري الشعير ثم صولحوا على ثمنه، فتكلم ابن بولاد بكلام فيه قوة ومخاطرة، وقال: تضربني الآن؟ فضربه مجردًا.
ويوم السبت حادي عشره وصل وزير ابن عثمان من بلاده ومعه
[ ١ / ١٧٣ ]
جماعة كثيرة قاصدًا الحج فنزل بالقصر وبين يديه الحجاب والأمراء بعدما اجتمع بالنائب تحت القلعة بالموكب وملأوا الميدان، وكان نازلًا به المتوجه بالتقدمة إلى ابن عثمان فغلبوا عليهم فانتقلوا إلى الميدان الآخر وتوجهوا مسافرين يومئذ بعد العصر، ومع هذا الوزير تقدمة للسلطان فوجه بها بعض جماعته إلى السلطان، وخلع النائب عليه من الغد خلعة وعلى جماعة من ذويه وجاءوا من دار السعادة لابسيها إلى الميدان.
ويوم هذا السبت سجن بحبس السدّ خطيب زرع الذي صار موقعًا بالديار المصرية وكتب تواقيع جماعة من قضاة الشام واتصل بكاتب السر هذا لما كان بدمشق ومدحه قبل ولايته فلما ولي قدمه وأحسن إليه واسمه محمد بن علي، ووضع في رقبته القيد وذلك بسبب أخيه إبراهيم وقبض على أخيه إبراهيم أيضًا وضرب كما فعل ذلك بهما ابن النشو مشد المراكز وذلك بعدما شاور النائب، وذلك لأنه نسب إلى أن عنده خيل لمنطاش وسيرة أخيه سيرة قبيحة، وأما الخطيب محمد فإنه كان قد أبعده كاتب السر فوصل إلى دمشق في هذه الأيام وكان أخوه متعنتًا فاتفق أنه قبض عليه بسبب قضية شخص ففتح عليه باب تلك القضية، فقام أخوه فنصره وتحامق وفعل به ما فعل وأقام بالسجن أيامًا وقاسى شدة وإهانة زائدة، واتفق أن النائب سجن شخصًا كاتبًا عندهم، ثم قال للوالي: هات الفقيه لنضربه بالمقارع فلم يفهم الوالي فجاء بالخطيب في عنقه الزنجير ورأسه مكشوف وهو حافي فأوقف بين يدي النائب وقد مات خوفًا، فقال: ما هو هذا ثم قام في قضيته القمني هذا الفقيه الذي جاء من مصر وهو منسوب إلى الدوادار فخلصه بسفارة القاضي المالكي.
ويوم الاثنين ثالث عشره خرج طلب الحاجب الأمير أحمد بن الشيخ علي إلى غزة نائبًا لها، وجاء إلى النائب فاصطلح معه جاء به الأمير إياس وهو الذي دخل في ذلك وشفع فيه عند النائب فدخل وقبل يده وخلع عليه النائب وأعطاه فرسًا ونزل بقبة يلبغا أيامًا.
وليلة الأربعاء نصفه بعد المغرب وصل مدرّس الصلاحية الجديد وهو الفقيه زين الدين أبو بكر القمني أحد طلبة العلم بالديار المصرية على خيل
[ ١ / ١٧٤ ]
البريد وبيده توقيع بتدريس الصلاحية بالقدس الشريف عوضًا عن ابن الجزري، أخذ التوقيع لما اختفى ابن الجزري بالقاهرة، وكان هذا قد صحب الدوادار ودخل فيه وصار من ذويه فأخذ له هذا التوقيع وأركبه البريد فجاء إلى القدس فباشر الوظيفة، وكانت جراية (١) الخبز في هذا الغلاء فلما قدم عمل على إدارتها ومكث هناك نحو عشرين يومًا ثم جاء إلى دمشق ليأخذ خط النائب على توقيعه ومعه كتاب الدوادار بالوصاة به والتأكيد في ذلك والمبالغة، وجاء مرافقًا له الشيخ شهاب الدين بن الحسباني من القدس وكان الآخر قد اختفى في أواخر السنة الماضية كما تقدم حين شكى عليه الفقهاء وأُلزم بإقامة حساب المدارس وجرت أمور تقدم بعضها، ثم توصل إلى أن سافر إلى الديار المصرية في أواخر السنة وكان جاء كتاب السلطان جواب مكاتبة النائب بسببه أن يعمل في وظائفه حكم الشرع الشريف وأنه إذا جاء إلينا أرسلناه، فلما قدم مصر توصل إلى أن صحب الدوادار بطريق دواداره وهو صاحبه وبهذا القمني أيضًا فأخذ له توقيعًا باستمراره في وظائفه ومرسومًا بأن لا يعارضه أحذ في وظائفه وما بيده ولا يتحدث معه فيها، وخرج من مصر فوجد هذا القمني قد سبقه إلى القدس على البريد فعرج إلى القدس وأقام معه وجاءا مترافقين وذهبا من الغد فسلما على القاضي ثم النائب.
ويومئذ جاءني مقبل البريدي عتيق ابن السلادار فأخبرني أنه وقف هو وابن الجباب الشيخ شهاب الدين على مولودين ولدا توأَمًا لستة أشهر ميتين وهما ابنتان وكلٌ منهما كامل الأسنان وإن إحداهما لها لحية مستديرة والأخرى لها على رأسها شبه هذه العصابة التي تعانتها النساء لحم ناتئ من قدام ووراء عند صدغيها وأن أهل تلك الناحية سألوه الوقوف عليهما فصادف ابن الجباب فأخذه فوقف عليهما، وإنهم يريدون أن يوقفوا عليها النائب والقاضي فأرسلت عدلين للوقوف عليهما فذهبا وأخبرا بما قال مقبل من
_________________
(١) جراية الخبز - رزق أو عطاء جار لكل يوم أو شهر وقد يكون عينًا كالخبز أو نقدًا وكات يخصص لطلاب العلم من مال الأوقاف.
