أما القسم الثاني من الترجمة فهو ذكر تاريخ مولد المترجم وهو غالبًا ما يأتي بعد اسمه ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته. وقد اعتنى الذهبي بذكر الولادات جهد طاقته فذكرها دائمًا حينما توفرت له لما لذلك من أهمية كبيرة في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه وسماعاته عليهم أو إجازته عنهم. وكان المحدثون يعنون بتتبعْ المواليد ويسألون الشيخ عن مولده قبل السماع منه أو الأخذ عنه فإذا ما وجدوا له رواية قبل هذا التاريخ أو في سن لا تحتمل السماع حكموا بكذبه في هذه الرواية، فقد كان للشيخ أبي محمد عبد اللطيف بن عبد القاهر السهروردي المتوفى سنة ٦١٠ هـ (^٤) أخ أكبر منه اسمه عبد الرحيم له مسموعاته عن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري المتوفى في رجب سنة ٥٣٥ هـ (^٥) فحدث به عبد اللطيف هذا بإربل مع أن مولده في رجب
_________________
(١) السمناني: روضة القضاة، الورقة ١٧ (نسخة مكتبة البلدية في ميونيخ رقم ٢٦٠ عربي).
(٢) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٤.
(٣) راجع مقدمتنا لتاريخ ابن الدبيثي، ١/ ٣٥، وكتابنا: تاريخ بغداد لابن الدبيثي، منهجه، موارده، أهميته، ص ٥ (بغداد ١٩٧٤).
(٤) انظر: ابن نقطة: التقييد، ص ٣٨١ - ٣٨٢، وإكمال الإكمال ١/ ٤٣ ٢، ابن الدبيثي: تاريخ، الورقة ١٦٢ (باريس ٥٩٢٢)، المنذري: التكملة، ٢/ الترجمة ١٢٩٥، الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والمختصر المحتاج إليه ٣/ ٦٤، ابن الملقن: العقد المذهب، الورقة ١٤٩.
(٥) ويعرف بقاضي المارستان، انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٠/ ٩٢ - ٩٤، ابن الأثير: =
[ المقدمة / ١٣٨ ]
سنة ٥٣٤ هـ وسرعان ما شاع هذا الأمر بين المحدثين، قال ابن نقطة المتوفى سنة ٦٢٩ هـ: "قال لي أبو العباس أحمد بن علي بن عبد الرحمن المقرئ الأندلسي: دخل جماعة من القادسية إلى إربل من طلبة الحديث فقالوا لي: احذر أن تقرأ على الشيخ هذا الجزء فإنه من مسموعات أخيه. فسألته عن مولده فتكاره في ذلك وقال: "ما أدري أيش مقصود أصحاب الحديث يسألون الإنسان عن مولده كأنهم يتهمونه" فذكر مولده، فقلت إنه ليس من سماعاته (^١) باعتبار أن سنه لا تحتمل السماع.
ولما كان الاهتمام بذكر المواليد قد جاء نتيجة العناية بالرواية ولقاء المشايخ لذلك لاحظنا شدة اهتمام الذهبي بذكر مواليد المحدثين بصفة خاصة بينما كثيرًا ما أهملها في غيرهم من الملوك والأمراء والمتكلمين ونحوهم.
إن ذكر تاريخ المولد يعتمد بالدرجة الأولى على معرفة المترجم نفسه به لذلك فإن مؤلفي كتب التراجم غالبًا ما يذكرون المولد حسبما يورده صاحب الترجمة عندما يسأله الطلبة عنه. وغالبًا ما تُضبطُ مواليدُ ذوي البيوتات العلمية أكثر من غيرهم، ذلك أن آباءهم أو أقاربهم يهتمون بتقييد تاريخ مولد أبنائهم لأنهم يأملون أن يكونوا من أهل العلم والعناية به.
وكان الذهبيُّ يذكر في بعض الأحيان عمر المترجم إذا لم يذكر تاريخ مولده، وفي هذه الحالة غالبًا ما يأتي ذكر ذلك في نهاية الترجمة وبعد ذكره لتاريخ وفاته نحو قوله مثلًا: "عاش إحدى وتسعين سنة" (^٢) ونحو ذلك (^٣)، وإذا لم يظفر بتاريخ مولده دلل على قدم مولده، نحو قوله: "قديم المولد" (^٤).
_________________
(١) = الكامل، ١١/ ٨٠، سبط ابن الجوزي: مرآة، ٨/ ١٧٨ - ١٨٠، الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٣ - ٢٨، والعبر ٤/ ٩٦ - ٩٧، العيني: عقد الجمان، ج ١٦ الورقة ١٢١ - ١٢٢ (مصورة القاهرة ١٥٨٤ تاريخ).
(٢) ابن نقطة: التقييد ص ٣٨١ - ٣٨٢ ولذلك تناوله ابن حجر في "لسانه" ٤/ ٥٤.
(٣) الورقة ٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) انظر مثلًا: الورقة ٨٦، ٨٩، ١٣٣، ١٣٩، ١٤٧، ١٦٥، ١٧٢، ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٣٤، ٣٦، ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١١) وغيرهما كثير.
(٥) الورقة ٦٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
[ المقدمة / ١٣٩ ]
ويقتصر الذهبي في ذكر المولد على ذكر السنة التي ولد فيها في الأغلب الأعم، وقلما يُعَيِّنُ اليومَ والشهر الذي وقعت فيه الولادة إلا في حالات قليلة (^١) على عكس ابن الدبيثي والمنذري اللذين اهتما بذكر اليوم والشهر والسنة إذا وقع لهما ذلك (^٢). وقد يذكر الذهبي المدينة التي ولد بها تصريحًا (^٣)، على أنه كثيرًا ما يذكر ذلك ضمنيًا حينما يشير في الترجمة إلى أنه "بغدادي المولد"، أو "أصبهاني المولد" ونحوهما فيدل على مكان ولادته.