فمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه إياه.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل اليه الأمر فيه:
أما السبب في غضبه عليه، فإنه كان- فيما ذكر- أن الواثق كان استوزر محمد بن عبد الملك الزيات وفوض إليه الأمور، وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل لبعض الأمور، فوكل عليه عمر بن فرج الرخجي ومحمد بن العلاء الخادم، فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كل وقت، فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم له أخاه الواثق ليرضى عنه، فلما دخل عليه مكث واقفا بين يديه مليا لا يكلمه، ثم أشار إليه أن يقعد فقعد، فلما فرغ من نظره في الكتب، التفت إليه كالمتهدد له، فقال:
ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عني، فقال لمن حوله:
انظروا إلى هذا، يغضب أخاه، ويسألني أن أسترضيه له! اذهب فإنك إذا صلحت رضي عنك، فقام جعفر كئيبا حزينا لما لقيه به من قبح اللقاء والتقصير به، فخرج من عنده، فأتى عمر بن فرج ليسأله أن يختم له صكه ليقبض أرزاقه، فلقيه عمر بن فرج بالخيبة، وأخذ الصك، فرمى به إلى صحن المسجد.
وكان عمر يجلس في مسجد، وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضرا، فقام لينصرف، فقام معه جعفر، فقال: يا أبا الوزير، أرأيت ما صنع بي عمر ابن فرج؟ قال: جعلت فداك! أنا زمام عليه، وليس يختم صكى بارزاقى
[ ٩ / ١٥٦ ]
إلا بالطلب والترفق به، فابعث إلي بوكيلك، فبعث جعفر بوكيله، فدفع إليه عشرين ألفا، وقال: أنفق هذا حتى يهيئ الله أمرك، فأخذها ثم أعاد إلى أبي الوزير رسوله بعد شهر، يسأله إعانته، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، ثم صار جعفر من فوره حين خرج من عند عمر الى احمد بن ابى دواد، فدخل عليه، فقام له أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبله والتزمه، وقال: ما جاء بك، جعلت فداك! قال: قد جئت لتسترضي لي أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمة عين وكرامة، فكلم احمد بن ابى دواد الواثق فيه، فوعده ولم يرض عنه، فلما كان يوم الحلبة كلم أحمد بن أبي دواد الواثق، وقال: معروف المعتصم عندي معروف، وجعفر ابنه، فقد كلمتك فيه، ووعدت الرضا، فبحق المعتصم يا أمير المؤمنين إلا رضيت عنه! فرضي عنه من ساعته وكساه، وانصرف الواثق وقد قلد احمد بن ابى دواد جعفرا بكلامه حتى رضي عنه أخوه شكرا، فأحظاه ذلك عنده حين ملك.
وذكر أن محمد بن عبد الملك كان كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير المؤمنين، أتاني جعفر بن المعتصم يسألني ان اسال امير المؤمنين الرضا عنه في زي المخنثين له شعر قفا، فكتب إليه الواثق:
ابعث إليه فأحضره، ومر من يجز شعر قفاه، ثم مر من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله فذكر عن المتوكل أنه قال: لما أتاني رسوله، لبست سوادا لي جديدا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنى، فقال: يا غلام، ادع لي حجاما، فدعي به، فقال: خذ شعره واجمعه، فأخذه على السواد الجديد ولم يأته بمنديل، فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه.
قال المتوكل: فما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حين أخذني على السواد الجديد، وقد جئته فيه طامعا في الرضا، فاخذ شعرى عليه.
ولما توفي الواثق أشار محمد بن عبد الملك بابن الواثق، وتكلم في ذلك
[ ٩ / ١٥٧ ]
وجعفر في حجرة غير الحجرة التي يتشاورون فيها، فيمن يعقدون، حتى بعث إليه، فعقد له هناك، فكان سبب هلاك ابن الزيات وكان بغا الشرابي الرسول إليه يدعوه، فسلم عليه بالخلافة في الطريق، فعقدوا له وبايعوا، فأمهل حتى إذا كان يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر، وقد عزم المتوكل على مكروه أن يناله به، أمر إيتاخ بأخذه وعذابه، فبعث إليه إيتاخ، فظن أنه دعي به، فركب بعد غدائه مبادرا يظن أن الخليفة دعا به، فلما حاذى منزل إيتاخ قيل له: اعدل إلى منزل أبي منصور، فعدل وأوجس في نفسه خيفة، فلما جاء إلى الموضع الذي كان ينزل فيه إيتاخ عدل به يمنه، فأحس بالشر، ثم أدخل حجرة، وأخذ سيفه ومنطقته وقلنسوته ودراعته، فدفع إلى غلمانه، وقيل لهم: انصرفوا، فانصرفوا لا يشكون أنه مقيم عند إيتاخ ليشرب النبيذ.
قال: وقد كان إيتاخ أعد له رجلين من وجوه أصحابه، يقال لهما يزيد ابن عبد الله الحلواني وهرثمة شارباميان فلما حصل محمد بن عبد الملك خرجا يركضان في جندهما وشاكريتهما، حتى أتيا دار محمد بن عبد الملك، فقال لهم غلمان محمد: أين تريدون؟ قد ركب أبو جعفر، فهجما على داره، وأخذا جميع ما فيها.
