من خلال النصوص التي بين أيدينا يتبين لنا أن للرجل موقفين:
إذ يقول معلقا على خطبة جول كامبون الوالي العام للجزائر في بلدة الأربعاء ناثي إيراثن عام ١٨٩١ (قلت لابد من غالب ومغلوب وأن لكل شيء حد ونهاية ثم إن الدولة الحالية التي استولت عليهم تحبهم وتميل بالعطف عليهم وتود أن يتمدنوا تمدنا عصريا) ص ٤١.
وهذا موقف يناقض قوله بأن الشيخ الطاهر الجزائري كان معجبا بنظراته السياسية فالشيخ الطاهر الجزائري لم يكن مؤسسا للحركة القومية العربية فحسب بل أنه كان واضحا في علاقته بالدول والمستشرقين الإنجليز وكان أميل للسياسة البريطانية لذلك فإن تلامذته الذين أعلنوا الثورة العربية الكبرى عام ١٩١٦ لم يسمحوا لشريف مكة الحسن بن علي سوى بالاتصال مع بريطانيا دون سواها من الحلفاء، وليس من المتوقع أن يعجب طاهر الجزائري الذي لم ترد كلمة فرنسا على لسانه أو قلمه إلا أردفها بـ "لعنها الله". بأفكار رجل يجامل فرنسا لدرجة أنه يكلفه بتثقيف الشاب وأكثر من ذلك فإان كتاب تاريخ الزواوة خاصة في فصوله الأولى المتعلقة بنسب الزواوة وتاريخهم متفق مع أفكار الشيخ الطاهر من أن الزواوة عرب قحطانيون .. ونجد في الصفحة ١٠٧ أن الشيخ طاهر يطلب من أبي يعلى أن يحرر رسالة في لسان الزواوة قبل الشروع في تاريخهم ويدله على مراجع تاريخية مثل الديباج المذهب وابن خلكان والسخاوي كما أن واقعة السكن
[ ٢٦ ]
مع الشيخ طاهر هذه المدة الطويلة لا يمكن أن تتم لو كان بينهما مثل هذا الاختلاف البين في المواقف السياسة وميزة طاهر الجزائري كانت عدم المهادنة.! ثم هناك موقف مهم ورد في الكتاب وهو مطالبة أبو يعلى الزواوي بعصرنة التعليم العربي في الجزائر وإدخال الاقتصاد السياسي والإداري والطب والفلسفة وهذه العصرنة هي التي قام بها الشيخ الطاهر الجزائري في دمشق والشام كله فجرت عليه غضب الأتراك وهذه المطالب بعصرنة التعليم في الجزائر والإصرار على العربية تتفق ليس فقط مع أفكار الشيخ الطاهر بل أيضا مع أفكار الحركة الوطنية الجزائرية وسائر فصائل حركة التحرر القومي العربي منذ مطلع القرن العشرين، فالبربرية زواوية وغير زواوية هي جزء من القومية العربية جنسا وثقافة، دينا وأرضا، ماضيا ومستقبلا.
إذن فإن مواقف الشيخ أبو يعلى الزواوي في نهاية التحليل هي المواقف (العربية الإسلامية) التي أجمع عليها كل رجالات الزواوة (الأمازيغ جميعا) من علماء وساسة منذ قرون ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا فئة قيلة ممن أثرت فيهم أجهزة الدعاية الفرنسية. وما عبارته عن خطاب جامبول إلا كلمة مجاملة شاردة اقتضتها ظروف أكثر منها موقفا سياسيا أو ثقافيا، فالموقف السياسي والثقافي تجسد في رفقته لابن باديس في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.