ونجد ذلك واضحًا في كلامه على كثير من الأحاديث النبوية الشريفة وفي بعض الروايات الأولى. ويكون هذا النقد عادة بتضعيف السند بسبب الكلام في راوٍ واحد من رواته أو أكثر، أو تقويمه استنادًا إلى مقاييس المحدثين فيحكم بعد ذلك على قوة الحديث وضعفه باستعمال العبارات الدالة عليه كأن يقول مثلًا "منقطع"، و"مرسل"، و"متفق عليه"، و"صحيح"، وغيرها من المصطلحات المعروفة عندهم. ولما كان الذهبي من كبار حفاظ الحديث وجهابذته لذلك ما وجدناه ترك حديثًا من غير تعليق عليه (^١). وقد طبق هذه الطريقة على بعض الأخبار بعد دراسة أسانيدها وهو نادر في كتابه (^٢) لعدم عنايته بالإسناد فيه أصلًا وتعويله على المؤلفات السابقة.
ومع ذلك فإن الذهبي لا يكتفي بنقد السند في معظم الأخبار التي يوردها ويضعفها استنادًا إلى ضعفٍ في سندها، بل يحاول جاهدًا إيراد ما يقوي هذا التضعيف من الأدلة التاريخية التي تتوفر له، ففي اتهام هشام بن عروة لابن إسحاق نقل الذهبي هذه الرواية عن العقيلي، قال: "قال العقيلي: حدثني
_________________
(١) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٧.
(٢) انظر مثلًا: ٧/ ١٨٥ و٦٤٤ و٦٥٣.
[ المقدمة / ٢٠٤ ]
الفضل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، قال: قال لي يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب. قلتُ: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب، فقلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك، فقلت لمالك: وما يدريك؟، قال: قال لي هشام بن عروة، قلت له: وما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي وأدخلت عليَّ وهي بنت تسع سنين وما رآها رجل حتى لقيت الله " فقال الذهبي معلقًا: "قلت: هذه حكاية باطلة وسليمان الشاذكوني ليس بثقة، وما أدخلت فاطمة على هشام إلا وهي بنت نيف وعشرين سنة فإنها أكبر منه بنحو من تسع سنين، وقد سمعت من أسماء بنت الصديق، وهشام لم يسمع من أسماء مع أنها جدَّتهما. وأيضًا فلما سمع ابن إسحاق منها كانت قد عجزت وكبرت وهو غلام أو هو رجل من خلف الستر فإنكار هشام بارد" (^١).