وذلك أنّ الملك والسّلطان حصل لأوّليه مذ أوّل الدّولة بعصبيّة قومه وعصبيّته الّتي استتبعتهم حتّى استحكمت له ولقومه صبغة الملك والغلب وهي لم تزل باقية وبها انحفظ رسم الدّولة وبقاؤها وهذا المتغلّب وإن كان صاحب عصبيّة من قبيل الملك أو الموالي والصّنائع فعصبيّته مندرجة في عصبيّة أهل الملك وتابعة لها وليس له صبغة في الملك وهو لا يحاول في استبداده انتزاع ثمراته من الأمر والنّهي والحلّ والعقد والإبرام والنّقص يوهم فيها أهل الدّولة أنّه متصرّف عن
_________________
(١) ليس لها معنى وربما تكون زائدة.
(٢) أظآر ج ظئر: المرضع. وظئر القصر: ركنه (قاموس)
[ ١ / ٢٣٣ ]
سلطانه منفذ في ذلك من وراء الحجاب لأحكامه. فهو يتجافى عن سمات الملك وشاراته وألقابه جهده ويبعد نفسه عن التّهمة بذلك.
وإن حصل له الاستبداد لأنّه مستتر في استبداده ذلك بالحجاب الّذي ضربه السّلطان وأوّلوه على أنفسهم عن القبيل منذ أوّل الدّولة ومغالط عنه بالنّيابة ولو تعرّض لشيء من ذلك لنفسه [١] عليه أهل العصبيّة وقبيل الملك وحاولوا الاستئثار به دونه لأنّه لم تستحكم له في ذلك صبغة تحملهم على التّسليم له والانقياد فيهلك لأوّل وهلة وقد وقع مثل هذا لعبد الرّحمن بن النّاصر بن منصور بن أبي عامر حين سما إلى مشاركة هشام وأهل بيته في لقب الخلافة ولم يقنع بما قنع به أبوه وأخوه من الاستبداد بالحلّ والعقد والمراسم المتتابعة فطلب من هشام خليفته أن يعهد له بالخلافة فنفس ذلك عليه بنو مروان وسائر قريش وبايعوا لابن عمّ الخليفة هشام محمّد بن عبد الجبّار بن النّاصر وخرجوا عليهم وكان في ذلك خراب دولة العامريّين وهلاك المؤيّد خليفتهم واستبدل منه سواه من أعياص [٢] الدّولة إلى آخرها واختلّت مراسم ملكهم والله خير الوارثين.