[ ١ / ١٧٥ ]
الصفة، وقيل لي أن أباهما كان حريريًا وهو الآن ضعيف البصر فقيرًا، والشاهدان هما النقيب علاء الدين وشمس الدين العدوي.
وبلغنا من أيام أنه ولد في قرية من قرى البلد مولودين متلاصقيق ظهرهما إلى ظهر الآخر.
ويوم السبت ثامن عشره ضحًا وقع مطر كثير وجرت منه الميازيب وكان في الليل أيضًا حصل برق ورعد ومطر خارج عن البلد وحصل في هذا اليوم وليلته والليلة القابلة برد شديد بحيث لبس بعض الناس الفراء مع تقدم حر شديد فيما مضى وذلك في اليوم السابع والعشرين من أيار وقبله بأيام وقع مطر غربي دمشق زاد به النهر وتغير ماؤه يومًا وليلة.
ويوم الخميس ثالث عشريه دخل حاجب الحجاب الذي كان نائبًا بغزة واسمه الطنبغا العثماني وتلقاه النائب والعسكر ونزل بدار تمربغا الحاجب الذي كانت وصلى مع النائب من الغد على العادة ثم جاء عائدًا لقاضي القضاة بالعادلية فوجده عقيب الصلاة جالسًا على التخت وكان في هذا اليوم قد صلى الجمعة وطاب من مرضه واستقل وخرج ولله الحمد، ويومئذ أول حزيران ويومئذ آخر النهار دخل الوزير الجديد الآخر وهو علاء الدين علي بن القاضي نجم الدين ابن السنجاري ولبس يوم الاثنين.
وليلة الأحد سادس عشريه أو سابع عشريه توفي شهاب الدين أبو (١) سعد أحمد بن القاضي الإمام المحدث شمس الدين أبي العباس محمد بن موسى بن سند اللخمي بالبيمارستان النوري وصلي عليه من الغد بالجامع ودفن بالصوفية، وكان مولده فيما كتبته من خط والده الثلث الأول من يوم الجمعة العشرين من صفر سنة ست وخمسين وسبعمئة بالخانقاه المجاهدية ظاهر دمشق وكتب له استدعاء في حين مولده كتب فيه الإجازة جماعة من أصحاب ابن البخاري وغيره الذين كانوا موجودين حنيئذ، وقد سمع وحضر
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ٣/ ٥٩٣، إنباء الغمر ٣/ ٢٩٧، ٣١٣ شذرات الذهب ٨/ ٦٠٢.
[ ١ / ١٧٦ ]
على جماعة منهم وحضر على ابن الخباز وفقد بعد مولده بقليل، وابن الضياء الحموي وممن أجاز له محمد بن الحداد وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي والحافظ ابن وابن المرجاني وغيرهم ولعله حضر عليهم وحفظ القرآن جيدًا واشتغل في النحو ثم كتب بخطه صحيح البخاري وقابله ودَرب قراءته وكان يقرأه قراءة جيدة ثم كان أمره مضطربًا وكذلك أخوه الذي هو أصغر منه يتطورون أطوارًا ولم يكن الثناء عليهما جيدًا في دينهما وعقيدتهما كانت له وظائف ثم تركها ثم صار يقرأ بالجامع مواعيد على العامة وباشر مشيخة المجاهدية مدة ثم انفصل عنها ثم توجه إلى مصر في العام الأول ففتح حانوتًا وصار طباخًا ثم قدم دمشق في هذه السنة متضعفًا واستمر إلى أن توفي.
ويوم الاثنين سابع عشريه حضرتُ الخانقاه الخاتونية عند جامع تنكز وكانت احترقت فيا أيام الحصار فعمرت وكمل بياضها وجميع ما تحتاج إليه فحضرتُ يومئذ وحضىهـ القضاة إلا أن قاضي القضاة لم يحضر لأن عنده آثار الضعف وكل ذلك بعمل شيخها الشيخ عبد الملك بن الشيخ محمود. وفيه قتل ابن عبدان ببيروت قتله الرافضة زعيمهم ابن عقيل.
وفيه ورد الخبر بانخفاض الأسعار بالقدس الشريف وأن الكيل باثنين وعشرين، وارتفع السعر بدمشق فبيع القمح الجديد الغرارة بمائتين وخمسين والشعير بأكثر من مائة.
وفيه قدم من القاهرة ابن عبد القادر من نابلس وهو ابن الشيخ شمس الدين أخو شرف الدين عبد القادر الذي ولي قضاء الحنابلة من سنوات أكثر من سنة ثم توفي، ومعه توقيع بأن يكون قاضيًا حنبليًا بنابلس، وكان يسعى والسلطان بحلب سنة ثلاث وتسعين فلم يجب، ثم توصل ببعض الخاصكية فوصل إلى دمشق في أواخر الشهر.
ووصل أيضًا قاضيها الشافعي وهو خطيبها واجتمع بالنائب فأخذ توقيع الحنبلي ومنعه وهو باقي على السعي، وقيل لي أنه عارٍ من العلم وليس كأخيه فقد كان فاضلًا، وقيل لي عن القاضي الشافعي أنه يكتب خطًا حسنًا
[ ١ / ١٧٧ ]
وله معرفة بالإنشاء والأدب وينظم وأنه غاية في الكرم والحشمة ببلده، ثم اجتمع بي وسلم علي في رمضان.
[ ١ / ١٧٨ ]