لقد دلت الاكتشافات الحديثة أن عرب الجنوب اليمني قد بنوا مدنا كثيرة، درست معالم معظمها، ولم تبق إلا أنقاض بعضها مثل: معين ومأرب ويثيل "براقش" وظفار وشبوة وغيرها، وقد ذكر شعراء العرب عشرات منها في أشعارهم، ووصفوا بعضها في قصائدهم وتغنوا بجمالها. ويبدو أن اليمنيين كانوا يبنون مدنهم على مرتفعات التماسًا للطافة الجو، وتحاشيًا لأخطار السيول، وفي الوقت نفسه ليحمي الأمراء الحضريون أنفسهم من
[ ٩٣ ]
غارات البدو إذ كانوا يجعلون قصورهم على شكل قلاع حصينة شبيهة بقصور نبلاء القرون الوسطى في أوروبا "Chateaux forts".
كانت كل مدينة تحتوي على قصر أو عدة قصور، وعلى معابد فخمة بالإضافة إلى منازل السكان، كما يرى في مدينة مأرب التي كانت مستديرة الشكل قطرها نحو كيلومتر، وحولها سور له ثلاثة أبواب، وفي وسط المدينة آثار هيكل يسميه اليمنيون الآن "هيكل سليمان" وتحتوي أيضا على آثار قصور كثيرة أشهرها قصر سلحين الذي كان مقرًّا للملك، وقد شاهده الهمداني ويسمونه الآن "قصر بلقيس" وعلى مسيرة نصف ساعة من شمال شرقي المدينة أنقاض بناء عظيم يقال له: "حرم بلقيس" وهو أهليلجي الشكل، حوله سور له بابان شمالي وجنوبي، وعليه كتابة تشير إلى أنه كان هيكلًا لعبادة "ألمقة" الإله القومي لسبأ١.
ويشاهد في صنعاء آثار قصر غمدان الذي بناه الملك "اليشرح يحضب" من ملوك الدور الأول الحميري في القرن الأول للميلاد، والذي شاهد الهمداني أطلاله، وقال: إنها عبارة عن تل عظيم كالجبل، ويعد من أفخم قصور اليمن إذ قيل: إنه بني بالبورفير والجرانيت والمرمر، وكانت كل واجهة من واجهاته الأربع مبنية بحجارة يختلف لونها عن ألوان الأوجه الأخرى. ويروى أنه قد جعل عشرين طابقًا بين كل طابق وآخر عشرة أذرع.
ومن أهم قصور اليمن٢: قصر ناعط العظيم، الذي يلي قصر غمدان شهرة. وهو في الحقيقة عبارة عن محفد، مؤلَّف من قصور عديدة تزيد على عشرين قصرا كبيرا، يحيط بها سور مبني بالصخر المنحوت. وأشهرها قصر المملكة الكبير، الذي كان يسمى قصر "يعرق" وليس هناك من قصر إلا وتحته صهريج للماء تجمع فيه مياه الأمطار التي تهطل على سطحه وهو يعتمد على أساطين فخمة، طول الواحدة منها نيف وعشرون ذراعًا ويكاد لا يحضنه رجلًا.
_________________
(١) ١ جورجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ص١٤٤. ٢ منها أيضًا قصر تلفم وقصر ريدة وقصر صرواح.
[ ٩٤ ]
ومن القصور التي أقيمت على غرار ناعط محفد "مدر" المؤلف من أربعة عشر قصرًا كلها غنية بالأعمدة السامقة، وهي غاية في الفخامة والجمال. وهذه القصور والمحافد أشبه بقلاع يقيم فيها الأذواء والأقيال، تحتوي على هياكل وعلى تماثيل للآلهة.
كان اليمنيون ماهرين في فن البناء ونحت الحجارة، ويستدل من آثارهم الباقية أنهم عرفوا العقد المدبب الذي يستند على أعمدة باسقة. وقد بنى اليمنيون بالإضافة إلى القصور السدود والحصون والمعابد والحياض وخزانات المياه، وأكثروا من بناء الهياكل، إذ احتوت بعض مدنهم ٦٠ هيكلًا، وبعضها الآخر ٦٥ هيكلًا. ولم تكن عنايتهم بالإكثار من السدود والخزانات بأقل من ذلك، ولا تزال كثير من الخزانات والأحواض التي بنوها لخزن المياه مستعملة حتى الآن، على أن أهم أثر تركوه هو سد مأرب العظيم الذي تكلمنا عنه.
وكانوا يزينون مبانيهم بنقوش كتابية، أو برسوم تمثل بعض الحيوانات، مثل رءوس الثيران والسباع والظباء وغيرها، أو بزخارف من أغصان وأوراق الشجر والأزهار، أو ببعض الأشكال الهندسية الجميلة، وأحيانا كانوا ينقشون على الواجهات مشاهد من الحياة العادية كحراثة الأرض أو غير ذلك من أعمال الزراعة.
[ ٩٥ ]