قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أم إسحاق، فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهل العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشام.
وقيل: إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كنعان في حبرون، فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة فأما الخبر فبغير ذلك ورد حَدَّثَنِي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حَدَّثَنَا أسباط، عن السدي، بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل.
ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل، فقال لسارة: ائذني لي أنطلق إلى ابني فأنظر إليه، فأخذت عليه عهدا ألا ينزل حتى يأتيها، فركب البراق، ثم أقبل وقد ماتت أم إسماعيل، وتزوج اسماعيل امراه من جرهم.
وان ابراهيم ع كثر ماله ومواشيه وكان سبب ذلك فيما حَدَّثَنَا به موسى بن هارون، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن حماد، قال:
حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل، أن ابراهيم ع احتاج- وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه- فقالت له ساره:
لو اتيت خلتك فأصبت لنا منه طعاما! فركب حمارا له، ثم أتاه، فلما أتاه تغيب منه، واستحيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبا، فمر على بطحاء، فملأ منها خرجه، ثم أرسل الحمار إلى أهله، فأقبل الحمار وعليه حنطة جيده، ونام ابراهيم ع فاستيقظ، وجاء إلى أهله، فوجد سارة قد جعلت له طعاما، فقالت: ألا تأكل؟ فقال: وهل من شيء؟
فقالت: نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك، فقال: صدقت
[ ١ / ٣٠٨ ]
من عند خليلي جئت بها، فزرعها فنبتت له، وزكا زرعه وهلكت زروع الناس، فكان أصل ماله منها، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: من قال: لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فاخذ، ومنهم من أبى فرجع، وذلك قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا» فلما كثر مال إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى، وكان مسكنه ما بين قرية مدين- فيما قيل- والحجاز إلى أرض الشام، وكان ابن أخيه لوط نازلا معه، فقاسم ماله لوطا، فأعطى لوطا شطره فيما قيل، وخيره مسكنا يسكنه ومنزلا ينزله غير المنزل الذي هو به نازل، فاختار لوط ناحية الأردن فصار إليها، وأقام إبراهيم ع بمكانه، فصار ذلك فيما قيل سببا لآثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل، وكان ربما دخل أمصار الشام.
ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها- فيما حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق- قطورا بنت يقطن، امرأة من الكنعانيين، فولدت له ستة نفر: يقسان بن إبراهيم، وزمران بن إبراهيم، ومديان بن إبراهيم، ويسبق بن إبراهيم، وسوح بن إبراهيم، وبسر بن إبراهيم، فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق، وكان اسماعيل يكره أكبر ولده قال: فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر، فولدت له البربر ولفها وولد زمران بن إبراهيم المزامير الذين لا يعقلون وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي، فهو وقومه من ولده بعثه الله ﷿ اليهم نبيا.
حدثني الحارث بْن محمد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
[ ١ / ٣٠٩ ]
هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، قال: كان أبو إبراهيم من أهل حران، فأصابته سنة من السنين، فأتى هرمز جرد بالاهواز، ومعه امراته أم ابراهيم، واسمها توتا بنت كرينا بن كوثى، من بني أرفخشد بن سام بن نوح.
وحدثني الحارث، قال: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم قال: اسمها أنموتا من ولد أفراهم بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وكان بعضهم يقول: اسمها انمتلي بنت يكفور.
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، عن أبيه، قال: نهر كوثى كراه كرينا جد إبراهيم من قبل أمه، وكان أبوه على أصنام الملك نمرود فولد إبراهيم بهرمزجرد، ثم انتفل إلى كوثى من أرض بابل، فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه، دعاهم إلى عبادة الله، وبلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين، ثم بنى له الحير بجص، وأوقد له الحطب الجزل، وألقى إبراهيم فيه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل! فخرج منها سليما لم يكلم.
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا مُحَمَّد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا هَرَبَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ كُوثَى، وَخَرَجَ مِنَ النَّارِ وَلِسَانُهُ يَوْمَئِذٍ سِرْيَانِيٌّ، فَلَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ مِنْ حَرَّانَ غَيَّرَ اللَّهُ لِسَانَهُ فَقِيلَ: عِبْرَانِيٌّ، أَيْ حَيْثُ عَبَرَ الْفُرَاتَ وَبَعَثَ نَمْرُودُ فِي أَثَرِهِ، وَقَالَ: لا تَدَعُوا أَحَدًا يَتَكَلَّمُ بِالسِّرْيَانِيَّةِ إِلا جِئْتُمُونِي بِهِ، فلقوا ابراهيم ع فَتَكَلَّمَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، فَتَرَكُوهُ وَلَمْ يَعْرِفُوا لُغَتَهُ.
حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن ابيه قال: فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشام فجاءته سارة، فوهبت له نفسها
[ ١ / ٣١٠ ]
فتزوجها، وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فأتى حران، فأقام بها زمانا، ثم أتى الأردن فأقام بها زمانا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانا، ثم رجع إلى الشام فنزل السبع أرض بين إيليا وفلسطين واحتفر بئرا، وبنى مسجدا ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحول من عندهم، فنزل منزلا بين الرملة وإيليا، فاحتفر به بئرا اقام به، وكان قد وسع عليه في المال والخدم، وهو أول من أضاف الضيف، وأول من ثرد الثريد، وأول من رأى الشيب.
قال: وولد لإبراهيم ع إسماعيل وهو أكبر ولده- وأمه هاجر وهي قبطية، وإسحاق، وكان ضرير البصر، وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح- ومدن، ومدين، ويقسان، وزمران، واسبق، وسوح، وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة فأما يقسان فلحق بنوه بمكة، وأقام مدن ومدين بأرض مدين، فسميت به، ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإبراهيم: يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك، وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة! فقال: بذلك أمرت، قال:
فعلمهم اسما من أسماء الله ﵎، فكانوا يستسقون به ويستنصرون، فمنهم من نزل خراسان، فجاءتهم الخزر فقالوا: ينبغي للذي علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض، أو ملك الأرض، قال: فسموا ملوكهم خاقان.
قال أبو جعفر: ويقال في يسبق: يسباق، وفي سوح: ساح.
وقال بعضهم: تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب، إحداهما قنطورا بنت يقطان، فولدت له ستة بنين، وهم الذين ذكرنا، والأخرى منهما حجور بنت أرهير، فولدت له خمسة بنين: كيسان، وشورخ، واميم، ولوطان، ونافس
[ ١ / ٣١١ ]