فذكر عن ابن الحلواني أنه قال: أتيت البيت الذي كان محمد بن عبد الملك يجلس فيه، فرأيته رث الهيئة قليل المتاع، ورأيت فيه طنافس أربعة وقناني رطليات، فيها شراب، ورأيت بيتا ينام فيه جواريه، فرأيت فيه بوريا ومخاد منضدة في جانب البيت، على أن جواريه كن ينمن فيه بلا فرش.
وذكر أن المتوكل وجه في هذا اليوم من قبض ما في منزله من متاع ودواب وجوار وغلمان، فصير ذلك كله في الهاروني، ووجه راشدا المغربي إلى بغداد في قبض ما هنالك من أمواله وخدمه، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت فأما ما كان بسامرا فحمل إلى خزائن
[ ٩ / ١٥٨ ]
مسرور سمانه، بعد أن اشتري للخليفة، وقيل لمحمد بن عبد الملك: وكل ببيع متاعك وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عجيف، فوكله بالبيع عليه، فلم يزل أياما في حبسه مطلقا، ثم أمر بتقييده فقيد، وامتنع من الطعام، وكان لا يذوق شيئا، وكان شديد الجزع في حبسه، كثير البكاء، قليل الكلام، كثير التفكر، فمكث أياما ثم سوهر، ومنع من النوم، يساهر وينخس بمسلة، ثم ترك يوما وليلة، فنام وانتبه، فاشتهى فاكهة وعنبا، فأتي به، فأكل ثم أعيد إلى المساهرة، ثم أمر بتنور من خشب فيه مسامير حديد قيام فذكر عن ابن ابى دواد وأبي الوزير أنهما قالا: هو أول من أمر بعمل ذلك، فعذب به ابن أسباط المصري حتى استخرج منه جميع ما عنده، ثم ابتلي به فعذب به أياما.
فذكر عن الدنداني الموكل بعذابه أنه قال: كنت أخرج وأقفل الباب عليه، فيمد يديه إلى السماء جميعا حتى يدق موضع كتفيه، ثم يدخل التنور فيجلس، والتنور فيه مسامير حديد وفي وسطه خشبة معترضة، يجلس عليها المعذب، إذا أراد أن يستريح، فيجلس على الخشبة ساعة، ثم يجيء الموكل به، فإذا هو سمع صوت الباب يفتح قام قائما كما كان، ثم شددوا عليه.
قال المعذب له: خاتلته يوما، واريته انى اقفلت الباب ولم أقفله، إنما أغلقته بالقفل، ثم مكثت قليلا، ثم دفعت الباب غفلة، فإذا هو قاعد في التنور على الخشبة، فقلت: أراك تعمل هذا العمل! فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه، فكان لا يقدر على القعود، واستللت الخشبة حتى كانت تكون بين رجليه، فما مكث بعد ذلك إلا أياما حتى مات.
واختلف في الذي قتل به، فقيل: بطح، فضرب على بطنه خمسين مقرعة، ثم قلب فضرب على استه مثلها، فمات وهو يضرب، وهم لا يعلمون، فأصبح ميتا قد التوت عنقه، ونتفت لحيته وقيل: مات بغير ضرب وذكر عن مبارك المغربي أنه قال: ما أظنه أكل في طول حبسه الا رغيفا
[ ٩ / ١٥٩ ]
واحدا، وكان يأكل العنبة والعنبتين قال: وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه: يا محمد بن عبد الملك، لم يقنعك النعمة والدواب الفرة والدار النظيفة والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك! فكان يكرر ذلك على نفسه، فلما كان قبل موته بيوم، ذهب عنه عتاب نفسه، فكان لا يزيد على التشهد وذكر الله، فلما مات احضر ابناه سليمان وعبيد الله- كانا محبوسين- وقد طرح على باب من خشب في قميصه الذي حبس فيه، وقد اتسخ فقالا:
الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق، فدفعت جثته إليهما، فغسلاه على الباب الخشب، ودفناه وحفرا له، فلم يعمقا، فذكر أن الكلاب نبشته، وأكلت لحمه وكان إبراهيم بن العباس على الأهواز، وكان محمد بن عبد الملك له صديقا، فوجه إليه محمد أحمد بن يوسف أبا الجهم، فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف الف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقال إبراهيم:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا عدت حربا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال:
أصبحت من رأي أبي جعفر في هيئة تنذر بالصيلم
من غير ما ذنب ولكنها عداوة الزنديق للمسلم
وأحدر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربي إلى بغداد، لأخذ ماله بها، فوردها، فأخذ روحا غلامه- وكان قهرمانه- في يده أمواله يتجر بها، وأخذ عدة من أهل بيته، وأخذ معهم حمل بغل، ووجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحنطة والشعير والدقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت
[ ٩ / ١٦٠ ]
مملوء ثوما، فكان جميع ما قبض له مع قيمته تسعين ألف دينار، وكان حبس المتوكل إياه يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لإحدى عشره بقيت من شهر ربيع الاول.