طبقات العرب وأقسامهم:
اصطلح النسابون العرب والرواة والأخباريون على تقسيم العرب إلى ثلاث طبقات: العرب البائدة، العرب العاربة، العرب المستعربة، وبينما جعلوا قحطان جدًّا أكبر للعرب العاربة، التي كانت منازلها الجهات الجنوبية من شبه جزيرة العرب "اليمن"، جعلوا عدنان جدًّا للعرب المستعربة التي كانت منازلها الجهات الشمالية منها "الحجاز". وقد أرجعوا هذين الجدين إلى سام بن نوح وكذلك جد العرب البائدة، ولكنهم اختلفوا في اسم الجد الذي تنتسب إليه الطبقة الأخيرة: هل هو إرم بن سام أم لاوز بن سام بن نوح؟ ومضى النسابون في ذكر أسماء أولاد كل من قحطان وعدنان، ومن تناسل من ذريتهما، بينما ذكروا أسماء القبائل البائدة دون أية تفصيلات.
غير أن المصادر التي نستقي منها معلوماتنا عن هذا التقسيم، وعن أنساب العرب الجاهليين لم نتلقَّها مباشرة من النسابين الجاهليين، لا بل انتهت إلينا عن طريق المصادر
[ ٥٤ ]
الإسلامية "كتب التاريخ والأنساب التي صنفها الكتاب المسلمون بعد قرنين من نهاية العهد الجاهلي" ولذا فإن الباحثين المحدثين يحيطونها بالتحفظ لبعد ما بين العصر الجاهلي وعصر تدوين الأخبار، فلربما يكون المؤرخون الإسلاميون قد عدلوا فيها بما يتفق وإيمانهم الجديد، لا سيما وأن الإسلام الذي دعا إلى فكرة الإخاء بين المسلمين، بقطع النظر عن عروقهم وأجناسهم وقبائلهم ووجوب نفي العصبية من الأذهان، قد زعزع إلى حد ما النظرية العربية في أصل العرب وأنسابهم.
ولكن بالرغم مما يحتمل أن يكون قد داخل الأنساب المنقولة من تحوير وتعديل، وبالرغم من نقاط الضعف والغموض والفجوات التي سأشير إليها عند مناقشة مسألة النسب، فإن النظام الذي وضعه النسابون لا بد من إيلائه الاعتبار؛ لأن كثيرًا من الأمور التاريخية، سواء منها التي جرت قبل الإسلام أو بعده، لا يمكن تعليلها تعليلًا مرضيًا إلا بالرجوع إلى التقسيمات التي جاءت في نظام النسب العربي. ويبدأ هذا النظام بذكر القبائل التي اعتبرت أنها قد كونت السكان الأصليين لشبه جزيرة العرب، وأطلقوا عليها اسم:
[ ٥٥ ]